أحمد الكحلاوي: عتاب والدي أعادني من سويسرا إلى طريق الإنشاد

 

نادية مبروك

إنه ابن شيخ المداحين، والده صاحب مدرسة فريدة في الإنشاد الديني، قام هو بتطويرها من بعده، تشابهت بداية الاثنين، فالأب محمد الكحلاوي بدأ حياته مطرباً وممثلاً بينما ابنه رغم كونه جزءاً من فرقة والده إلا أنه ترك الإنشاد بعد رحيل الأب، واتجه للغناء في سويسرا، ثم عاد مرة أخرى للإنشاد ليعود بسبب وصية الأب مرة أخرى.

في هذا الحوار مع محمد الكحلاوي حيث تحدث عن أمنيته بإنشاء أكاديمية الكحلاوي للإنشاد، وعن تراث والده، وكيف أثرت شهرته عليه.. فإلى الحوار.

*       كيف كانت بدايات أحمد الكحلاوي في الإنشاد؟

-         أنا ضمن 7 أخوة لشيخ المداحين محمد الكحلاوي، ولأن الصوت ليس وراثة ولا علاقة له بالجينات وإنما ملكة وهبة، فقد حظيت أنا فقط بجمال الصوت، ووالدي رحمه الله كان كالجواهرجي له نظرة ثاقبة، فعرف أنني من ضمن الأبناء السبعة الذي سأسلك نفس اتجاهه، وبالفعل من سن 5 سنوات بدأ والدي في تدريبي والحديث معي عن الإنشاد، وصدق حدسه وبالفعل اتجهت للإنشاد وكنت ضمن «الكورال» الخاص به، كما كنت مشرفاً على كافة الألحان التي قدمها حيث كنت أدرب عليها الكورال وأعضاء الفرقة.

*       كيف أفادك كونك ابن الكحلاوي؟

-         أفادني على المستوى الشخصي كثيراً، فوجودي في منزل كبير المداحين أعطاني الخبرة، فالحياة في المنزل تدور حول الإنشاد الديني والألحان، وجعلني أسعد إنسان لأن نجمي المفضل وقدوتي لا أراه في التلفزيون أو في منتدى أو حفل، وإنما مقيم معه في نفس المنزل، فأترقب سكناته وحركاته، حتى أنني اقتربت من تقليده في كل شيء، ولكن على المستوى العملي فقد أضرني، لأن الجمهور يتوقع مني أن أكون نسخة منه وهذا مستحيل، ودائماً الجمهور يعقد مقارنة بين الفنان وابنه وهي ليست في صالح الابن، وتحاسبه على أنه هو الأب رغم وجود فرق شاسع بين الخبرتين والعمرين، وهذه المقارنة لا تكون أبداً في صالح الابن.

*       تركت الإنشاد بعد وفاة والدك ثم عدت مرة أخرى بسبب وصيته، فما حقيقة ذلك؟

*       بعد وفاة والدي تركت مصر وتركت الإنشاد وسافرت إلى سويسرا لكي أبتعد عن كل شيء، وكنت في حال بعيداً عن طريق الحق، وكنت أعيش أيامي وسني وذلك في الثمانينيات، وكان كل ما يشغلني الغناء وأن أعيش حياتي كما يحلو لي، ولكن رأيت رؤيا صادقة لم أكن فيها نائماً، ولكن كنت مستيقظاً فرأيت أبي رحمه الله يعاتبني عن تركي اتجاهه لأنني كنت لمدة 15 عاماً ذراعه الأيمن في الفرقة وهو كان ينتظر أن أكون خليفته، فشعرت أن هناك عتاباً وغضباً وحزنا،ً وكانت العودة سريعة وفي توقيت غريب حيث كانت فترة أعياد جينيف التي ينتظرها المغنون لينالوا الشهرة.

*       الكحلاوي له مدرسة فريدة في الإنشاد ما الفرق بينها وبين مدارس الإنشاد الأخرى؟

