لماذا لا تثير موسيقانا الفكر الداخلي؟

هل مهمة الموسيقى وضع المستمع في حالة من الهيجان الجسدي؟ أم وضعه في حالة من الفرح والبهجة كي تثير فيه نوعا من الفكر الداخلي؟

لقد ثبت بالفعل أن طاقة الإيقاع المستفزة، والمبالغة اللحنية تغمر في عواطف مبالغ فيها، وتضع غلافا من الضجيج يمنع العقل البشري من التفكير، وتقتل نزعة هذا العقل للخيال.

قديما كانت أهم ميزات الموسيقى العربية قدرتها على الوصول إلى أدق المشاعر الإنسانية، ويحضرنا في هذا المجال واقعة الفارابي حين دخل مجلس سيف الدولة، وأخرج من جلبابه خريطة فيها عيدان، ركبها فضحك من عزفه سيف الدولة والجمهور، ثم فكها وركبها وعزف فبكوا جميعا، ثم فكها وركبها وعزف فناموا جميعا، فتركهم الفارابي وخرج وهم نائمون.

قديما كانت الموسيقى مرتبطة بالعلم والأدب والفلسفة، فعزف الفارابي عزف فيلسوف، وليس عزف أمي لا يتقن القراءة والكتابة. ولهذا كان الإبداع الموسيقى العربي يتصدر خارطة الفن الموسيقي في العالم، وجعل تأثيره يدخل في صلب الموسيقى العالمية.

للأسف، نحن الآن في مرحلة التلقي والتأثر ولسنا في مرحلة التأثير، وهذه مرحلة تمر بها كل الأمم، لكن ألا يدعو هذا إلى ان نذهب إلى ما ينفعنا لا إلى ما يضرنا، لماذا لا نذهب إلى الموسيقى التي تحفز الفكر والإدراك، وإلى الموسيقى الجمالية الأكثر تسامحا، بدل الذهاب إلى الموسيقى التي تثير فينا الغرائز وتترك أجسامنا ترتعش وعقولنا في حالة تيهان.

إن الموسيقى التي تطغى على ساحتنا الفنية هذه الأيام يمكن أن تحفز النشاط البدني، لكنها غالبا ما تعيق التفكير. إنها موسيقى غالبا ما ترضى الاستماع المغري بسبب المشاعر الشديدة والعواطف الواضحة المفهومة للجمهور، لكننا لا نريد جمهورا يسعى في غالبيته إلى الاستمتاع بالملذات والترفيه، وإنما جمهورا يطلق العنان لخياله وتفكيره.

هذه قضية في غاية الأهمية، وبحاجة إلى نقاش جاد، فالعقل العربي في هذه الأيام بحاجة إلى موسيقى ترقى به، لا إلى موسيقى تضعه في متاهات الحمق والجنون.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

.