نقاش موسيقي

الشّروط الموضوعيّة لنجاعة النّشاط الموسيقي في القرن الواحد والعشرين

أحمد عيدون من أسمى مهام الموسيقى أن تعبر عن المجتمع في تعاقب الفترات التاريخية وإيصال هذا التعبير إلى مجتمعات إنسانية أخرى ومحاورتها وتبادل التأثير معها فيما يوافق أسلوبها وحضارتها الفنية. وقد أصبح هذا ممكنا على نطاق واسع بفضل وسائل الاتصال الحديثة وتنقل الفنانين عبر بلاد العالم، وإذ قرناً جديداً فبتنا بالتأكيد نترقب أسئلة بالغة الأهمية بالنسبة لموسيقانا العربية وموقعها من حضارة هذا القرن، وقيمه وفكره، وضرورة تبوئها المكانة التي تستحقها بين الثقافات الإنسانية الموسيقية الأخرى، وبالنظر كذلك للتغيرات التي ما فتئت تمس المجتمع العربي وتهم تطور الإنسان من حيث فكره وعواطفه وأحاسيسه.  وفي حديثنا عن المستقبل مسؤولية لأن المنطق يقتضي...

لغز الموسيقى

تمثل الموسيقى لي لغزاً عظيماً لم نجد له تفسيراً ولا حلاً، فهي مجموعة من الأصوات السابحة كغيرها في الهواء، لكن سراً ما يجعلها تسحر الآذان وتطرب السامعين، فلماذا يكون في الاستماع لها بالذات متعة ولذة مختلفة عن باقي الأصوات العشوائية؟ إني أتساءل: هل النظم والتركيب الموسيقي مرتبط بخاصية كونية مثل خصائص الفيزياء والكيمياء؟ مثلاً، خاصية متعلقة بمعادلات رياضية منطقية موجودة ضمن الكون ويتلاعب بها الملحنون دون دراية علمية بها؟ أم أنه أمر شاعري متعلق بالذوق الإنساني، وأنها ليست سوى استساغة فنية أوجدها الإنسان لنفسه كاستساغة الجماليات الأدبية والشعرية مثلاً؟ لو سألنا ما هي الموسيقى؟ سأتوقع إجابات مثل “تلك التي نسمعها...

لماذا لا تثير موسيقانا الفكر الداخلي؟

هل مهمة الموسيقى وضع المستمع في حالة من الهيجان الجسدي؟ أم وضعه في حالة من الفرح والبهجة كي تثير فيه نوعا من الفكر الداخلي؟ لقد ثبت بالفعل أن طاقة الإيقاع المستفزة، والمبالغة اللحنية تغمر في عواطف مبالغ فيها، وتضع غلافا من الضجيج يمنع العقل البشري من التفكير، وتقتل نزعة هذا العقل للخيال. قديما كانت أهم ميزات الموسيقى العربية قدرتها على الوصول إلى أدق المشاعر الإنسانية، ويحضرنا في هذا المجال واقعة الفارابي حين دخل مجلس سيف الدولة، وأخرج من جلبابه خريطة فيها عيدان، ركبها فضحك من عزفه سيف الدولة والجمهور، ثم فكها وركبها وعزف فبكوا جميعا، ثم فكها وركبها وعزف فناموا...

العودة إلى مظاهر الرقي

شئنا أم ابينا، تقول لنا المصادر التاريخية إن الفنون لا تزدهر إلا في مناخات الرقي، فقد وصلت الموسيقى العربية قمة ازدهارها في قصور الخلفاء، وفي الصالونات الراقية التي تجتمع لتستمع بكل ما هو راق وجميل. ووصلت الموسيقى الغربية إلى قمة ازدهارها حين فتحت لها صالونات الطبقة الثرية التي كانت تعقد لسماع كل ما هو راق وجميل. وكانت الأغنية العربية في عز تألقها تعتمد على عيون الشعر العربي، هذا الشعر الذي جمعه أبو الفرج الأصفهاني في مؤلفه المشهور "كتاب الأغاني". الآن أصبحت الموسيقى والأغنية العربية لا تجد سوى الشارع والحانات والمراقص، التي لا يؤمها سوى حفنة من الناس لا يأتون من...

دجاجة الموسيقى وبيضتها

منذ بدايات القرن الماضي والجدل مشتعل في صفوف الملحنينوالعازفين والمطربين، حول إدخال الآلات الموسيقية الغربية إلى الموسيقى العربية، دون الوصول إلى قواسم مشتركة بين هؤلاء الموسيقيين الذين انقسموا إلى صفين لا ثالث لهما، إما رافض لإدخالها لأنها لا تنسجم مع أصالة الموسيقى العربية، وإما مؤيد لها بحجة الانفتاح على الحداثة. للأسف لم يأخذ كلا الصفين الأمر على محمل الجد، وأعادوا إلى مقولة: أَيُّهما جاء أولا الدجاجة أم البيضة، هذا النقاش البيزنطي المشهور عبر التاريخ. وغاب عن فكرهما أن الأمر لا يتعلق بآلة أو بقالب موسيقي، وإنما يتعلق بالقدرة على الإبداع، والقدرة على الاستفادة من تجارب الآخرين وصهرها في بوتقة الإبداع...

الهم الجمعي للموسيقى

خسرت الموسيقى العربية في الفترة الآخيرة كثيرا حين حشرت نفسها في خانة الغناء، واتكأت على جمهور بينه وبينها أمد طويل، ووسائل إعلامية صنعت للترويج لكل ما هو هابط وهزيل.  تخبرنا كتب التاريخ أن الموسيقى لا يمكن أن تنهض في بلد من البلدان إلا إذا أصبحت هما جمعيا يساهم كل من فيه بارتقائها. وتخبرنا أيضا أن الموسيقى العربية، لم تتسيد العالم إلا حين أصبحت هما للمفكر والفيلسوف والصناع المهرة الذين عملوا على تطوير آلاتها ورجل الشارع الذي يترنم بها، وحين أصبحت البيوت نواديَ يجتمع فيها كل محب للموسيقى.  حتى في عصر النهضة، كان لشيوخ الأزهر مساهماتهم التي عززت من وضع الموسيقى...


.