زرياب ...مبتدع فن الأتيكيت

 

 

د. نورة المزروعي[1]

مر أبو الحسن علي بن نافع الملقب ب "زرياب" بعدة  محطات تراجيدية  في حياته، ولكنه استطاع بعزيمته وثباته أن يصمد أمام مكائد أهل بغداد والقيروان في قصور الخلفاء.  فبعد رحلة لم يكتب لها النجاح في عالم الموسيقى بالشرق - استمرت لأكثر من 20 سنه-  كتب رسالة مطولة لخليفة قرطبة يشرح فيها مهاراته الفنية.  فرغب الخليفة في استضافته في بلاط قصره  فشد الرحال إليها مودعا القيروان. هل سيسلم زرياب في هذه المحطة من حساد قصر الخليفة؟  وهل سيُسمح له بأن يحلق بحرية  في سماء الموسيقى بالغرب؟

نزل زرياب  في ضيافة  الخليفة عبد الرحمن بن الحكم، وأعجب الأخير بصوته وفصاحته أشد الإعجاب فجعله نديمه الأول. ومنحه مبلغاً شهريا ًودورا ًوبساتين وأصبح قيثارة قصور خلفاء قرطبة، وتحدى كل حساده بمهاراته الفنية. 

لم يكتف زرياب بالطرب والتلحين بل  كانت عيونه تتأمل المدينة قرطبة، وعقله يفكر ويدبر. ما الذي يمكن أن يقدمه لهذه المدينة بجانب الطرب؟  تدبر أحوال العباد فوجد أن هناك  شيئا ينقص قرطبة  ليجعلها أكثر رقياً وجمالاً وتحضراً. كان  الشعب الأندلسي  مزيجاً من بربر وعرب وقوط ، كل له عادات وأطباع وثقافات غير متجانسه.  فابتدع  أسلوباً جديداً في فن الذوق الجمالي.  ابتكر قواعد فن الإتيكيت  في الغرب  التي أصبحت لاحقا أحد أهم  عادات الدول الأوروبية. 

-         أولا: لاحظ تقديم الوجبات الغذائية  دفعة واحدة،  فوضع آدابا للمائدة،  صنف الوجبات بحيث يقدم الحساء أولا ثم الوجبة الرئيسية ثانيا ثم الحلوى والفاكهة. 

-         ثانيا: ابتكر فكرة  المناديل على مائدة الطعام وحدد أحجامها وأغراض استخداماتها واستبدل الأواني المعدنية بأقداح من الزجاج.

-         ثالثا: ابتكر حلوى عرفت باسم  الزريابية والتي تغير اسمها مع الزمان لتصبح زلابية.

-         رابعا: حدد أوقات تقديم المشروبات وابتكر نكهات من الأزهار والسكريات المضافة لها.

-         خامسا: للارتقاء بالذوق الجمالي ابتدع أنواعا من العطور والمنظفات  بخلطات مبتكرة  مع ماء الورد والنباتات  والزهور لأغراض الاستحمام والتزين.

-         سادسا: صاحب فكرة إنشاء مراحيض في المرافق العامة  بالأندلس. 

-         سابعا: لاحظ عشوائية وإهمالا في ترك شعر الرجال، فابتكر  أسلوبا جديدا لتصفيف الشعر والحلاقة.

-         ثامنا: لاحظ  بأن هناك خلطا في الألوان وأنواع الأقمشه التى لا تناسب الفصول الأربعة، فحدد الأنواع والألوان الملائمة للفصول الأربعة.

سمى في الأندلس "بالمعلم الأول لذوقه الجمالي" وأصبحت تعاليمه منهجا وأسلوب حياة في الأندلس،  مما انعكس  على  السلوك الحضاري لأطياف المجتمع الأندلسي في فن المعاملات.

