جَدليَّة العلاقة بَينَ التُّراث والحَداثة وأَثَرها في التَّربية الموسيقيّة

بقلم: أحمد شهاب القيسي

المقدّمة

إنّ جدليّة العلاقة بين التُّراث ومفهوم الحداثة لها تأثير مباشر على مسار تقدُّم العملية التربوية الموسيقية في كلِّ زمان ومكان، وهي قضيّة جديرة بالاهتمام وغالبًا ما تَطرح هذه الجدليّة تَساؤلات تبدو ملحّة وضرورية، وخاصة عندما يكون مفهوم الحداثة ضبابيًّا، أو إذا دخلت عليهِ أفكار خاطئة او ربما مشوَّهة بشكل مقصود.  قد تتصادم الحداثة مع التُّراث إذا لم تُفهم بشكل صحيح، وقد يُستثمر سوء الفهم لمعنى الحداثة ايديولوجيًا وربما سياسيًا بحيث تتحوّل إلى مواقف رسميّة تؤثّر في النشاطات الثقافية والتربوية، ومنها النشاطات الموسيقية بشكل عام ومَسار التربية الموسيقية بشكل خاص (مقصد هذا المقال).

 

التُّراث الموسيقي والحداثة

يقول سيد (2009) في مفهوم المعنى العام لـمُصطَلح التُّراث بأنــّهُ "انتقال شيء ما عِبرَ الزمن، والتُّراث في اللُّغة مصدر مِن الفعل وَرَثَ وهو ما يُخلفُهُ الانسان لورثَتهِ.  ويُقال: وِرثْ وإرث وإراث ووِراث ومِيراث.  وتُراث أصلهُ: وراث فأُبْدِلت الواو بالتاء.  وينـدرج مفهـوم التُّراث فـي أنــّهُ امتـداد السَـلَف فـي الخَلَـف واستمرار مـا ورثَـهُ الأبنـاء والأحفـاد عـن الآبـاءوالأجــداد، بمعنــى أنّـهُ نقطــة انطــلاق نحــو المســتقبل (ص 5).

أما في معنى مفهوم الحداثة؛ فقد تعدّدت التعريفات بين المفكّرين، ولكنهم عمومًا يؤكّدون على أن تتمثّل الحداثة في التجديد الذي يحافظ على روح التُّراث، وأنّ مهمّة هذا التجديد لا تقع على عاتق الفرد، بل هي مهمّة جمهورالباحثين والطليعة من المثقّفين، وأن يكون التجديد بقصد إعادة تشكيل التُّراث طبقا لحاجات الحاضر.

ويقول قطّاط (2016) بما يخص الحداثة ضمن تعريفهِ لمعنى "الهويّة الثقافية" كالآتي: " لا توجد حداثة واحدة، أو أنموذَج وحيد نُنْعَتُ مِن دونه بالتخلف أو الضَلال؛ بل الحداثة الفعلية لا يمكن لها أن تتحقق وتُسْتَوعب إلاّ عن طريق الهوية الثقافية [ومتمثلة هنا بالتُّراث الموسيقي] والتمسك بمكوناتها." (ص 11).

غالبًا ما تتأثر منظومة التُّراث الموسيقي بسبب سوء فهم معنى الحداثة، ولهذا من الضروري العمل على خلق التوازن بين التُّراث الموسيقي والحداثة، ويجب ألّا نسمح أصلًا بوجود حالة المواجهة بين التُّراث والحداثة، لأن الحداثة ينبغي ان لا تكون ضد تراث المجتمع وثقافته.  إنّ العوامل التي قد تؤثّر في المنظومة التُّراثية لا تَكمُن في الحداثة نفسها، وإنّما في الحصار الذي يُطبّق أحيانًا على مفهوم منظومة التُّراث وانعكاسات ذلك على منظومة التربية الموسيقية بما يُفرَض عليها مِن إجراءات تجرّدها مِن آليات التواصل والبناء التي تكتسبها عبر القرون المتراكمة مِن التجارب والدّروس والمعارف والدراية العميقة في مختلف الجوانب التربوية، هذا الحصار الذي ربما يُجفّف الينابيع التي تُجدّد وتُحدّث الأساليب التعليمية توافقًا مع مفاهيم التربية الموسيقية الحديثة، وأهمية تواصلها مع الثقافات الأخرى ومواكبة التَقدُّم والتطوّر وتحقيق قدرة التأقلم مع حاجات ومقوّمات العصر.

