الفنان محمد الناشف المعروف بمحمد محسن لحّن لفيروز واكتشف وردة

سليمان بختي

إذا قلنا إن كل نجوم الغناء العربي غنّوا من ألحان الفنان محمد الناشف التي قاربت الأكثر من ألف لحن، فلا نبالغ. كلهم غنّوا ما عدا أم كلثوم وليلى مراد وعبد الحليم حافظ. اكتشف وردة الجزائرية ولحن لفيروز في بداياتها، ولاحقاً موشح "سيد الهوى قمري" (1971) ثم في العام 1996 "جاءت معذبتي" و "لي فؤاد" و "لو تعلمين" و "أحب من الأسماء ما شابه اسمها".  أقام في مصر فترة وترك بصماته، وأقام في لبنان ردحاً ونقش أثره.  هو ابن أحياء دمشق العتيقة (قصر حجاج).   لكن في شتاء 2007 ومن قلب أحد شوارعها، سار موكب متواضع لجنازة خلفها القليل من الأفراد، وكان ميكرفون السيارة التي أقلته إلى المثوى الأخير ينادي ترحموا على المرحوم "محمد الناشف". ولم يكن أحد ليعرف أن هذا الإنسان هو الملحن المبدع محمد محسن الذي غيبه الإعلام طويلاً وأهملته الذاكرة الفنية وهو صاحب الفضل والدور والأيادي البيضاء.

ولد في دمشق عام 1922 وعندما تفتحت مواهبه الموسيقية على يد الملحن السوري صبحي سعيد وأوتار عوده، التحق بإذاعة دمشق ولما توقفت عن البث جاءته دعوة من "إذاعة الشرق الأدنى" ليسجّل بعض أغانيه، فلبّى. التقى في الإذاعة بحليم الرومي وغالب طيفور لكنه لم يوفّق بالاستمرار فقصد إذاعة القدس وتيسر له هناك تقديم الأغاني بمفرده أو بالتعاون مع جميل العاص.  في فترة وجوده في القدس تدرب على يد الفلسطيني حنا نخو وتعلم أصول الموسيقى والتدوين وكان من أوائل الموسيقيين العرب في كتابة المدونة الموسيقية.  تم اعتماده مطرباً وملحناً في إذاعة القدس وخصّصت له الإذاعة أربع حفلات شهرياً. أقام في القدس ثلاث سنوات ولحّن خلالها لعدد من المطربين الفلسطينيين منهم محمد غازي وماري عكاوي وفهد نجار.  اثر نكبة 1948 توقفت إذاعة القدس عن البث فعاد إلى دمشق مع مجموعة من الفنانين العرب، منهم الملحن عبد الفتاح سكر.  دعته في العام 1951 "إذاعة الشرق الأدنى" للعمل فيها مراقباً للموسيقى والغناء وقدم من خلالها العديد من ألحانه للمطربين العرب.

في منتصف الخمسينات زار محسن القاهرة وأوكل إليه محمد حسن الشجاعي رئيس قسم الموسيقى في الإذاعة المصرية مهمة تلحين الأغاني للمطربين المعتمدين من قبل الإذاعة. وكانت ألحانه متأثرة بعالم رياض السنباطي ومناخ أحمد صدقي واجواء زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب مع الحفاظ على الروح الشرقية من دون أي تغريب.  في مصر قدم ألحانه لمشاهير نجوم الغناء فيها مثل: محمد رشدي "يا وابور الساعة 12"؛ ومحمد قنديل "عهد الله على العرب"؛ وعبد الغني السيد "عمري يا عمري"؛ ونجاة الصغيرة "نسيت كيف نسيت" و"أدري وأنت مش داري" و"يا عيني على الألم" و"العيد"؛ وشريفة فاضل "طل الحليوه" و" آه يا زين"؛ وعادل مأمون "سيبوه لوحده"؛ وصباح "رجال أحلى من المال" و"سلم ع الحبايب" و "لله يا محسنين" و "يا صاحب هالصورة" و"ما حبيتك لا لا" و"له يا قمر" و "طق ودوب" و"يما في ست بها الحي".  غنّى له محرم فؤاد "ابحث عن سمراء" وحققت له شهرة. وغنّى له اسماعيل شبانة (شقيق عبد الحليم حافظ) "باسمك اللهم". وغنّى له كذلك محمد عبد المطلب وسعد عبد الوهاب وفايدة كامل وطلال مداح "يا مسافر" ومحمد عبده "خاصمتني عيني".  وقدّم كذلك ألحاناً مميزة لفايزة احمد مثل "لدرب الهوى" و "ما في حد يا ليل" و"شفتك حبيتك يا سماره" و "سيد الحناين" وأغنية دينية بعنوان "يا رب صلّي على النبي".

