المطربة رباب أسطورة عراقية تربعت على عرش الغناء الخليجي والعربي

. أعلام الموسيقى العربية

رياض محسن المحمداوي

ولدت الفتاة الصغيرة المدللة خيرية في مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان العراقية، وتربت في بيئة فلاحية تحب الحياة والخضرة والشعر والغناء، وهي تنتمي إلى قبيلة البومحمد التي تنحدر من قبيلة العزة الزبيدية العربية الأصيلة التي تسكن جنوب العراق.

كانت هذه الصغيرة تستمع لمطربين وأصوات معروفة في جنوب العراق ومنهم مسعود العمارتلي فتاثرت بطريقة غنائه وبطرق غيره من المطربين والمطربات أمثال داخل حسن وحضيري أبو عزيز ووحيدة خليل وأحلام وهبي وناظم الغزالي، بالإضافة إلى مطربي مدينتها جويسم وكريري وخلف لازم ونجم السرحان وغيرهم.  تاثرت هذه الفتاة بهؤلاء جميعآ كما تأثرت ببيئتها الخضراء ومجتمعها وحياة البساطة والفضاء الواسع. لاحقاً غادرت مع العائلة إلى الكويت عندما توجه والدها طلباً للعمل والإقامة.

وعاشت الطفلة مع عائلتها وهي لا تكف عن الغناء وأصبح صوتها في مرحلة الشباب من أجمل الأصوات النسائية وكأنه صوت كروان.

في عام 1977 تقدمت الشابة خيرية إلى برنامج المواهب في تلفزيون الكويت وسرعان ما نجحت كأفضل الأصوات في الاختبار وبانبهار لجنة الاختبار لجمال صوتها وعذوبته، فعينت في كورال الإذاعة والتلفزيون الكويتي عام 1978 ونالت جائزة أفضل منشدة كورال.  وأطلق عليها الملحن الكويتي غنام الديكان اسمها الفني رباب، فأصبح الاسم الذي تعرف به بعد ذلك.  وتهافتت عليها شركات الإنتاج بقصد إنتاج ألبوماتها، وتفوقت على زميلاتها عتاب وابتسام لطفي وبقية مغنيات الخليج العربي والعراق، وأصبحت نجمة الخليج الأولى حتى لقبت بسيدة الغناء الخليجي.

تعاملت مع العديد من الشركات مثل بو زيد فون ونجمة الفضة ويوسف حيدر الفنية واستقرت مع شركة فنون الجزيرة.  وأنتجت لها الأخيرة أغلب ألبوماتها وكانت الرائدة آنذاك في استقطاب نجوم الفن الخليجي والعربي.  وأخيرا تعاملت مع شركة روتانا التي أنتجت لها 33 ألبوماً من ألبوماتها.  وعند انتهاء عقدها مع روتانا لم ترغب في التجديد لكون الشركة لم تقدم لها أي مميزات كما في السابق، حسب ادعائها.

عاشت حياتها في الكويت ورحلت عنها في حرب الخليج الثانية عام 1990 وهي في قمة نجوميتها في الساحة الفنية الخليجية والعربية متنقلة بين عدة دول في التسعينيات لتستقر في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد منعها من دخول الكويت بعد غزو العراق للكويت لأسباب لم تعرف طالما تكتمت هي الأخرى عليها.

عرفت الفنانة الراحلة رباب بعذوبة صوتها وتميز غنائها واختارها الفنان الكبير محمد عبد الوهاب لتكون سفيرة الفن الخليجي وسيدته، وكأفضل صوت وأداء.  فأهدى لها لحنا بعد أن أثنى على غنائها قصيدة "الأطلال" لأم كلثوم.

عرفت الفنانة رباب بدعمها للأصوات الشابة فقد قدمت المطربة نوال إلى الملحن خالد الزايد عام 1984 ودعمت الفنانة أحلام وقدمتها إلى الملحن عارف الزياني عام 1996، وشجعت الكثير من الشباب، كما تنازلت عن أغان مميزة تملكها لفنانين آخرين مثل أغنية "مو نادمة" لنوال و"خواف" لمحمد عبده .

