الفنان هشام جبر: مصر تعاني كبوة ثقافية وفنية

ريم سامي

في النصف الثاني من أيلول/سبتمبر 2018، أعد المايسترو المصري هشام جبر احتفالية موسيقية كبرى إحياء للذكرى العاشرة لرحيل المخرج المصري يوسف شاهين.  وجاءت هذه الاحتفالية ضمن فعاليات مهرجان الجونة السينمائي في مصر خلال دورته الثانية.  يومذاك قام جبر وللمرة الأولى في مصر بتوزيع أوركسترالي جديد لمختارات من الموسيقى التصويرية لعدد من أفلام شاهين من بينها “المهاجر” و”المصير” و”عودة الابن الضال” و”الأرض” ومقتطفات من “إسكندرية كمان وكمان”، وعزفت هذه الأعمال حية أمام الجمهور وبمصاحبة الأوركسترا السيمفوني.

لا ينكر الموسيقار هشام جبر في حوار معه للمناسبة أن تجربته الجديدة في الموسيقى عمقت شعوره بالتوتر إزاء مثل هذه التجربة.  وفي هذا السياق، يرى جبر بأن أم كلثوم خالدة، معتبرا إياها إحدى العجائب المصرية، لا تتأثر شعبيتها مهما مرت السنوات.  وقد خاض جبر مغامرة كبرى لكونه تعامل مع نص موسيقي يكاد يكون مقدسا، هكذا ينظر جمهور أم كلثوم إلى أغنياتها، عازما على أن يهدمه ويقيمه من جديد عبر توزيع أوركسترالي سيمفوني.

غلف المغامرةَ شعورٌ بالخوف، قائلا إنّ “أغاني أم كلثوم شديدة الشرقية، فكان التحدي هو كيفية الحفاظ على الخصوصية عند مزجها مع الإيقاع السيمفوني والأوركسترالي”.

لم تكن مغامرة جبر جديدة على الساحة العالمية، فكثير من الملحنين والموسيقيين العظماء امتازوا بتلك الرؤى الموسيقية المختلفة، مثل الموسيقار اليوناني المعاصر ياني، الذي جمع بين الموسيقى اللاتينية والأوروبية. لكن جبر اقتحم عالم الموسيقى العربية بلمسة خاصة، وبصورة لم يرها كثيرون من عشاق الموسيقى العربية من قبل.

جاءت بداية هشام جبر مع الطرب منذ كان في الرابعة من عمره، واهتم بالغناء والموسيقى، وشجعه والده، وهو رسام وشاعر هاو، ولمس اهتمامه الخاص بالموسيقى. التحق جبر بكورال الأطفال الذي أسسته الراحلة رتيبة الحفني في أكاديمية الفنون، ثم التحق بالكونسرفتوار في السابعة، حتى تخرج فيه عام 1994.

ودرس فن قيادة الأوركسترا في مصر وفرنسا مع موسيقيين مرموقين، وله مؤلفات لفرق مسرحية مصرية وأجنبية. ويرى موسيقيون أن الدمج بين عدة ألوان وأطياف من الموسيقى والطرب، إحدى وسائل الربط بين الثقافات والشعوب وتعريف المستمع العربي على رؤى جديدة ومميزة وصناعة نهضة في الموسيقى المحلية، لكن تبقى المعضلة في كيفية تقديم عمل يناسب طبيعة وسيكولوجية المستمع العربي حتى لا يواجه الموسيقي أزمة بفشل ما يقدمه.

 

موسيقى نخبوية

بشكل عام تنظر مجتمعاتنا العربية إلى الموسيقى الكلاسيكية بكونها موسيقى نخبوية يستمع لها المثقفون وفئة معينة من الجمهور، بفعل تعقيدها، ولا يعتاد أو يحتمل الجمهور الاستماع لسيمفونية قد تمتد على مدار ساعة ونصف الساعة.

ويميل قطاع كبير من الجمهور العربي إلى الأعمال الغنائية أكثر من الأعمال العزفية. ويظل جمهور الموسيقى في كل أنحاء العالم ضئيلا، قياسا بجمهور الموسيقى الدارجة أو البوب، لذلك إلتون جون أكثر شهرة من قائد أوركسترا لندن السيمفوني، وعدم الاهتمام بالموسيقى الكلاسيكية ليس حكرا على مصر والعالم العربي، لكنه يفوق مثيله في أوروبا وأميركا.  ولا يجد هشام جبر ضآلة عدد جمهور الموسيقى في مصر والعالم العربي عيبا فهناك حضارات موسيقية وأخرى غنائية، وبينها دول أوروبية مثل إيطاليا.

