الإيقاع في الموسيقى العربية : حجر الزاوية الذي تخبّئه الأغاني

هيثم أبو زيد

على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، انتشر مقطع فيديو من برنامج "كان زمان"، يحاور فيه الفنان المصري سمير صبري، عازف الإيقاع محمد العربي، الذي تحدث عن ذكرياته في فرقة أم كلثوم التي التحق بها عام 1966، وتحديداً مع إطلاق قصيدة "الأطلال".

خلال الفيديو، روى العربي واقعة جرت بينه وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب، أثناء بروفات فرقة أم كلثوم على لحن قصيدة "أغداً ألقاك"، التي شدت بها سيدة الغناء لأول مرة في مايو/ أيار عام 1971.  عزف العربي المقطع كما وضعه عبد الوهاب، جملة بسيطة من إيقاع "اللف" أو "الملفوف" ووزنه 4/8، ثم أوضح أنه اقترح على موسيقار الأجيال ملء هذه المساحة بإيقاع مركب، عزفه العربي، فجاء وزنه 12/8. يشير العربي إلى أن عبد الوهاب سعد جداً بالجملة الإيقاعية المقترحة، واعتمدها بدلاً من جملته الأصلية.

حقق الفيديو انتشاراً واسعاً، وكان سبباً للفت انتباه كثير من الشباب إلى أهمية الإيقاع في الألحان، وللدور المهم الذي يلعبه عازف الإيقاع داخل الفرقة الموسيقية. لأسباب عدة، لم يحظ الإيقاع وعازفوه باهتمام الأجيال الجديدة، فعازف الإيقاع لا يلقى القدر نفسه من الاهتمام الذي توليه الجماهير لعازف عود أو قانون أو كمان أو ناي.  ربما ساهمت الفكرة الشعبية عن "الطبال" في بخس الإيقاع وعازفيه ما يستحقون من اهتمام وعناية.

ومعلوم أن موسيقانا العربية تتكون من ركنين أساسين: المقامات، والإيقاعات، وبقدر إحاطة الملحن بالركنين، وتفننه في معالجتهما، تكون مكانته بين أهل الفن، ويتحدد موقعه بين الملحنين. الإيقاع يوسّع مساحة الإبداع الموسيقي ويكسب المقام ألواناً متعددة ومذاقات مختلفة. ومع الإيقاع، لا يعرف الملل طريقاً إلى المستمع، ومع الانتظام الإيقاعي تتجاوب الجوارح، وتتحرك الأطراف مع "الدمات" و"التكات".

تعرف الموسيقى المشرقية عشرات الأوزان الإيقاعية، تختلف في أشكالها طولاً وقصراً، بدءاً من إيقاع الفالس (3/4) ووصولاً إلى إيقاع الفتح (176/4)، ويمكن لمن يرصد تراثنا الغنائي والموسيقي، بكل أشكاله وقوالبه، أن يظفر بما يقارب المئة إيقاع.  وتمثل هذه الإيقاعات ثروة وثراء فنيين لا يكاد يعرف لهما نظير في غير موسيقانا.

يدخل الإيقاع معظم قوالب الغناء، فنجده في الموشح والقصيدة والدور والطقطوقة والمونولوج، وبالطبع يخلو منه الموال، وبعض المقاطع التي يقرّر الملحن أن تكون مرسلة، وكذلك يدخل أغلب أشكال التأليف الآلي، مثل السماعي والبشرف واللونغا والسيرتو، وحتى التقاسيم التي يغلب عليها أن تكون مرسلة، منها ما هو موقع، يواكب فيه العازف الضغوط الإيقاعية، لتصبح قيداً اختيارياً لذيذاً على ارتجاله.

القصيدة والدور

مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تراجعت إلى حد كبير القصائد المرسلة، وازداد الاهتمام بالقصيدة الموقعة، ولا سيما عبر ألحان عبده الحامولي، ولعل من أشهرها "أراك عصي الدمع"، التي غناها معظم كبار مطربي العصر، ثم ازدادت القصيدة الموقعة رسوخاً بألحان الشيخ أبو العلا محمد، الذي ترك عدداً كبيراً من ألحان القصائد الفخمة، وكانت كلها على إيقاع الوحدة الكبيرة (4/4). وقد انتشرت هذه القصائد بعدما شدت بها أم كلثوم، وطبعتها شركات الأسطوانات، ومن أهم أمثلتها: "وحقك أنت المنى والطلب"، و"أمانا أيها القمر المطل"، و"أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا"، و"أكذب نفسي".

ومع هيمنة صوتي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب على الغناء العربي منذ منتصف عقد العشرينيات من القرن الماضي، انمحت القصيدة المرسلة من المشهد الغنائي المصري، وسيطر الإيقاع على هذا القالب، بألحان عبد الوهاب ومحمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي، إلا أن بعض الأعمال ما زالت تتضمن مقاطع مرسلة سواء في أول القصيدة أو في أجزائها، كما نجد في "الأطلال" أو "هذه ليلتي" على سبيل المثال.

وبالرغم من أن "الدور" يعد من أهم القوالب الكلاسيكية، إلا أن الملحنين استخدموا فيه عدداً محدوداً من الإيقاعات، غلب عليها المصمودي بنوعيه الكبير والصغير، والوحدة الكبيرة، والأقصاق (9/8) والنواخت (7/8)، والدارج (فالس).

 

 

لم يكن الدور ساحة صالحة للاستعراض الإيقاعي، واعتاد الملحنون في معالجتهم له الاستعانة بعدد من الإيقاعات تكاد تعد على الأصابع.

.