لكن ضربته المميزة كانت في اكتشافه وردة الجزائرية إذ كانت أول من لحّن لها عند قدومها إلى بيروت من باريس. التقاها في العام 1952 وأعجب بصوتها وأدائها المميز لأغاني أم كلثوم، ولحّن لها أغنيتها الأولى "دق الحبيب دقة" ثم "على باب حارتنا" و"يا اغلى الحبايب" ويذكر أنها غنّت من ألحانه في مسلسل "الوادي الكبير" مع صباح فخري.  أما أخر ألحانه لوردة التي بلغت اثني عشر كانت "روح يا هوى" في العام 1976.

المدد الثاني في مسيرته التلحينية كان مع المطربة اللبنانية سعاد محمد فقد حققت مع ألحان محمد محسن شهرة كبيرة. وكانت أول أغنية "دمعة على خد الزمن" و "والله زماني" و "ليه يا زمن الوفا" و "جلونا الفاتحين" كلمات بدوي الجبل. أما الأغنية التي انطلقت وضربت في الإذاعات العربية فكانت "مظلومة يا ناس"، حيث انهالت على محمد محسن عروض التلحين من كبار المطربين والمطربات. وكان لإقامته في بيروت منذ منتصف الستينيات إلى 1975 الفضل في تقديم ألحان كثيرة لنجوم الغناء في لبنان. فغنت له نجاح سلام "محبوس" و"أنا وردة" و"سنيورة" و"الليلة سهرتنا حلوة الليلة". وغنّى له وديع الصافي "النجمات صاروا يسألوا" و "تسلملي عيونها الكحلى" و "ما احوالك يا ليل"، وغنّت له نازك "يا حلو تحت التوتة" و"في حاضرنا وماضينا" و"لو با اسمر لو" و"ابن الاحزان"، وغنّى من ألحانه نصري شمس الدين "ما أصعبك على القلب يا يوم السفر"، وسميرة توفيق في أغاني مسلسل "فارس ونجود". ونور الهدى "حبي الكبير" و "انحلتني بالهجر".  بالإضافة إلى محمد مرعي وسعاد هاشم ورنده وهيام يونس وطروب ونهاوند "تسلمي تسلم تسلم" وسهام شماس، إلى نجوم الغناء في سوريا مثل: مها الجابري وكروان وفهد بلان وموفق بهجت وماري جبران وأصالة. ولكن عام 1971 بقي راسخاً في ذاكرته فقد طلب منه الأخوان رحباني تلحين قصيدة " سيد الهوى قمري" لتغنيها فيروز. فلحّنها خلال أيام مثيراً أعجاب الأخوين وتفهمهما لعطاء هذا الملحن القدير.

في العام 1996 دعته فيروز لتلحين أربع أغنيات "جاءت معذبتي" و "لي فؤاد" و "لو تعلمين" و "أحب من الأسماء" فلحّنها في فترة قياسية وأحرزت نجاحاً. ويفيد الباحث أحمد بوبس وهو صديق محمد محسن بأن فيروز اتصلت به قبل وفاته لتلحين مجموعة جديدة من القصائد، لكنه اعتذر. وذلك لثلاثة أسباب:

1.    لأنه ملّ من تلحين القصائد

2.    لأنه كان يودّ أن يلحن لفيروز أغاني بالمحكية بحسب اتفاق مسبق

3.    لأن الأغنيات التي صدرت في العام 1996 ظهرت مع مجموعة من الحان زياد الرحباني في كاسيت واحد

وكان الأنسب والأجمل لو صدرت ألحانه باسمه وحده، وبالتالي يختار كل مستمع ما يناسب لونه ومزاجه وحسّه الغنائي.

في سنواته الأخيرة لبث في بيته الدمشقي يدندن على العود يتأمل الياسمين يهمي في بركة حديقة منزله، ويتذكر كبار عصره وتلك المدن التي شهدت نجاحاته: دمشق والقدس والقاهرة وبيروت، فضلاً عن قبرص. وتلك الألحان الباهرة التي دخلت في تاريخ الغناء العربي حتى وافاه الأجل في عزلته في ذات ليلة باردة من شتاء 2007.

صحيفة النهار اللبنانية

.