طالما شيدت الموسيقى جسورا بين الثقافات المختلفة فهي لغة عالمية وتمثل قوة ناعمة فعلية. ويعتبر جبر أن حفل أم كلثوم الذي قدّمه في مهرجانات بعلبك كان خير تجسيد لتعريف القوة الناعمة والسيطرة الثقافية

ويضيف جبر: “تطرب الشعوب العربية للصوت البشري أكثر من الموسيقى المعزوفة، وهذا الأمر جزء من خصائصنا ينبغي الاعتراف به، لكن هذا لا يعني إهمال الترويج للموسيقى الآلية، وثمة محاولات كثيرة وصلت بالموسيقى إلى مستويات متقدمة، بعضها لفنانين من أمثال أندريا رايدر، وكذلك لعلي إسماعيل في تجربته مع فرقة رضا الشعبية، فيما حقق عمر خيرت خطوة كبيرة في هذا الصدد، وهو مثال جيد، ويمكن البناء على أساس هذا النموذج وتكراره”.

يبدي جبر أسفه لأن معظم الموسيقيين المصريين في الوقت الراهن لا يستمعون لموسيقى مختلفة، وغالبية الموسيقى الجديدة لا شخصية ولا هوية لها، وأحيانا تكون متشابهة، ولا يرغب أحدهم بالمخاطرة والخروج على المألوف، فالكثير من الملحنين يتعمدون تأليف موسيقى مشابهة للسائد لضمان نجاحها، بينما ينبغي الاستماع لكل الأنماط من اجل صناعة شيء مميز، كل ذلك يترسخ في الوجدان ويمتزج ويكون “الشخصية الموسيقية”.

لم يكن هشام حبيس الموسيقى السيمفونية، بل طوّعها في تأليف الموسيقى التصويرية لعدد من الأعمال الفنية، وبينها أفلام “صايع بحر” و”استغماية” و”إدرينالين” و”الشوق” ومسلسل “أنا عايزة اتجوز” .

ويؤكد جبر أن الفيلم يجتذب نوع الموسيقى التي يريدها، ولست أنا صاحب الاختيار. لديّ قناعة أن الموسيقى التصويرية الناجحة لا يشعر بها الجمهور بل ينساها، وتظل وظيفتها تعميق إحساس الجمهور بالمشهد، وتعميق الإحساس والانفعال به وتوجها نحو الأحداث، فهي تلعب على اللاوعي لدى المتفرج لخدمة الدراما.

في آيار/مايو الماضي توجت الدولة الفرنسية الفنان هشام جبر بوسام الفنون والآداب وهي جائزة شرفية فرنسية، تمنحها وزارة الثقافة، مكافأة لأولئك المتميزين في الإبداع الفني أو الأدبي، وسام بدرجة فارس، ويُعدّ من أرفع التكريمات.

وكان جبر واحدا بين قامات مصرية كبيرة نالت هذا الوسام، وهو أصغرهم سنا، فقد ناله وزير الثقافة ثروت عكاشة في عهد جمال عبد الناصر، وكذلك الأديب نجيب محفوظ، والمخرج يوسف شاهين والأديب جمال الغيطاني، ومن الدول العربية حظي بالتكريم الفرنسي كلّ من فيروز وماجدة الرومي وهند صبري.

جمع هشام جبر بين الموهبة والخبرة الإدارية، ومكث عبر ثلاث سنوات كمدير لمركز الفنون في مكتبة الإسكندرية محققا طفرة فنية وثقافية بعد توقف استمر طويلا، وأعاد إقامة مهرجان الصيف للفنون بعد توقفه طويلا حتى وصلت المشاركة لـ69 حدثا، وعد أكبر مهرجان فني عربي لقدرته على تقديم هذا الكم من الأحداث الفنية في نفس الوقت بعد صمت تام.

