طقوس متوارثة مبهجة، الأغاني الشعبية والدينية في رمضان

بقلم: إبراهيم السالم

ما زال رمضان يطوينا بجناحه النوراني ويحلق بنا في فضاءات الرحمة والغفران فنستنبط منه العبر ونتعلم منه الصبر, فكل أيامه المضيئة مليئة بالفعاليات الاجتماعية والطقوس الدينية.

والشعب المسلم يستقبل رمضان استقبالاً قدسياً ويضع له طقوساً خاصة منها الاجتماعية ومنها الدينية وقد اعتادت شعوب الأرض أن تمجد وتحتفل بأعيادها الدينية ومناسباتها الأخرى, ولو أخذنا نظرة سريعة على الشعوب المتقدمة لوجدناها أكثر تمسكاً بعاداتها وتقاليدها، فالشعب السويدي مثلاً له طقوس خاصة تراثية أملتها المثيولوجيا السويدية القديمة، فلو حضرت في عيد الفصح ــ وهو أحد الأعياد الدينية ــ  لرأيت الأطفال وهم يرتدون ملابس خاصة مصممة توحي بأشكال الساحرات ويصبغون وجوههم ويطرقون الأبواب وهم يحملون سلال الحلويات، في صباح ذلك اليوم السعيد ويصبحون عليك ويقدمون لك الحلوى فتمنحهم النقود وتتبادل معهم التحية وهي "كراش" أي مبروك. وهذا الأمر يسري على كل شعوب العالم. وقد ورثنا نحن الاحتفال في ليلة النصف من شعبان وليلة النصف من رمضان والليالي الأخيرة منه فكلمة "القرقيعان" أو "القرقعون" أو "القريقشون" أو "الوحوي" والماجينا.

تحتفل بعض الشعوب العربية في ليالي رمضان بطريقة تكاد تكون متفقاً عليها، ففي البصرة والكويت وقطر وبعض مناطق الخليج الأخرى يكون القرقيعان في ليلة الرابع عشر والخامس عشر من رمضان حيث يخرج الفتية على أشكال مواكب يحملون أكياساً ويرددون أغنية كلماتها أشبه بالدعاء يطرقون الأبواب وهم يرددون:

قرقيعان وقرقيعان

عادت عليكم صيام

كل سنة وكل عام

ثم يشرعون بالدعاء إلى أهل البيت فرداً فرداً:

الله يخلي راعي البيت آمين

الله يخلي حمودي آمين

فتخرج أم البيت وتطلب منهم الإكثار بالدعاء قبل أن توزع عليهم الحلوى والمكسرات فيملأون أكياسهم ولا يتركون بيتاً إلا ووقفوا على بابه ويجعلون الليل كرنفالاً جميلاً.

أما في الإمارات العربية المتحدة فإن كرنفالها هو ليلة النصف من شعبان. والطريقة لا تختلف كثيراً عما ذكرنا. وقد يردد الأطفال أهزوجة تختلف نظماً عما ذكرنا تقول بعض كلماتها:

انطونه حق الله

يرضى عليكم الله

جدام بيتكم دله

عسى الفقر ما يدله

وهم أيضاً يحصلون على الحلوي بالطريقة نفسها. والطريف أن هناك من لا يرد على الأطفال فيقومون بمعاكسته كما يقال في دولة الإمارات:

جدام بيتكم طاسه

وعجوزكم محتاسه

أما في بغداد فيطلقون على تلك الليلة "الماجينا"، وأهزوجتهم هي:

ماجينا يا ماجينا

حلي الكيس وانطينا

انطونا الله ينطيكم

بيت مكة يوديكم

وإذا طال عليهم الوقوف ولم يخرج إليهم صاحب الدار يصرخون بأعلى أصواتهم:

يا أهل السطوح

تنطونا لو نروح

أما أهل الشام فإنهم يخرجون في الليالي الثلاث الأخيرة من رمضان مرددين أشعاراً شبيهة بالموشح:

الصبح بدا من طلعته

والليل دجى من وفرته

فاق الرسل فضلاً وعلا

هذي السبل بدلالته

وفي مصر فإن احتفالهم يبدأ من الليلة الأولى وينتهي في الليلة الأخيرة منه حيث يجول الأطفال في الشوارع وهم يوقدون الفوانيس في كل ليلة ويحملونها معهم ويرددون أغنيتهم التراثية:

