الطرب الجديد

د. حسن رشيد

 

في لحظة استرخاء وتأمل حوّل الاحفاد - ليحفظهم البارئ - صمتي وسكوتي إلى مرتع للصخب، لا ادري كيف انطلقت الصرخات ولماذا؟ حتى اكتشفت مصدر كل هذا الصخب. فقال لي أحدهم ببراءة الطفولة "يبا.. شاكوش!!"، للوهلة الأولى لم استوعب الدرس، خاصة وأن الجهاز السحري التلفزيون كان بعيداً عن القنوات، أدركت جهلي، وأن هناك شريكا آخر يقدم كل هذا.

 

قبل شهور كان المصدر محمد رمضان، والأطفال ببراءتهم يقلدون حركاته، والآن نموذج آخر قد ظهر واحتل معه سوق الفرجة، من هو شاكوش؟ ومن هو المطرقة؟ وهل يطل علينا غداً كل أدوات النجارة حتى يصل المتلقي إلى المنشار؟ عفواً فإن المنشار من اختصاص جهات أخرى! هوجة جديدة ولا شك بقيادة مجموعة من المؤدين، وهذه ظاهرة صحية، نعم ظاهرة صحية، تظهر كما قال وذهب إليه "ابن خلدون" في ظل واقع المجتمع المغيب والمغلف بما لا يتماشى مع واقع الأمة، من حروب، وفقر، وخراب وعدم الأمان، وهذه ظاهرة تتكرر دوماً، وتغلف واقع الأمم والشعوب، والأدهى والأمر أن نقيب الموسيقيين ]في مصر[ اصدر قراراً بمنع هذه النماذج.

 

السؤال أين أنت من كل هذا؟ ثم إن ظاهرة هذه الأغاني ممتدة عبر الزمن، كان هناك هوجة "لولاكي" أين علي حميدة الآن؟ وكان ظاهرة البرتقالة؟ أين تلك الظاهرة؟ تعال نعد عقارب الساعة إلى الوراء، في تلك الأيام غنى اشهر الأصوات أغاني ذات معان خارجة عن المألوف، أم كلثوم غنت ذات يوم "الخلاعة والمجون مذهبي" وعبد الوهاب "الدنيا كاس وسيجارة" وفتحية أحمد وسلطانة الطرب منيرة المهدية. دعنا من مصر حاملة لواء الفن والإبداع الغنائي. هل استمعت لأغاني طاهر الاحسائي أيام الاسطوانات. حتى طلال مداح لديه عدد من تلك الأغاني، إذن كل أرجاء الوطن العربي عرفت تلك النماذج، متى؟ عند انحسار الفن الجيد، وعند انتشار الأمراض والأوبئة، لا أعني ما تصيب الأجساد بل النفوس والعقول، إن اغنية "ولد صغير اسمه زيزو.. يحط أصبعه في أذن صاحبه" مواز لأغنية "بنت مكة" (أنا بنت مكة.. أصيلة). إن حسن شاكوش وعمر كمال ودانا وعشرات الأسماء يعيدون إلى الآذان إرث الآباء والأجداد وتلك الأغاني التي ما زالت وستظل ملاصقة للآذان العربية مثل أغنية "هات الازازة"، او "يا شبش الهنا.. ياريتني كنت انا"، أو "ارخي الستارة اللي في ريحنا"، أو أغان مرت سراعاً ومع الأسف لم تنطفئ جذوتها أبداً، لأن هناك جيلا آخر يعشق مثل هذه الأغاني. والمؤسف أنهم أحفادي أحفادك وسلامتكم.

 

نقلاً عن "الشرق"

.