المشهد الموسيقي المعاصر: أسئلة بلا إجابات!!

. قضية موسيقية

تكثر في المشهد الموسيقي اليوم، الأسئلة التي لا أجوبة مقنعة حولها، وهي على كل حال، وليدة الأزمات المستدامة التي عصفت وتعصف ببنية هذا الفن المضيّع، على أكثر من صعيد. هذه الأسئلة بعضها موروث من القرن الماضي، وبعضها الآخر وليد التحولات التي ألّمت بموسيقانا العربية المعاصرة، نتيجة موجات التغريب والتلفيق والتقليد المرضي للآخر المغاير.

صحيح أن حكماء وعلماء هذا الفن، كانوا، قد أجابوا وبإسهاب علمي ومعرفي، عن بعض هذه الأسئلة الملحاحة، وخاصة في ما يتعلق بمعادلة الأصالة والحداثة، والتراث والهوية، وما إلى غير ذلك من مواضيع مهمة.  إلا أن الكثير من هذه الأسئلة، بقيت عالقة، لا أجوبة أو إجابات مقنعة حولها. فمن المسؤول عن تغييب الأجوبة والحقائق العلمية، مع أن المشهد المعاصر يستدعي بالضرورة، وجوب هذه الأجوبة ووضع النقاط على الحروف، من دون مواربة، كي يتم التعامل معها بمنطق علمي معرفي.  هذا المشهد الذي بات مرتعاً خصباً، للمهرجين والدجالين والمتطفلين، الذين جاء بهم المال الأسود المفُسد، وهذا بدوره يطرح أسئلة تتولد من تلك الأسئلة القديمة، عن الدور الخفي الذي تلعبه هذه الشركات الإنتاجية في ظهور وتكريس هؤلاء الأدعياء، في فنٍ من المفترض بل الطبيعي، أن يكون عامل بناء وارتقاء للمتلقي العربي، ذوقياً وجمالياً، لا عامل هدم وتخدير لجيل كامل من الشباب، الذي لا يعلم شيئاً عن تاريخه الإبداعي، لأنه وجد نفسه محاطاً بكل هؤلاء الحواة المهرجين، تقدم له هذه الوجبات الغنائية الحسية التي تعُلي الغرائز المنحطة، كمعيار جديد للتحضر ومواكبة العصر كما تريد منظومة "العولمة" التي تنشر ثقافتها الوضيعة على الجميع بما تملك وتتملك من اقتصاد ضخم مرعب وشركات إنتاج وتوزيع وإعلام مسيطر مهيمن، يغسل العقول، ويتلاعب بالذائقة كما يشاء، بما يقدمه من نتاج فني استهلاكي معلب، يموت أغلبه وقت ولادته، لأنه إنتاج أقرب إلى الآلية الميكانيكية لا روح فيه ولا حياة، هو سليل مقولات الفن للفن وحركات "الدادئية" التي قامت في الغرب، كردة فعل قوية، على التراث والمقولات الماضوية التي أبدعت كل هذا الجمال الموسيقي النادر، الذي لا يزال بعد مرور مئات السنين حاضرا وبقوة، في النتاجات والأعمال المعاصرة، فمن النادر أن لا ترى أي مؤلف موسيقي معاصر في الغرب وحتى الموسيقىت المشرقية لا يستلهم أعمال الرواد المبدعين، برؤية حداثية تأخذ بعين الاعتبار الظروف والمتغيرات الحديثة التي حدثت في عادات التذوق الجمالي، إذاً، لا بد من أجوبة عن كل هذه الأسئلة والتساؤلات التي يفرضها واقع وحال موسيقانا العربية الذي لا يسر أحدا، خاصة في غياب وتغييب الدور الأساس، للتربية الجمالية، فمن دون تربية موسيقية لا يمكننا فعل شيء، قالها ذات مرة المبدع الكبير "منير بشير" وهذه حقيقة أثبتتها نتاجات القرن الماضي، حين عمد فرسان الجيل الأول من مبدعي النغم العربي الأصيل، في كتابة موسيقى عربية ابنة زمنها وبيئتها ومزاجها الروحي الأصيل، لنشهد معهم نهضة موسيقية باذخة الجمال، لا يزال طيفها يعيش معنا إلى الآن، لا لأنها قديمة، بل لأنها أخذت على عاتقها، إثراء الذائقة العربية بجماليات اللغة الموسيقية العربية الأصيلة، لكن برؤية حداثية لم تتنكر أبداً لموروثها وميراثها الروحي العظيم، ضمن مسارات الدور والبُعد التربويين والأخلاقيين لهذا الفن العظيم الذي يمتلك تقاليد وأنماطا عظيمة على مدار التاريخ.   وهكذا تتوالد الأسئلة وتتراكم، من دون" كما أسلفنا" إجابات مقنعة. وهذه إحدى العقبات التي تحيط بموسيقانا العربية المعاصرة، فمن دون هذه الأجوبة لا يمكن حل هذه الأزمات المستدامة التي تعصف بكيان هذا الفن، ونظن أن وزارات الثقافة والإعلام في البلاد العربية، تتحمل قسطاً كبيراً من هذه الأزمات العالقة، إضافة إلى المؤسسات ذات الصلة التي تعنى بالشأن الموسيقي العربي من جامعات ومعاهد ومؤتمرات ومنتديات وغيرها، ومن دون هذه الحلول المأمولة، ستتعمق هذه الأزمات، وتبتعد موسيقانا عن دورها وبُعدها الرسالي العظيم ذوقياً وجماليا، وتفقد القدرة عن التعبير عن قضايا الوطن والإنسان، كما كان شأنها في أغلب مسيرها الإبداعي الحافل، بعيداً عن لوثات التغريب والتقليد التي تسود وتتسيد هذا المشهد الكارثي العجائبي الذي تختلط فيه الكوميديا مع التراجيديا مع الرعب، لفنٍ كان إلى وقت قريب، يضيء وعينا الجمالي، ويمنحنا كل الأوقات الهانئة، عبر نتاجات زمن الفن الراقي الجميل الأصيل، شعراً ولحناً وصوتا، لأنه ببساطة شديدة، كان ابن الحياة وصانع وصائغ جمالها، كي تستحق معه أن تعاش بملء القلب والوجدان.

المصدر: ثورة أون لاين

.