فقد كَشفت مُراجعة الأدبيات؛ بأن الخصائص الثقافية الموسيقية للشعوب لا تؤثر فقط على عملية التأليف الموسيقي، بل تؤثّر وبشكل ملحوظ على العملية التربوية الموسيقية، وهذا ما يؤيده العديد مِن الباحثين والمربّين الذين بَحثوا في تأثير التُّراث والتعابير الشعبية المحلية على مختلف المؤلّفات الموسيقية والكُتب التعليميّة والمناهِج الموسيقية لمختلف التخصصات ومنها المتخصّصة في تعليم العزف على الآلات الموسيقية المختلفة.

وفي ما يتعلّق بجوهر العلاقة بين التربية الموسيقية والحفاظ على التُّراث الموسيقي العربي وحمايتهِ من سوء فهم تأثير الحداثة عليه، وأهمية ان تتفاعل الحداثة في رسم المفاهيم الحديثة للتَّربية الموسيقية، نجد من المفيد إلقاء الضوء على الدِراسات التي قام بها المربّي الموسيقي كينيث ويليامز Kenneth Williams بما وصفه بـــ "التواصل الثقافي" Cross-Cultural Communication في دروس تعليم الموسيقى تحديدًا، مِن خلال تخصّصه في علم أصول تعليم العزف على الآلات الموسيقية، وبعد محاولاته الكبيرة من خلال تواصله في دروس العَزف على مختلف الآلات الموسيقية مع تلاميذ من بلدان مختلفة ذات ثقافات مختلفة، ومحاولة فهم أهمية الخبرات المكتسبة وعلاقتها بعملية التعليم، فلكلٍ منهم هويته ويحمل في ذاتهِ الخاص وفي عقلهِ الباطن تلك التقاليد الثقافية التي يكتسبها عادة الأطفال مِن محيطهم دون قصد، فأنّ مستواهم ومستوى تعاطيهم مع المواد التعليميّة يختلف تمامًا فيما بَينَهم (Williams, 2002, pp. 23-27).  ويُقصَد هنا بالتقاليد الثقافية للأطفال والتي تشمل الأغاني والألعاب التي تتناولها الموسيقى الشعبية السائدة كعناصر لهذِه التقاليد، فعلى سبيل المثال، التصفيق والغناء للأطفال هو موضوع كلاسيكي في فولكلور الشعوب.  ولا تزال هذِه التقاليد تُمارس في الإعلام بشكل إعلانات نَصّية وموسيقية وبرامج تلفزيونية وأغانٍ شعبية وعلى شبكة الإنترنت كذلك.  كما أن ألعاب الأطفال أصبحت وسائل تعليمية، حيث يقوم المختصّون في مجال التوعية والفولكلور بجمعها وتوزيعها لاستخدامها في الفصول الدراسية (Bickford, 2013, P. 137).

ووفقا لوليامز Williams (2002) فإن الحاجز الرئيسي للاتصال بَينَ الثقافات هي اللغة، لكن وليامز تخطّاه باستخدام النماذِج والمحاكاة في التعليم.  واعتبر أنّ "معرفة الخصائص الفردية للتلاميذ الذين جاءوا مِن ثقافات مختلفة يُحسّن عملية تواصل المدرّس معهم.  ولكن فهم تأثير اختلاف الثقافات على مستوى تقبُّل التلاميذ للتعليم الموسيقي هو الموضوع الأهم وهو الذي يجعلنا نفهم التلاميذ بشكل أفضل" (p.27).  وقد قدّم وليامز أربع أَفكار مهمّة بحسب اعتقاده في عملية التواصل مع تلاميذ الموسيقى القادمين مِن الثقافات الأخرى، وهذِه الأَفكار جاءت تحت المفاهيم التالية:

-         الفردية مقابل الجماعية Individualism versus Collectivism

-         قوة تأثير المسافة أو السلوك نحو السلطة النافذة Power Distance or Attitudes toward Authority

-         البراعة مقابل الإبداع Virtuosity versus Creativity

-         الدافع والإنجاز Motivation and Achievement

نصل هنا إلى أنّ الخصائص الثقافية لكل منطقة تؤثر على مستوى الفرد بشكل أكيد، فالتُّراث الموسيقي والأُغنِية الشعبية هما جزء مهم مِن الحيَاة الاجتماعية والعاطفية ولهما تأثير مباشر في حياة الأطفال والمراهقين الذين يمثلون الجمهور الرئيسي للموسيقى الشعبية ووسائل الإعلام الموسيقية، وأنّ استماعهم للموسيقى هو مفتاح العلاقات الاجتماعية مع أقرانهم وتوضيح هويتهم مِن حيث العرق والطبقة والجنس.  فالأطفال يعكسون تقاليدهم الثقافية والتُّراثية مِن خلال الألعاب والتصفيق والأغاني، وأنّ الصناعات الموسيقية في مختلف البلدان تزرع وتنمّي هذِه المشاعر لديهم.  ففي الولايات المتحدة وأوروبا هناك اهتمام كبير بالتُّراث الموسيقي والأغاني الشعبية واثرها في المفاهيم الحديثة للتربية الموسيقية، وبدعِم مِن وسائل الإعلام والاتصالات، وتطوّر التكنولوجيا والتجارة، حيث تؤثر جميعها على الأطفال بشكل أو بآخر (Bickford, 2013, P. 134).

