كسل وإهمال المطربين أبعداها عن المشهد الغنائي

مقامات الموسيقى.. تغييب متعمد و«تفقير» لذائقة الأذن !

علي سعيد

مقامات الموسيقى الشرقية، جزء من الهوية الفنية والثقافية العربية، إلا أنها انحسرت وغابت عن مسمع الجمهور العريض، بعد أن ابتعد عن أدائها المطربون الحاليون وكذلك الملحنون والموسيقيون الذين فضلوا تقديم أغنيات بسيطة على مقام واحد هو في الأغلب مقام «الكرد»؛ مما حرم الأذن العربية والعالمية؛ كنزا يكاد يضيعه موسيقيو هذه الأيام.. الموسيقي السعودي خالد برزنجي تجاوز الانتقاد، محذرا بل ومتهما الموسيقيين العرب بإهمال وتضييع موروث مقامات الموسيقى العربية، داعيا إلى تنويع وإثراء الأغنية العربية بعدة مقامات يجيد الملحن توظيفها في الأغنية من خلال ما يحمل كل مقام من معنى نغمي، كما هو الحال مع مقام الصبا الذي يوظف في الأغنية ذات الكلمات الشجية. مدللا بالقول: لماذا القراء القدامى كانوا ينوعون في المقامات؟ لأن كل جزء في القرآن يحمل معنى معيناً، يقوم القارئ بتقديمه بمقام محدد يخدم المعنى المطلوب.

ويضيف برزنجي مدللا على أهمية المقامات في المعنى الغنائي، بمقام باستانكار الذي تعلمه مباشرة من صوت الأرض الراحل طلال مداح. وحول هذا المقام يقول الموسيقي السعودي: هو مقام يستعمل لتأكيد الأثر الروحي في الأغنية، كما بمقطع (يدٌ بظهر الغيب – واليوم لي) من رباعيات الخيام لأم كلثوم والحان رياض السنباطي.

ويشير برزنجي إلى أن مشكلة تغييب المقامات الموسيقية بدأت من مصر التي ويا للمفارقة بدأت منها النهضة الموسيقية أيضا؛ مذكرا بالفترة التي ظهرت فيها أغنيات: حميد الشاعري وعلي حميده (لولاكي)، ومنها بدأت الأغنية العربية في هبوط عام؛ في الوقت الذي كانت الأغنية الخليجية خلال نهاية الثمانينيات وبداية التسعينينات في الخليج العربي تواصل تطورا مع خامات صوتية وموسيقية جميلة مثل خالد الشيخ وعبد الله الرويشد ونبيل شعيل.

 

ويرى برزنجي أن السبب الأول في تغييب مقامات الموسيقى العربية عن الأغنية الحالية يعود إلى هيمنة النمط الاستهلاكي التجاري على شركات إنتاج الأغنية والتي تخلو من وجود فنانين داخلها يقومون بوظيفة الحفاظ على الفن الأصيل بالدرجة الأولى قبل الترويج لهذا المنتج الغنائي أو ذاك. مضيفا: الملحنون يبحثون عن المال فمن الأيسر لهم أن يلحنوا على مقام واحد. متأسفا بالقول: نظرة معظم الفنانين إلى الفن سطحية علما أنهم أهل المجال.

ويؤكد برزنجي أن المشهد الغنائي الخليجي والعربي يكرس حالة تضييع وتغييب المقامات وتفقير الأذن العربية من قيمة نغمية وجمالية عالية، تسهم بلا ريب في رفع الذائقة الجمالية للإنسان المتلقي.  مبيناً أن معظم ما يقدم حاليا من أغنيات على مقام واحد وهو في الأغلب مقام «الكرد»؛ متسائلا: لماذا لا يتغير المقام كما كان يفعل ملحنو زمن العمالقة كرياض السنباطي في أغنية «الأطلال» التي يتحدث عنها برزنجي قائلا: هي أحد أعجب ما قدمه السنباطي الذي استهل لحن هذه الأغنية بأربع مقاماتٍ أو أكثر، لا يقدمها كاملة وإنما يستعرض مفاتيح الأنغام المشتركة بين المقامات التي سيقدمها في الأغنية وكنوع من «الموجز اللحني و المقامي» الطربي. ثم يأتي التفصيل مع الأغنية كاملةً.

ويوضح برزنجي أن المطربين الذين كانوا يقدمون في زمن سابق أغنيات متعددة المقامات ركبوا الموجة التجارية؛ مستثنيا بعض الظواهر الحالية في الأغنية العربية ومنها: المطربة شيرين والتي «يقف لها احتراما» لما تبث من جمال في كثير من أعمالها التي تحوي أغنيات «مقامية». وكذلك أصالة التي تمتلك صوتا «ذهبيا» يستوجب «ترصيعه» وتقديمه بمقامات موسيقية؛ إلا أن الأجواء المحيطة بأصالة تستدعي نفس المشكلة، لأن أغلب الملحنين لم يتمكنوا من السيطرة على قوة صوت أصالة.

أما محمد عبده فهو من أهم المتمسكين بهذا المبدأ في أعماله؛ وكذلك كاظم الساهر الذي يتحدث عنه برزنجي قائلا: عندما يقدم أغنية ذات مقام واحد فإنه يستعمل «تقنياته» كموسيقي وملحن في التنويع على هذا المقام. وهو مطرب موسيقي تحتفظ له المكتبة العربية بروائع غنائية تتجلى فيها المقامات العربية بصورة بديعة كما في (مدرسة الحب) و(أنا وليلى) وبلا شك أغنية كاظم الطويلة (لا يا صديقي).  ويستشهد برزنجي أيضا بأغنية مسلسل «أهل كايرو» لحسين الجسمي وألحان وليد سعد، كحالة قلما تقدم هذه الأيام في تنوع المقامات على المستوى الجماهيري.

 

يذكر أن المقامات الموسيقية هي: (الرست و النهاوند ونوا أثر والبياتي والكرد والحجاز والصبا والسيكا والعجم وباستانكار) ويتفرع عن هذه المقامات مجموعة كبيرة من المقامات التي تقترب من »360» مقاما شرقيا حسب ما يشير إليه مؤرخو الموسيقى؛ إلا أن آخرين يذهبون إلى أنها لاتتجاوز المائتين بفروعها جميعا.

والمقام هو عبارة عن توالي لعلامات موسيقية وفق أبعاد معينة وقواعد موضوعة لتصنيف اللحن الموسيقي, الأمر الذي يسهل تعامل العازف مع الآلة وبالتالي مع المقياس الموسيقي، وتعود المقامات الموسيقية إلى شعوب الشرق بين البلاد العربية والتركية والفارسية.

المصدر: جريدة الرياض

.