وحوي يا حوي اياحا

وكمان وحوي اياحا

وهكذا فإن المجال لا يسع لأان نذكر كل البلاد. وكانت هذه الطقوس عامة وشاملة، إلا أنها بدأت تنحسر شيئاً فشيئاً وبدأ الاهتمام بها يتضاءل وربما اقتصرت على المناطق الشعبية في كل البلدان إلا أن بعض الملحنين والكتاب اتفقوا على تخليد هذه الليالي بأغان هذبت كلماتها ووضعت لها ألحاناً تردد في ليالي شهر رمضان الكريم.  فقد لحن الفنان الراحل أحمد عبد القادر في مصر أغنية "اليموي" وأداها بصوته مع مجموعة الأطفال، ونحن نسمعها كل يوم من أغلب الإذاعات، كما لحن الشيخ سيد مكاوي معظم التراثيات المصرية وللثلاثي المرح أغنية الفوانيس. وفي العراق فإن أغنية الماجينا التي لحنها الفنان سمير بغدادي تردد كل يوم كذلك، كما يغني الأطفال أغنية "حق الليلة" من إذاعات الإمارات العربية المتحدة.

 

الأغاني الرمضانية

ضمن الاحتفالات التي يشهدها شهر رمضان الكريم فقد اهتم الشعراء بصياغة ونظم كلمات وقصائد تمجد هذا الشهر الكريم؛ فقد وضعت الحان عديدة تتحدث عن فضائل هذا الشهر منها الشعبية ومنها الدينية ومنها الرمضانية.  فعندما يفطر الصائم يردد دعاء محفوظاً ومعروفاً استخرجه الفنان الراحل روحي الخماش ولحنه لفرقة الإنشاد العراقية من نغم اللامي. ولا يزال يردد كل يوم بعد أذان المغرب، تقول كلماته:

يا إله الكون إنا لك صمنا

وعلى رزقك أفطرنا وإنا

لصيام الغد يا رب نوينا

فتقبل صومنا يا رب منا

وللمسحراتي وضع سيد مكاوي بالاشتراك مع الشاعر صلاح جاهين أكثر من ثلاثمئة لحن. وقد غنى لرمضان كل المطربين، إلا أن هناك اغاني خالدة وبارزة كأغنية احمد عبد القادر التي اشرنا إليها وأغنية الفنان الراحل محمد عبد المطلب "أهلاً رمضان".

وقد وضعت ألحان تتحدث عن تحمل الصائم وشكواه وإسرافه في الطعام كالمحاور الغنائية التي جمعت صباح مع فؤاد المهندس "الرجل ده حيجنني" كما تحدثت الأغاني عن المسبحة والسجادة التي ترافق الصائم طيلة أيام رمضان وذلك في أغنية "رمضان يا سبحة وسجادة، يا شمعة بالليل منقادة" وأغنية "سبحة رمضان ثلاثة وثلاثين حباية" للثلاثي المسرحي.

وقد انتقلت الأغاني من اللون الشعبي إلى قوالب غنائية رصينة تحمل الطابع الديني الرمضاني، فقد لحن الفنان العراقي رضا علي أغنية تجاوز عمرها الخمسين عاماً، ولكنها ما زالت فتية، وهي من نغم الحجاز:

يا عباد الله اطلبوا الغفران

سبحوا لله في شهر رمضان

وقد انتشرت الأغاني الرمضانية بانتشار الإذاعات العربية وكانت ترمز لفضائل الشهر استقبالاً واستبشاراً وتمجيداً ووداعاً.

 

الأغاني الدينية

من الواضح لدينا أن الأغاني الدينية اعتمدت في بدايتها القوالب التي وضعها قراء المدائح النبوية والتي كان معظمها يشبه الأدوار والقدود الحلبية. وقد أخذ الملحنون في بداية القرن الماضي الذي شهد انطلاقة الأغنية الدينية الملحنة والتي استقطبت الرواد بترانيمها وكونت لديهم فكرة بكيفية إدخال الموسيقى ووضع قوالب جديدة وأسس لموسيقى الغناء الديني. أخذ الشيخ أبو العلا محمد القصائد الكبيرة وبدأ بتلحينها وكانت تردد بعد أن تحفظ، وأفضل من روجها الآنسة أم كلثوم في وقتها وفي بداية انطلاقتها. كذلك فإن الشيخ زكريا أحمد وهو من الأزهر الشريف، كان قد استوعب هذا النمط من الغناء فلحن لنفسه قصيدة ابن الفارض وبعض قصائد شوقي وأدخل عليها العود والكمان والقانون والناي، إلا أنها كانت تحمل نفس الطابع فلا تنتقل من إيقاع الوحدة الكبيرة وكانت أهم قصيدة لحنها هي "يا نبياً سمت به العلياء" وهي من البيات.