وعلى المستوى الفني، له عدة بصمات أولا : أنشأ  أول معهد للموسيقي العربية  عرف باسم دار المدنيات  الذي اختص بالتربية الفنية.  واستقبل المعهد طلابا من أنحاء الأندلس وخارجها  وأنشأت فيما بعد البعثات الفنية لتعزير التبادل الثقافي ونشر ثقافة الفنون. حيث بلغ عدد الطلبة المبتعثين إلى المعهد أكثر من 700 طالب وطالبة من إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا...الخ.  ومن أشهر تلك البعثات على الإطلاق  البعثة البريطانية التي كانت على رأسها بنات الأشراف وفيها  الأميرة " دوبانت"  ابنة أخي ملك انجلترا  جورج الثاني محملة برسالة  مطولة إلى خليفة هشام الثالث جاء فيها "...فقد سمعنا عن الرقي الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم. فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل... لنشر أنوار العلم في بلادنا..." ورد الخليفة على رسالته قائلا: "لقد اطلعنا على التماسكم فوافقت على طلبكم. وعليه فإننا نعلمكم بأنه  سينفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين دلالة على مودتنا لشخصكم الملكي..."  ومن أهم خريجي المعهد صبح البشكنجية وهي أم الخليفة هشام  المؤيد بالله في قرطبة.

أنشأ زرياب لاحقا فروعا  للمعهد في  غرناطة وإشبيلية وطليطلة وبلنسية. وكان من خريجي أحد هذه المعاهد، العالم عباس بن فرناس- صاحب أول محاولة طيران-ولقد كان للمعهد صيت  واسع في تحضر الشعب الأندلسي والارتقاء بذائقته الفنية.  

وضع زرياب مناهج  لتدريس الفنون  والعزف، والغناء، والتلحين والشعر.  وفيما يخص طرائق التدريس، فقد استخدم أسلوب أستاذه إسحاق الموصلى والتي جعلت منه فنانا مبدعا في العراق. ثانيا:  ابتدع الوتر الخامس للعود الذي  أعطي للعازف مساحة أكبر للتنقل بين المقامات الموسيقية . ثالثا:  استبدل الريشة المصنعة من خشب بريشة مصنوعة من قوادم النسر والتي تطيل من عمر الأوتار. صنع الأوتار من أمعاء الحيوانات لإعطاء جودة للصوت. رابعا: دمج القصائد بالألحان بمصاحبة فرقة موسيقية ومهدت هذه الطريقة إلى ظهور فن "الموشحات" في الأندلس. 

تذكر د. سيغريد هونكه المستشرقة الألمانية أن أهم تراث موسيقى ورثه الأوروبي عن عرب الأندلس "الإيقاع"  أي الموسيقى محدودة الزمن. وتذكر بأن الأوروبيين لم يدركوا من قبل مفهوم البناء الإيقاعي. وأن إدخال فكرة الإيقاع في العزف أحدثت  نقلة نوعية في عالم الموسيقى الغربية وكان الموسيقون الأوروبيون يعتمدون على آذانهم وحسهم الداخلى في عملية ضبط دوزان  الالآت الموسيقية،  في حين أن طلاب معهد  الموسيقى -الذي أنشأه زرياب- يقومون بالعفق على دساتين قد قيست عليها المسافات قياسا دقيقيا. الإرث الثالث الذي توارثه الغرب "الزخرفة اللحنية" التي تعد جزءا من الموسيقى العربية والتي جودت وحسنت من أداء العازف مما جعلها  تأسر قلوب المستمعين.