 

موسيقى الشعوب

إنّ دراسة الخصائص الثقافية الموسيقية المختلفة لشعوب العالم شَغلت وما زالت تَشغل اهتمام الكثير مِن الباحثين منذ بدأت الدِراسة المنهجية للفولكلور الموسيقي عِند مختلف الشعوب في القرن التاسع عشر وتأسيس علم موسيقى الشعوب Ethnomusicology (عِلم الموسيقى العِرقي؛ والذي يُعنى بدراسة الموسيقى من الجوانب الثقافية والاجتماعية للأشخاص الذين يصنعونها)، الذي يقوم عمليًّا على تجميع وتسجيل الألحان الشعبية وكلماتها في القرى النائية من قبل فريق مِن المتخصّصين، والرجوع إليها بُغية دراستها وتصنيفها وتحليلها ونشرها (محمد، 2002، ص 20).  وقد نُشر العديد مِن الكتب والموسوعات الخاصة بهذا العِلم، نذكر منها ادناه موسوعتين أساسيتين هما من أكثر المراجع التي يعاينها أغلب الباحثين والكتاب في هذا المجال أثناء دراساتهم لموسيقى الشعوب وأصولها وتوظيف تراثها في الطُرق التعليميّة، وقد قَسَّمت هاتان الموسوعتان العالم جغرافيًّا بحسب الخصائص والمميزات الموسيقية التي تجمع كُل منطقة جغرافية.  تشمل هذه الخصائص انواع الآلات الموسيقية المستخدمة وأنواع واشكال الإِيقاعات والسلالم الموسيقية وطُرق البناء الموسيقي، واحيانًا اللغة.  وفيما يأتي عرض موجز لهاتين الموسوعتين:

·   الموسوعة الأولى: موسوعة گارلاند للموسيقى العالمية The Garland Encyclopedia of World Music

وهي سلسلة مِن عشرة مجلّدات، وكل مجلّد يهتم بمنطقة واحدة مِن العالم، وقُسِّمت هذِه المناطق (Porter & Rice, 1998) إلى:

1.    المجلّد الأول أفريقيا Africa.

2.    المجلّد الثاني أمريكا الجنوبية والمكسيك وأمريكا الوسطى South America, Mexico.

3.    المجلّد الثالث منطقة البحر الكاريبي Central America, and The Caribbean.

4.    المجلّد الرابع الولايات المتحدة وكندا The United States and Canada.

5.    المجلّد الخامس جنوب شرق آسيا Southeast Asia، جنوب آسيا المتمثّلة بشبه القارة الهندية The Indian Subcontinent.

6.    المجلّد السادس الشرق الأوسط The Middle East.

7.    المجلّد السابع شرق آسيا: الصين، واليابان، وكوريا East Asia: China, Japan, and Korea.

8.    المجلّد الثامن أوروبا Europe.

9.    المجلّد التاسع أستراليا وجزر المحيط الهادئ Australia And the Pacific Islands.

10.   المجلّد العاشر الموسيقى في باقي مناطق العالم: وجهات عامة ومرجعيات مختلفة. 

وينقسم كُل مجلد إلى ثلاثة أقسام كبيرة، هي:

1.    القسم الأوّل؛ مقدّمة عن المنطقة وثقافتها.

2.    القسم الثاني؛ القضايا والعمليات الرئيسية التي تربط موسيقى تلك المنطقة.

3.    القسم الثالث؛ معلومات مفصّلة لتلك الثقافات الموسيقية الفردية.