ثم بدأ يعطي ألحانه المتحركة الجديدة إلى المطرب إبراهيم حمودة وشافية أحمد وفتحية أحمد وكثير من الأصوات التي كانت تصدح في تلك الأيام. وقد حذا حذوه من عاصره من الملحنين. وشيئاً فشيئاً تطورت الابتهالات الدينية بحضور الأصوات الجديدة، فكان السنباطي والقصبجي قد رفدوا هذا الفن بألحان كبيرة ومتنوعة، وفي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي انتشرت الأغاني الدينية في الوطن العربي وقد أصبح لكل قطر كتاب وملحنون.

ومن الابتهالات الدينية الراسخة بالذاكرة ابتهال فايدة كامل من النهاوند:

إلهي ليس لي إلاك عوناً

فكن عوني على هذا الزمان

إلهي ليس لي إلاك ذخراً

فكن ذخري إذا خلت اليدان

كذلك فإن للفنان الكبير وديع الصافي أنشودة من الحجاز:

سبحت باسمك بالآصال والسحر

يا باعث النور   في قلبي وفي بصري

وللفنان العراقي الراحل ناظم الغزالي أغنية من العجم:

قوم صلي       الفجر بيّن

أدي فرضك     لا تدين

وهناك نماذج أخرى لا تعد ولا تحصى أخذت جميع الأنغام وركبت على معظم الإيقاعات الخفيفة منها والثقيلة ساهم بها معظم المطربات والمطربين حتى أصبحت بعض الابتهالات لوناً خفيفاً يتناوله الناس في المناسبات الدينية. وقد ساهمت تلك الألحان في كل المناسبات في رمضان كما ذكرنا وفي الحج وكلنا يذكر أغنية الراحلة اسمهان التي تبثها الإذاعة في ايام الحج:

والنبي يا زائرين أرض الكرامة

سلموا على المصطفى سيد تهامة

وهي من الهزام.  كذلك فإن لها أغنية خالدة أخرى وهي:

عليك صلاة الله وسلام

شفاعة يا جد الحسنين

ده محملك رجعت أيامه

هنية واتمليت به العين

وهي لفريد الأطرش وهي من البيات. ولمحمد الكحلاوي أغنية:

لاجل النبي لاجل النبي

تقبل صلاتي على النبي

وهي من الأغاني الخفيفة الممتعة وقد ركبت على إيقاع المصمودي. وتبقى الأغاني الخالدة الراقية لسيدة الغناء العربي أم كلثوم وشيخ الملحنين الراحل رياض السنباطي. وقد بدأت أم كلثوم تفتش عن هذا النوع من الغناء فوجدت ضالتها الأولى عند أمير الشعراء أحمد شوقي، فقد ذهبت إلى السنباطي بقصيدة:

سلوا قلبي غداة سلا وتابا

لعل على الجمال له عتابا

ويسأل بالحوادث ذو صواب

فهل ترك الجمال له صوابا

فأحسن السنباطي الحانها وتنقل بها ما بين الرست والنكريز والنوى أثر والحجاز، وتغنت بها أم كلثوم فأحسنت أداءها وانتقلت بين الناس إلى أوسع مدى، ثم جاءت الأغنية الخالدة الثانية التي عارض بها شوقي قصيدة البردة للبوصيري:

ريم على القاع بين البان والعلم

أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

لما رنت حدثتني النفس قائلة

يا ويح جنبك بالسهم المصيب رم

وكانت للسنباطي أيضاً وهي من الهزام، وتعتبر هذه الأغنية من كبرى روائع أم كلثوم فإنها تمتاز بصعوبة اللحن وقوة الأداء، وتوالت الأغاني لأم كلثوم مع السنباطي فجاءت أغنية:

ولد الهدى فالكائنات ضياء

وفم الزمان تبسم وثناء

وكانت آخر ما غنت أم كلثوم للسنباطي أيضاً تلك الأغنية التي تتغزل ببيت الله الحرام، وهي من الزجل للزجال الكبير بيرم التونسي، وقد لحنها وأداها بصوته الشيخ زكريا أحمد. وقد أعاد تركيبها لحناً السنباطي:

القلب يعشق كل جميل

ويا ما شفت جمال يا عين

أما السنباطي فقد خلدته تلك الأغاني التي صممها لأم كلثوم.  وله الفضل الكبير على التطور الذي حصل في الأغنية الدينية وتلحين القصيدة بصورة خاصة.  وقد أدى بصوته بعض الأغاني، ومنها إله الكون سامحني أنا غلطان. وقد تماشت الأغنية الدينية زمناً مع الأغاني العاطفية، وما زالت تفرض نفسها في كل الإذاعات في صباح كل يوم، ذلك لان لها وقعاً في نفوس المسلمين يودون سماعها كل يوم في ساعات الصباح الباكر بصورة خاصة، وأنها اصبحت تراثاً وتأريخاً فلن نجد لها امتداداً في هذه الأيام.


