متابعة للحدث الفني التراثي "ميزان قدام الحصار"

نظم وتلحين محمد ياسين العشاب

عزف وآداء "جوق شباب قرطبة للموسيقى الأندلسية والروحية"  برئاسة  الفنان طه البشاري مرتين 

بثينة الادريسي

"ميزان قدام الحصار" لمبدعه صنعة ولحنا الشاعر الشاب الأديب الفقيه محمد ياسين العشاب يعتبر عملاً إبداعياً فارقاً على مستوى التجديد  بالإحياء والإضافة.  عمل تابعته منذ الإعلان عنه ضمن المهرجان الوطني  19 للموسيقى الأندلسية  المغربية  بفاس سنة 2014  ضمن ندوة المهرجان ليوم السبت 1 آذار/مارس والتي كانت تحت موضوع :مشروعية التلحين في الموسيقى التراثية  (الموسيقى الأندلسية نموذجا ) بعرض كان من تقديم الأستاذ البحاثة عضو المجمع العربي للموسيقى  ومستشار اكاديمية المملكة الأستاذ المغربية عبد العزيز إبن عبد الجليل .

تم من خلال تقديم مقطع صوتي حصري من تصويري لإحدى الصنعات المدرجة ضمن الميزان بصوت  وأداء صاحب الميزان  نفسه،  نال الاستحسان والإعجاب  من أكاديميين وأساتذة باحثين كما نوقشت أعمال الرواد ممن سبقوا مثل  محمد العربي السيار "قدام العشاق" –  مولاي العربي الوزاني، وعبد اللطيف بنمنصور؛ وهي اعمال جليلة بصمت ببصمة الحسن والإبداع،  وكانت بوادر مشعة  لأعمال معاصرة حظيت بالاستحسان والقبول، وصارت تصنف ضمن تاريخ الموسيقى الأندلسية في استمراريتها وعدم تجمدها أو اقتصارها على ميراث الأوائل.  لقد كانت أعمال كل من الشيخ احمد الزيتوني الصحراوي "ميزان قائم ونصف  الحسين" الذي قدم ضمن عرض موسيقي تبنته جمعية بعث الموسيقى الأندلسية بفاس.  "وميزان قدام الحصار  للأديب الشاعر والملحن محمد ياسين العشاب علامة فارقة معاصرة أثبتت بالمحسوس الصلة الروحية  بين الأصيل والمعاصر في غير تنافر بل في انسجام يأخذ بتلابيب الصنعات و الأنغام في نسيج لا تنقطع روحه بالماضي؛ فهو عمل تكميلي  تجديدي يندرج  كما قال مبدعه محمد ياسين العشاب في خلاصة تعريفية "في النسق العام لمشروع تجديد وإحياء  طبوعه وإعادة تأليف الجمل اللحنية المكونة لنوبات جديدة ’من غير خروج عن الخصائص والقواعد التي ينبني عليها هذا الفن’ ومن ذلك التزام الميازين بتفاصيلها وتدرجها بين الموسع  والمهزوز والانصراف ’والتزام القدود النصية  المطابقة  لما درج عليه الميزان’ والمراوحة في ذلك  بين الصنائع المشغولة  والخالية."

ومعلوم أن صنعات طبع "الحصار" نادرة  وقليلة في موسيقى الآلة الأندلسية بالنظر إلى  العدد الضئيل لصنعات هذا الميزان، وهي مستعملات متفرقة  في "قدام الرصد" وفي مستعملات الزوايا جل إيقاعها على ميزان الدرج، إلى جانب إنشاد يتيم على بحر الطويل. وهذا يعود إلى جملة ما ضاع من نوبات  حيث ما بقي من 24 نوبة سوى 11 منها معروفة.  والاشتغال الآن على نوبة الحصار بإحياء ميزان منها هو "القدام" ستتبعه اجتهادات أخرى  تنساق ضمن نفس العمل لتكتمل نوبة الحصار بميازينها الخمس.  إنه عمل جليل تبنته جمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب ضمن أولى سهرات موسمها الفني والثقافي لموسم 2019-2020، وهو عمل تلقاه جمهور الهواة والمتتبعين والأكاديمين المختصين بهيبة ووقار واستحسان وتفاعل بالإنصات هيبة من هذا الوافد الجديد واحتراما للإبداع في أرقى تجلياته.  