-         الإنشاد أنواع كثيرة تختلف باختلاف الزمان والمكان، ففي الصحراء كان الإنشاد هو الحداء وهي البداية الأصلية للإنشاد، فكان الحادي ينشد مع القوافل ومواكب الحجيج، وكان في الريف هناك التحنين، وهو إنشاد تؤديه النساء بالاستعانة بأغطية الأواني، في وداع المسافرين للحج في ارتجال جميل يعبر عن اشتياقهن لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما في الصعيد فهناك الراوية التي يقوم بها الراوي على الربابة حيث يقوم برواية السيرة النبوية وسير الصحابة، ومع الوقت تمت إضافة السيرة الهلالية وسيرة عنترة بن شداد، وبعض هذه السير كانت فيها مبالغات لخدمة الغرض الحقيقي وهو الفخر، أما في الحضر فيأتي «القصيد» وهو أنواع منها «التمجيد والابتهال» وهذا يقوم به الشيخ دون أي آلات أو مصاحبين مثل ابتهالات الفجر، أو «التوشيح» وهو قالب مصري يختلف عن «الموشح» الأندلسي، وهو عبارة عن قصيدة ينشدها الشيخ ومعه مرددون أو ما يطلق عليهم «البطانة» أو «الدكة» أو «التبيعة»، أو «القصيد الكامل» وهو عبارة عن قصيدة ينشدها الشيخ مع آلات موسيقية وعازفين وتكون الآلات قانون وناي وكمان وعود وآلة إيقاع واحدة وهي الرق، ومع الزمن ظهر نوع آخر وهو «الصيت» الذي ينشد داخل المسجد على أنفاس الذاكرين لأن داخل المسجد لا توجد آلات، أو خارج المسجد في الموالد الشعبية مع الآلات الموسيقية.  وهناك نوع آخر من الإنشاد، وهو الغناء الديني، حيث تستخدم في الإنشاد كافة عناصر الأغنية من آلات وكورال وتوزيع موسيقي ولحن، وهي المدرسة التي ابتدعها أبي محمد الكحلاوي، وهي المدرسة التي اتبعتها أنا وتطورت معي بتطور الزمن، فأصبحت الإيقاعات أسرع، والألحان أصبحت متنوعة أكثر.

*       هل يمكن القول بأن الكحلاوي الأب تأثر بهذه المدرسة ببداياته الفنية كمغنٍّ؟

-         هناك بالطبع تأثر ببدايته الفنية، ولكن يمكن القول إن التأثير ليس فقط بسبب البداية الفنية ولكن لتشابه الظروف، واعتقد أن مدرسة الكحلاوي أثرت في كل من سلك طريق الغناء الديني من بعده.

*       الكحلاوي الأب بدأ حياته مغنياً وممثلاً ثم اتجه إلى الإنشاد. فما كواليس هذا التحول؟

-         لم يكشف أبي رحمه الله أي كواليس عن هذا التحول، وحين سئل عن ذلك قال «إنها إرادة الله وحين تقع اللمحة تأتي الصلحة مع الله سبحانه وتعالى» وطوال حياته لم يفصح عن أسباب ذلك، ولا يعرف أي شخص أسباب هذا التحول غيره، فحتى نحن أبناؤه لا نعرف عن ذلك شيئاً.

*       أسست فرقة للإنشاد الديني تابعة للدولة.. ما قصة هذه الفرقة؟

-         أنا تمنيت أن أنشئ أكاديمية للإنشاد الديني على أسس علمية لتغيير مفهوم الإنشاد لدى الجمهور، لأن الجمهور يرى المداحين طبقة دنيا من الفنانين و«بتوع موالد»، وهذه مغالطة لأن الإنشاد الديني فن له موروث ثقافي وشعبي، ولذلك كنت أتمنى أن يكون المنشد أو المداح على دراية كاملة باللغة العربية وأصولها وأحكام التجويد، والمقامات الموسيقية وعلوم الموسيقى وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم قيمة الممدوح، بالإضافة للغة الأجنبية حتى إذا وقعت مشكلة عالمية كمشكلة الأفلام المسيئة يستطيع المداح الرد بفنه، ولكن هذه الأكاديمية مجهود دولة وليست مجهود أفراد لذلك ففي حدود قدراتي استطعت تأسيس فرقة للإنشاد الديني تابعة للبيت الفني للمسرح، وقد بدأت الفرقة بـ24 فرداً، وتوسعت حتى ضمت 160 فرداً، وتحولت الفرقة لأكاديمية صغيرة تدرب فيها كل أفراد الفرقة على أصعب قصائد الإنشاد، وأصبحوا مدربين على أعلى مستوى وملمين بكافة العلوم التي يجب على المنشد الإلمام بها.

*       على ذكر الموالد.. هل أضرت بفن الإنشاد أم أفادته؟

-         الموالد هي احتفال بسيدنا النبي صلى الله وعليه وسلم وآل البيت، وهناك من يحتفل بها بقراءة القرآن والمديح وهناك من يحتفل بانحرافات، لذلك لا يجوز إطلاق أحكام عامة سواء بالسلب أو الإيجاب ولكن الموالد حفظت جزءاً كبيراً من الإنشاد وتراثه.