تدين أوروبا لعرب  الأندلس ، بانتشار الآلات  التي لم تعرفها بلاد الغرب خاصة الالآت الوترية منها: العود والقيثارة والطنبور والسنطور والقانون وكذلك الدف والربابة.  إن تطور الموسيقى الغربية وآلاتها، يرجع  في الأصل إلى الموسيقى  العربية.  ويؤكد د. كورت زاكس أستاذ الموسيقى على هذه الفكرة في  محاضرة  ألقاها في جامعة برلين بعنوان " تاريخ البيانو" ، إن جميع آلاتنا الموسيقية مصدرها الشرق، وقد انتقلت إلى أوروبا بأكثر من طريقة.  والآلة الوحيدة التي كانت تعتز بها أوروبا بأنها من مبتكراتها هي آلة البيانو. ولكن ثبت أن هذه الآلة مصدرها عربي أندلسي.  يشير بأن أقدم لفظ  أوروبي أطلق على البيانو  في اللغات الانجليزية الفرنسية  والإسبانية هي كلمة "Echiquier" أي " الشقير" طبقا للفظ العربي، وكانت هذه كلمة تطلق على آلة صغيرة ذات مفاتيح سوداء وبيضاء  توضع على  المنضدة  أثناء العزف وأن أول من استخدمها كما يقول زاكس هو زرياب . وهي الهيئة التي تطورت منها آلة البيانو بشكله الحالي .

كل هذه المواهب  لفنان ذي ذوق رفيع ، وإحساس مرهف عاشق للحياة. كاد أن يدفن تحت الثرى في بغداد والقيروان بسبب حاقد هنا وحاسد هناك. ولكن شاء قدر الله أن تحتضنه قرطبة، فتفجر عنده عطاءً وإبداعاً فنياً لا مثيل له.استطاع أن يهذب من أخلاق الشعوب بالموسيقى، وأدرج عادات جديدة لم تكن مألوفة من قبل حتى أصبحت راسخة في ممارسات الشعوب إلى وقتنا الحالي.

زرياب هو مثال  للشاب المكافح  الذي تحدى كل الصعوبات التي واجهته في طريقة للموسيقى دون أن يستسلم لليأس أمام حساده في أي مكان وجد على خريطة العالم. استطاع بفكره وبفنه أن يسجل اسمه ناصعاً  في صفحات التاريخ. 

 

 

 

مراجع:

1.    للاطلاع على أسباب نفي زرياب، مراجعة مقال نورة صابر المزروعي، حساد الطائر المغرد، جريدة الاتحاد 11، أبوظبي، مارس 2020.

2.    لقاء تلفزيوني، زين نصار، أستاذ النقد الموسيقي، أكاديمية الفنون، القاهرة، 2018. 

3.    أحمد رباع، تاريخ علوم الموسيقى عند العرب والعجم، الموسيقى الأندلسية زرياب والغناء المنضبط، الدار البيضاء، 2017.

4.    مقبول موسى العلوي،  زرياب ، دار الساقي،  بيروت، 2014.

5.    سناء شعلان، زرياب : معلم الناس المروءة، الأردن، 2008.

6.    فوزي خضر،  زرياب عبقري النغم، دار الغد، القاهرة، 1999.

7.    عبد العزيز بن عبد الجليل، الموسيقا الأندلسية - فنون الأداء، المجلس  الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1988.

8.    محمود أحمد الحفنى، زرياب  أبو الحسن علي بن نافع موسيقار الأندلس، دار المصرية،  القاهرة، 1966.



[1]  حاصلة على الدكتوراه في الدراسات الخليجية من معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر بالمملكة المتحدة، وعلى دبلوم خبيرة التسامح الدولى من كلية محمد بن راشد.  ومن إصداراتها كتاب بعنوان "العلاقات بين الإمارات والسعودية"؛ حاز هذا الكتاب على جائزة العويس للإبداع في 19 أبريل 2017 عن فئة  أفضل كتاب نشرته مؤلفة إماراتية. ولها عمود في صحيفة الاتحاد الإماراتية. تعمل  في أكاديمية الإمارات الدبلوماسية وجامعة زايد.  بدافع شغفها بالموسيقى الشرقية اتجهت لتعلم العزف على آلة القانون. ألقت  عدة محاضرات عن أهمية الفنون الجميلة في حياتنا، وأهمها التسامح عبر الموسيقى في القمة العالمية للتسامح في دبي. تعمل حاليًا على كتاب بعنوان "تأثير الموسيقى في حياتنا".

 

 

.