 

10

مقالات

الغناء العربي - تاريخ من العزف على الوجدان

تاريخ الغناء العربي هو رحلة الكلمة المموسقة خلال مسيرة إبداعية فريدة، تهادت من عمق الزمان ووصلت مضارب الحاضر واستشرفت المستقبل، لتشكل إرثاً فنياً «دوزن» لإنسانية الوجدان العربي وانفعالاته في تعاطيه لهذا «الخلق الإبداعي» المجدد لجمال الروح والحياة، وليؤرخ أيضاً لأحداث التفاعل الحضاري بكل أنواعه في عمق المجتمع.  وبترانيم من جمال، نقشت الذاكرة الفنية العربية على جدرانها أصواتاً خالدة صنعت دهشة لا تنقضي.  «زهرة الخليج» تستعرض بعضاً منها.

بدأ العصر الذهبي للغناء العربي  في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في مصر خصوصا في عهد الخديوي إسماعيل الذي كلف المؤلف الموسيقي الإيطالي جيوسبي فيردي بتأليف أوبرا عايدة وبناء دار الأوبرا المصرية.  واحتضن الخديوي عبده الحامولي (1836-1901) الذي استخدم  مقامات شرقية في الغناء المصري لم تكن مألوفة من قبل كالحجاز كار والنهاوند والكرد والعجم، وعرف عنه رقيه في اختيار الكلمة.  كذلك برز الشيخ سلامة حجازي (1852 -1917) الذي بدأ حياته قارئاً للقرآن الكريم وتعلم أصول فن الإنشاد وأوزان النغم والأداء.  ويعتبر رائد فن الغناء المسرحي. وأيضاً عد سيد درويش واحداً من أهم الموسيقيين العرب على مدار التاريخ، فهو مجدد الموسيقى العربية.

 

تطور وحداثة

شهدت الموسيقى المصرية والعربية وفن الغناء تغيّراً سريعاً إذ انضمت إلى التخت الموسيقي آلات من الأوركسترا الغربية لم تكن مألوفة لمعظم المصريين والعرب ومنها الكمان والكونترباص والبيانو وسواها. ومن المبدعين الذين خاضوا هذا المضمار في مطلع القرن العشرين محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، ومحمد فوزي.  وابتكر الشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي الأغنية المطولة.

 

كوكب الشرق

قدم كبار المطربين والمطربات العرب الكثير من العطاء للموسيقى العربية، أمثال أم كلثوم، التي  بدأت الغناء وهي طفلة صغيرة مع والدها في الموالد والأفراح، وكونت أول تخت موسيقي لها في عام 1926، ثم تعرفت إلى الشاعر أحمد رامي ثم الملحن محمد القصبجي لتصدر عام 1928 مونولوج "إن كنت أسامح وأنسى الأسية"، وتعتبر فترة ستينيات القرن العشرين من أبرز الفترات الفنية لأم كلثوم، حيث أصدرت العديد من الأغنيات الناجحة منها "أنت عمري" و"الأطلال".

 

علامة فارقة

في صدر الإسلام مثّل الاستقبال الحافل للرسول الكريم، في المدينة، والذي شارك فيه الرجال والنساء والصبيان، حفلاً موسيقياً كبيراً في حضرة الرسول، وذلك بعد أن هرع أهالي المدينة لاستقباله واشترك في الغناء النساء والأطفال فرحين بقدومه وهم ينشدون: "طلع البدر علينا / من ثنيات الوداع .. وجب الشكر علينا / ما دعا لله داع).  وتعتبر هذه الاحتفالية علامة فارقة في تاريخ الغناء والموسيقى العربية.

 

صوت الجبل

في لبنان ترك المطرب والملحن وديع الصافي بصمته في الموروث الفني العربي، وكان له الدور الرائد بترسيخ قواعد الغناء اللبناني وفنه، وأصبح مدرسة في الغناء والتلحين، ليس في لبنان فقط، بل في العالم العربي.  كما برزت الفنانة اللبنانية فيروز بمرتبة خاصة في  مجلة «فوربس الشرق الأوسط»، حيث صنفتها كأعظم نجوم الفن لكل العصور، وهي التي خطت طريقها نحو الشهرة في بدايتها من خلال أغنية «عتاب» عام 1952.

