العودة إلى مظاهر الرقي

شئنا أم ابينا، تقول لنا المصادر التاريخية إن الفنون لا تزدهر إلا في مناخات الرقي، فقد وصلت الموسيقى العربية قمة ازدهارها في قصور الخلفاء، وفي الصالونات الراقية التي تجتمع لتستمع بكل ما هو راق وجميل.

ووصلت الموسيقى الغربية إلى قمة ازدهارها حين فتحت لها صالونات الطبقة الثرية التي كانت تعقد لسماع كل ما هو راق وجميل.

وكانت الأغنية العربية في عز تألقها تعتمد على عيون الشعر العربي، هذا الشعر الذي جمعه أبو الفرج الأصفهاني في مؤلفه المشهور "كتاب الأغاني".

الآن أصبحت الموسيقى والأغنية العربية لا تجد سوى الشارع والحانات والمراقص، التي لا يؤمها سوى حفنة من الناس لا يأتون من أجل سماعها، بل من أجل التمايل غير الواعي على شيء هم في واد وهو في واد آخر.

وأصبحت من خلال وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي ملكا مشاعا لكل من هب ودب، لدرجة أننا أصبحنا نرى في الضجيج موسيقى، وفي النهيق غناء، وأصبحت آذان شبابنا مرجا يسرح ويمرح فيه هؤلاء الناعقون، مما جعل فيروز وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وصباح فخري وعبد الحليم حافظ وكوكبة الموسيقيين والمطربين الذين أثروا الموسيقى والغناء في أوائل ومنتصف القرن الماضي يتوارون خجلا مما يحدث على الساحة الآن.

ألا يدعو كل هذا إلى نقاش جاد، من أجل نشل موسيقانا وأغانينا من هذا المستنقع الضحل، لنعيد إليهما بعض هيبتهما التي لوثت بهذه الميكروبات والفيروسات الأشد فتكا من فيروس كورونا.

ألا يدعو هذا إلى التأمل في الماضي العربي والعالمي الذي أنتج أروع ما عرفته الموسيقى وعرفه الغناء حين كان الموسيقي أو المغني لا يعترف به إلا اذا غنى على أرقى المسارح ودور الأوبرا في العالم.

لماذا أخرجنا فننا العربي من دوائره التي  تليق به، وألقينا به إلى الحفلات العامة والمقاهي والحانات وجعلناه مشاعا؟

ألا يدعو ما نحن فيه إلى وقفة جادة من قبل المسؤولين والأفراد وذوي الاختصاص كي ننقذ ما يمكن إنقاذه والعودة إلى الزمن الجميل الذي لا يسمح فيه لهواة الضجيج والنهيق والنعيق بدخول ساحته أو حتى التفرج من بعيد على إبداعاته؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

.