·     الموسوعة الثانية: تأثيرات الموسيقى التُّراثية العالمية على الأدب المعاصر للعزف المنفرد على آلة البيانو Traditional World Music Influences in Contemporary Solo Piano Literature

وهي موسوعة ببليوغرافية Bibliography، جمعتها اليزابيث أكسفورد Elizabeth C. Axford، ووضعتها بشكل دليل كامل لمقطوعات موسيقية مِن ثقافات وتراث الشعوب، والمتضمنة تعابير شعبية (قومية) مِن جميع أنحاء العالم.  وهذِه المقطوعات الموسيقية لها خصائص هذِه التعابير الشعبية، وهي خصائص بعيدة عن مميزات الموسيقى الكلاسيكية الأوربية مِن كافة الجوانب الإِيقاعية والسلالم الموسيقية والبناء الموسيقي وغير ذلك مقارنةً بالمقاييس والإِيقاعات والألحان الشعبية.  وتخصَّصت بالمناطق الجغرافية المتمثلة بالشرق الأوسط أو الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، والصحراء الافريقية الكبرى والهند والشرق الأقصى (الصين واليابان والشرق) واندونيسيا (بالي وجاوة)، وحول المحيطات (أستراليا وغينيا ونيوزيلندا وبولينيزيا)، ومناطق الهنود الحمر (أمريكا الشمالية)، وأمريكا الشمالية ذات الموسيقى الشعبية وموسيقى الأمريكيين مِن الأصول الافريقية، وأمريكا اللاتينية وإسبانيا، والأمريكيين مِن أصول أوروبا الشرقية (Axford, 1997).

 

الخاتمة

نستهدف هنا بشكل رئيس العملية التعليمية الخاصة بتعليم العزف على مختلف الآلات الموسيقية في منطقتنا العربية وإيجاد السُبل لربطها بالتُّراث الموسيقي العربي، وتأكيد الهويَّة الثقافية الموسيقية لتلاميذنا وتسهيل مهمّة التعلُّم وتمكينهم من اكتساب جوانب مِن التُّراث الموسيقي العَربي، وذلك مِن خِلال الفَهم الصحيح لمعنى مفهوم الحداثة، حيثُ تقول مروة (1976) "إن استلهام التُّراث واعادة قراءته وتقديمه هي تجربة ثقافية وفنية ضرورية ومُهمة لتطوير حالة التواصل والتجديد.  ويصبح التُّراث رؤية معاصرة يُمكننا اعادة إمتلاكه على أساس جديد لتعود عناصره المعرفية والفكرية لبناء العناصر المحرّكة لعملية بناء الحاضر (ص 324).   ونبني على ذلك ضرورة اقتراح نماذج تعليمية تتبنّى توظيف تُراثنا الموسيقي العربي الثري بمختلف خصائصهِ المقامية وبُنيتهِ الايقاعية وقَوالبهِ الموسيقية، بحيث نسمح للحداثة ان تقوم بالتجديد من خلال قبول التواصل مع ثقافات الشعوب الأخرى بحيث لا يؤثر ذلك على روح التُّراث الموسيقي العربي، حيثُ إنّ خصوصية الهوية الثقافية لأي مجتمع لا تعني انغلاقها عن بقية الثقافات، بل إنّ الطبيعة البشرية وضرورات الحيَاة خَلقَتْ هذا التعايش والتداخل المنسجم بَينَ ثقافات الشعوب، ما يسهم في رفع مستوى الوعي الموسيقي العَربي والحفاظ على الهويَّة الثقافية عِند المتعلّمين في منطقتنا العربية.

 

 

المراجع

حسين، مروة. (1976). دِراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي. الطبعة الثانية. دار الفارابي، بيروت.

سيد، أشرف صالح محمد. (2009). التُّراث الحضاري في الوطن العَربيأسباب الدمار والتلف وطُرق الحفاظ. مؤسسة النور للثقافة والإعلام، بَحث صادر عن مركز البحوث والدِراسات الإنسانية، بغداد.

عديلة، محمد خضر. (2002). مقدمة في علم الموسيقى. القدس، المطبعة العَربية الحديثة.

قطّاط، محمود. (2016). افتتاحية: مِن السبل إلى العالمية رسوخ القدم في المحليّة. البَحث الموسيقي، المجمع العَربي للموسيقى، العدد 15.

 

Axford, Elizabeth C. (1997) Traditional World Music Influences in Contemporary Solo Piano Literature: A Selected Bibliographic Survey and Review.  Lanham, MD: The Scarecrow Press.

Bickford, Tyler. (2013). Children’s Music Culture: Commerce, Technology, and Tradition. in The International Handbook of Children, Adolescents, and Media, ed. Dafna Lemish, Routledge,  pp. 134–40.

Porter, James & Rice, Timothy. (1998). The Garlands Encyclopedia of World Music. 10 vols. New York: Garland Publishing, Inc.

Williams, Kenneth. (2002). Cross-Cultural Communication in the Music Studio. The American Music Teacher, vol. 52, No. 1.

 

 

 

 

 

.