 

جيل ذهبي

من سوريا صدح صوت ميادة الحناوي التي لقبت بمطربة الجيل، وصنفت في الصف الأول بين المطربات العربيات.  لحن لها كبار الملحنين العرب أمثال بليغ حمدي ورياض السنباطي، وقد حققت شهرة وجماهيرية كبيرة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

وفي الفترة نفسها برزت كذلك أصوات أثرت في الوجدان العربي بشكل كبير وحلقت به إلى مراقي الطرب العالي، أمثال عبد الحليم حافظ وأسمهان وصباح فخري ووردة الجزائرية وصباح وناظم الغزالي ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد وسعاد محمد.  وبعضهم غنّى الأغنية المطولة مع الفرقة الموسيقية الكبيرة التي يصل عدد العازفين فيها أحياناً إلى خمسين عازفاً.

 

إبداع خليجي

في منطقة الخليج وضع الفنان طلال مداح بصمة قوية في تاريخ الغناء الخليجي والعربي في القرن العشرين، وهو رائد الحداثة في الأغنية السعودية، لأنه أول من قدم فرقاً موسيقية متكاملة ضمن غناء الجزيرة والخليج، كذلك كان أول من حدّث وطور الأغنية السعودية بأول أغنية تغنت على نمط الكوبليهات، وهي «أغنية وردك يا زارع الورد» التي كانت من ألحانه. 

ومن السعودية أيضاً أطرب الفنان محمد عبده الملايين ويعتبر من أشهر الفنانين العرب الذين عاصروا الجيلين القديم والحديث.

 

أزمان الازدهار

شهد العصر الأموي نهضة غنائية وموسيقية تلقت الدعم والرعاية من الخلفاء الأمويين وجاء اسم ابن محرز كأهم أعلام العصر الأموي موسيقيا.ً بعدها أخذت النهضة الموسيقية سبلاً جديدة متوخية الطرائق العلمية، وكان يونس الكاتب أول من كتب في هذا الموضوع، ويصفه أبو الفرج الأصفهاني بأنه أول من كتب عن الغناء والموسيقى عند العرب، وله "كتاب النغم" و"كتاب القيان"، والقيان هن الجواري المختصات بالغناء. 

في أيام العباسيين حدثت ثورة حقيقية على يد إبراهيم الموصلي وولده إسحاق وإبراهيم بن المهدي، فأخذ الغناء والموسيقى بعداً جديداً، جراء الازدهار الاقتصادي فنشطت الترجمة وتنوعت القيم المعرفية، فأصبحت الموسيقى في بدء هذا العصر أو كادت تكون علماً مستقلاً.

أما في الأندلس، أطل زرياب (789-857) كأهم الأسماء، إذ استطاع هذا الموسيقي الطموح والذي اشتهر باسم "العندليب المغرد" أن ينفذ مشاريعه الفنية في نشر الموسيقى الشرقية من خلال تأسيسه لأول معهد للموسيقى، هو الذي قام بإضافة الوتر الخامس إلى العود ليكمل بها مجموعة رائعة من النغمات التي تخرج منه.

 

عراقة الموسيقى

عن عراقة الموسيقى العربية والغناء، ذكر المستشرق البريطاني هنري جورج فارمر في كتابه تاريخ الموسيقى العربية حتَّى القرن الثالث الميلادي أن نقش «آشور بانيبال» الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع قبل الميلاد، يثبت أن العرب كانوا يمضون ساعاتهم في الغناء التي كان يطرب لها آسروهم الآشوريون، فيطلبون المزيد منها. أما بخصوص أصالة الغناء العربي في العصر الجاهلي، فيقول بعض المؤرخين إن أهل المنطقة عرفوه أول الأمر باسم الحداء ومعظمهم يتفقون على أنه كان عند العرب أشكال مختلفة من الموسيقى والغناء في الفترة ما بين القرنين الخامس والسابع الميلاديين. وكان عربي ذلك الزمان يؤثر سماع الغناء على العزف، ليتسنى له بذلك تذوق معاني الشعر.  أما الآلة الموسيقية فلا مهمة لها إلا مرافقة الغناء والتمهيد له.  وتدل هذه الآراء المبنية على الاكتشافات الأثرية على أن العرب كانوا من بين الأمم التي تذوقت الموسيقى وأحسّت بجمالها، وابتدعت آلاتها. 

المصدر: مجلة زهرة الخليج

.