ومن الشهادات في حق هذا العمل نورد شهادتين: الأولى، للباحث إدريس السرايري الذي حضر هذا العرض الموسيقي وتتبع بعين حصيفة ورؤيا موضوعية، فقال:إن الإقدام على عمل من قبيل هذا الصنف لا يمكن أن يكون إلا من مصدر خبر المادة الموسيقية الأندلسية، وعلا كعبا في اللغة العربية وآدابها وشعبها شعرا ونثرا وموشحا وزجلا، وكل هذا وشاح يوضع بلا محاباة ولا تزلف ولا مجاملة على صدر العشاب بمعية المجموعة التي رافقته.  ودون إطالة، اقترح تخصيص مائدة مستديرة لهذا العمل يحضرها ذوو الخبرة لمقاربة النقاط الآتية: هو عمل ليس بالسهل أبدا، وسيذكر التاريخ له أن في حقبتنا هذه هنالك من فض باتولية الصمت وخرق حجاب الطابوهات، وأقدم - في عملية تجديدية أخرى- على وضع معالم ميزان قدام الحصار، مستهدفا بالأساس احترام وحدة الطبع وتدرج النسق الإيقاعي لميزان القدام على نمطه المتعارف عليه. وبعد سوقه لجملة من الملاحظات التقويمية للعمل شكلا ومضمونا.

أما الشهادة الثانية فهي للباحث أمين الشعشوع حيث أورد ما نصه: "من الأعمال التي تشرّف الموسيقى الأندلسية العمل الأخير الذي ظهر للأستاذ محمد ياسين العشاب، وهو ميزان قدام الحصار، أي مجموعة صنائع متناسقة ومتكاملة على طبع الحصار وإيقاع القدام تشكل ميزانا مستقلا بذاته، وحاويا لكل مراحل الميزان الأندلسي، ليحقق متطلبات الهيكل الأندلسي المعروف بفقراته: الموسع والمهزوز والانصراف.  وإن كانت من أشياء تميّز عمل الأستاذ محمد ياسين وترفع من شأنه فهو أولا وقبل كل شيء ذلك الخيال الخصب والإبداع الغزير الذي برهن عليه الملحن في خلق ألألحان إذ أننا لا نلمس أي تكرار أو رتابة فيها، بل هي تحملنا على بساط من الخيال لا نمل منه أبدا.  ومن جهة أخرى فإن الهيكل اللحني يوافق تماماً متطلبات الهيكل الإيقاعي لميزان القدام، فالشكل الإيقاعي لألحان قدام الحصار هو بعينه الشكل الذي يناسب إيقاع القدام، كما أن التناسق بين الصنائع من حيث طبعها تناسق تام، يجعلنا نسبح في فضاء طبع محدد على مر الميزان من أوله إلى آخره دون الخروج عنه.  كذلك فإن أداء الأستاذ محمد ياسين لعمله هو أداء يليق بالشخصية الرقيقة الفخمة الأندلسية."

هذا وقد أعلنت جمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب عن تبني ندوة علمية ضمن فقرات برنامج المهرجان الدولي "أندلسيات 2019-2020" لتعميقٍ أكثر للموضوع وتقويم هذا العمل الفني الرائد وتفعيل مزيد من البحث العلمي المواكب للإبداع والإحياء في موروث اتسم بالقداسة في أعين محبيه وهواته والمشتغلين في حقله.  وإطلاق الألفية الثالثة  ألفية الإبداع والتلحين  بالإضافة إلى إحياء لما ضاع من موروث إنساني اعتمر واختمر ليبقى منه 55 ميزانا مما أفرزته 11 نوبة.  وبقدام الحصار ستتوالى الأرقام تحقيقا  لبقية الميازين الضائعة  ان شاء الله.

.