طالما شيدت الموسيقى جسورا بين الثقافات المختلفة إذ تمثل قوة ناعمة فعلية.  ويعتبر جبر أن حفل أم كلثوم الذي قدّمه في مهرجانات بعلبك كان خير تجسيد لتعريف القوة الناعمة والسيطرة الثقافية، شارحا كيف أن أسباب سطوة مصر في الستينات من القرن الماضي تعود إلى مشاهدة العرب للأفلام المصرية، واستماعهم للأغنيات المصرية عبر المذياع، وبعد خمسين عاما من انحسار هذا المد الثقافي يمكن الذهاب إلى أي مكان في الوطن العربي لتتكلم باللهجة المصرية وسيفهمك الجميع.

وأضاف “لا يوجد موسيقى في المنطقة العربية يمكنها أن تتجاوز الإسهام المصري، فكل المبدعين والمطربين مروا عبر القاهرة، وبينهم أسمهان وفريد الأطرش ووردة الجزائرية وفايزة أحمد وسعاد محمد وغيرهم.

وحول تبدل المعادلة خلال السنوات الأخيرة، أشار إلى أن السنوات في عمر الشعوب هي لا شيء، معترفا أن مصر تعاني كبوة ثقافية وفنية، إنما سوف تعود إلى مكانتها يوما ما، فهي مثل طائر العنقاء يحترق في الرماد لكنه ينهض من جديد.

ويرى جبر أنه يمكن اجتياز الكبوة الثقافية عبر التعليم موضحا “لديّ قناعة شديدة أن الأنظمة السابقة اغتالت التعليم عمدا لأن الشعب الجاهل يكون سهل القيادة، والادعاء أن مجانية التعليم في عهد عبد الناصر تتحمل أخطاء عقود مضت، ادعاء ظالم، وضمت المدارس آنذاك مسرحا وغرفة للموسيقى، وهناك مدرسون للموسيقى من كبار الملحنين وبينهم الراحل إبراهيم رجب.

ويعتقد جبر أن “النهضة الكبيرة التي حققتها مصر في الثقافة والفنون خلال ستينيات القرن الماضي نابعة من اهتمام وإرادة سياسية حقيقية من جانب الدولة، لذلك تغيّر وجه الثقافة والفنون خلال عشر سنوات فقط، وجعلت الأولوية للثقافة والتعليم، وإذا كنا نستهدف محاربة الإرهاب فمجابهته تأتي عبر خشبة المسرح ومن داخل المدارس وليس بالبندقية فقط، فالسلاح سيحارب أعراض المرض، بينما يظل المرض الأساسي هو الفكر المتطرف، الذي لا يمكن إبادته ومواجهته إلا بتغيير الفكر”.

لم يفقد جبر الأمل في الحالة المصرية، مشددا “لن نغرق في الكلام عن موروثنا الثقافي والفني، لكن ينبغي عدم تجاهل أن بعض الدول العربية من حولنا أضحت تسبقنا وتتجاوزنا، مشيدا بتجارب ثقافية وفنية عربية مختلفة خلال السنوات الأخيرة، قائلا “اللافت أن الواقع الثقافي في الوطن العربي تغير بسرعة إلى الأفضل”.

 وأَضاف “تولي دول الخليج مثلاً رعاية واضحة للثقافة والفنون، ولمست اهتماما بالغا من المواطن الخليجي بالمعرفة، وينبغي الخروج من دائرة الأوهام التي نعتقدها أن تلك البلدان لا تعطي الثقافة والفنون بالا، فذلك غير حقيقي، فالأجيال الجديدة تلقت دراستها في الخارج وتحمل رؤى مبتكرة وحماسا بالغا لنشر الثقافة”

أما عن الحالة في السعودية ورياح التغيير الثقافي التي طالتها فعبّر جبر عن سعادته بهذه الطفرة الثقافية التي تشهدها الرياض، فيراها حدثا عظيما وبديعا، ويخشى فقط أن يأتي التغيير السريع أكبر من تقبّل واستيعاب المجتمع الذي قد يقاوم هذا التحوّل،وتنجم عنه ردّة فعل عنيفة تجاه هذا النوع من التغيير.

وأشار إلى أن قدرة الثقافة السائدة على المقاومة تفوق قدرة الثقافة الوافدة الضعيفة، كما “يساورني القلق ألا يكون ذلك توجها عاما، بل إرادة سياسية لشخص، والتحدي الحقيقي الذي تواجهه القيادة السياسية في السعودية، هو خلق كوادر وصفوف ثانية وثالثة ورابعة تؤمن بتلك الأفكار الثقافية لضمان استمرار الحركة النهضوية.

.