*       في رأيك ماذا يحتاج الإنشاد الديني في مصر؟

-         الإنشاد الديني يحتاج إلى نظرة إيجابية وموضوعية من المسؤولين عن مجال الإعلام في مصر ليهتموا به ويعطوا فرصة له للانتشار، فالشعب المصري شعب محب للنبي صلى الله عليه وسلم وآل البيت، لذلك على الأغنية الدينية والإنشاد أن يجدوا فرصة ليأخذوا أماكنهم، وحين أقمنا حفلات بفرقة الإنشاد التابعة للدولة كان الإقبال عليها كبيراً وبخاصة من فئة الشباب، فالجمهور يريد أن يسمع الإنشاد الديني والأغنية الدينية ولكن لا يقدم له لغياب الاهتمام من الدولة وجهات الإنتاج.

*       ذكرت أنك غاضب بسبب أغنية «قمر سيدنا النبي» فما قصة هذا الغضب؟

-         أغنية قمر سيدنا النبي هي أغنية انتشرت جداً، ويغنيها كل المنشدين تقريباً ولكن لا أحد يذكر صاحبها وهو الشاعر عباس الديب الذي كان يكتب ملحناً، فلحن الأغنية هو من وضعه، وكنت أول من غناها بلحن عباس الديب، وجاء من بعد ذلك الكثير من المنشدين أخذوها وغنوها دون الإشارة لي أو لصاحب الأغنية الأصلي، بالإضافة إلى تغيير اللحن الأصلي للأغنية.

*       ما جهودك في حفظ تراث محمد الكحلاوي؟

-         تراث الكحلاوي محفوظ بالكامل لدي، وأقوم بتطوير وسيلة الحفظ مع التطور، فكان في البداية على أشرطة الفيديو والكاسيت، ثم حين ظهرت الأسطوانات قمت بنقله وتحديثه، وما زال لدي حلم أن أقوم بإنشاء أكاديمية الكحلاوي للإنشاد الديني التي ستحفظ تراثه وتنقله للأجيال القادمة لأن هذا الرجل أفنى عمره في الإنشاد، وأثرى الموسيقى العربية بالكثير من الألحان.


 

نقاش موسيقي

لماذا صمد الفن الأصيل؟

هل طرح أحدكم هذا التساؤل على نفسه: لماذا لا يزال الفن الشرقي الأصيل محتفظا بكل رونقه على مر السنين؟

باعتقادي أن السبب في ذلك هو أن الفن الشرقي الأصيلوالمطريون الذين يؤدون هذا الفن سواء في الماضي أو الآن فهم بعيدون كل البعد عن الابتذال والتصنع والأهداف المادية، لأن الموسيقى شيء شفاف غير ملموس، وإنما تحس به ولها مذاق رائع جدا، ومن يتذوقه لا يستطيع تركه بل  يدمنه، فمن يؤدي هذا الفن من المطربين القدامى أو حتى الحديثين فانه يؤديه بكل جوارحه وبصدق ويخرج من قلبه ولا يريد منه أي مكسب مادي.

وحين يؤديه فهو يداوي روحه ونفسه بالغناء وينسى كل همومه عندما يختلي بهذا الفن، فهو بالنسبة له حاجة يومية كالماء والهواء والطعام. إنها حاجة يومية عنده وأحيانا تصل روحه إلى مراحل لا يمكن لجسده أن يصلها وذلك يحصل عندما يجلس للغناء لساعات طويلة ويصل الليل بالنهار وهو يغني، لأن متعة الروح ليست كمتعة الجسد لدقائق معدودة ثم تنتهي كمتعة العطشان الذي شرب وارتوى أو جائع فأكل وشبع أو المتعة الجنسية أو أي متعة أخرى، بل إنها تدوم لساعات طويلة. وأظنكم سمعتم بأن الفنان صباح فخري دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية بالغناء لمدة 12 ساعة على المسرح بدون استراحة أو جلوس. فقد نسي أنه وصل الليل بالنهار وهو يغني، ونسي أنه أتعب ساقيه وجسده بالوقوف لهذه الفترة الطويلة، أو بالأحرى فقد الإحساس بها، وذلك لأنه تحت التخدير والبنج الموسيقي لأن الموسيقى تجري في دمه وعروقه.

هذا هو سبب خلود الفن الأصيل، وهو ما يجهله العديد ممن يحسبون على الفن، أنهم يتعاملون مع  الفن كسلعة، أو شيء عابر سيمر مثل غيره من الأشياء، وهذا هو السبب الحقيقي وراء تردي كافة أنواع الغناء والموسيقى التي نسمعها هذه الأيام.

والسؤال: ما الذي يمنعنا من العودة إلى النبع؟ إلى التعامل مع هذا الفن الراقي بما يليق به من إجلال واحترام؟

ألا تعتقدون أننا بهذا التعامل الاستهلاكي والنفعي مع الموسيقى والغناء العربيين، نسيء إلى حضارة فنية ممتدة على مدى القرون؟ ونقتل كل حس جميل ونبيل في أرواحنا ونفوسنا وقلوبنا؟

.