رباب التي عاشت في الكويت وأحبتها وكان لها الفضل في شهرتها ونجوميتها منعت من العودة إليها، فتأثرت بسبب تلك الحادثة وأصبيت حينها ببداية جلطة في القلب.  وأجريت لها عملية تبديل الصمامات.  ثم تعرضت لجلطة في الدماغ دخلت إثرها ولفترة وجيزة في غيبوبة.  وتعرضت لضعف البصر في العين اليمنى وبقيت تحت العلاج لأكثر من ثماني سنوات أصيبت خلالها بأزمتين قلبيتين فأخذت إحدى الشخصيات المرموقة على عاتقها إرسالها إلى أمريكا للعلاج على نفقته الخاصة.

قالت لي الراحلة رباب ـ لكوني كنت الصديق المقرب لها: "بعد أن عدت من رحلة العلاج في أمريكا فوجئت بدخول القوات العراقية الكويت عام 1990، وكنت حينها مريضة وبحاجة إلى الراحة بعد سحب جواز سفري الكويتي مني، منحني العراق جواز سفر عراقي، حتى أستطيع التجول فيه ومنحت على أساسه إقامة في الكويت.  والتقيت حينها بصاحبة السمو الشيخة أم خالد آل نهيان من دولة الإمارات العربية في مطار البحرين وسألتني ماذا حل بك يا رباب؟ وأين انت الان؟  قلت لها: سيدتي أنا لا أعرف إلى أين أذهب بعد أن منعت من دخول الكويت لكوني أحمل جوازاً عراقيا.  كنت قلقة وخائفة بعد تجوال ثلاثين ساعة في الطائرة أجوب فيها بلدان العالم في البحث عن ملجأ أو مكان يأويني، وأنا لا أزال في حالة الخطر لكوني عملت عملية في القلب، إلى أن وصلت مطار البحرين ففوجئت بأن البحرين لا تريدني أن أعبر من مطارها لأنها تلقت من الكويت مكالمة طلبت عدم دخولي أراضيها."

"وأثناء جلوسي في مطار البحرين وأنا في حيرة من أمري دخلت سمو الشيخة إم خالد بعد أن تعطلت بالصدفة الطائرة التي كانت على متنها.  فتقدمت مني وقالت: ما بك يا رباب فأجبت بأن البحرين لا تريد دخولي عبر المطار بالرغم من تدخلات شخصيات بحرينة بارزة.  وبسرعة فائقة اتصلت الشيخة أم خالد بحكومة أبو ظبي وأخبرتهم بما حدث فرحبوا على الفور بدخولي الإمارات، واستقبلوني بأبهى استقبال وكرموني؛ وقد أقمت لدى سمو الشيخة آل نهيان مدة سبعة أشهر كنت فيها معززة مكرمة من قبل حكومة وشيوخ الإمارات وعلى رأسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله وطيب ثراه."

وهنا توقفت رباب عن الكلام وسالت الدموع من عينيها بغزارة وتنهدت وقالت بصوت محشرج: "رحمك الله يا بو خليقة..وهل من بعدك تلد النساء.. يا من أكرمت القاصي والداني، وأمنت الخائف والمظلوم رحمك الله."

وتكمل رباب سرد قصتها على مسمعي قائلة: "لقد عاملني الشعب الإماراتي وحكامه معاملة الأم لأولادها.  وكنت طوال هذه الفترة أقف أمام التلفاز وأبكي كثيرا وقد لبست السواد إلى أن تحررت الكويت؛ بلدي الذي عشت وترعرعت وكبرت فيه.  تحرر أهلي وناسي وجيراني وبيتي الذي آواني."  وتضيف: "رياض .. أنا أحب الكويت، وهي تعيش في قلبي وروحي.  وقد خرجت في مظاهرات سعادة وفرح في شوارع الإمارات ابتهاجآ بتحرير الكويت.  وعند حدوث الغزو سجلت أغاني وطنية على نفقتي الخاصة مساندة لدولة الكويت، ومن أشهر اغنياتي وقتها 'شدو الحيل' و'كويت يا دانة' و 'ما خضعنا' و'وعد' و'الله أكبر'، وكانت من كلماتي وألحاني، ووزعت الألبوم مجانا في ذلك الوقت، رغم نصيحة الأطباء لي بالابتعاد عن الغناء."

"شكّل رفض دولة الكويت دخولي أراضيها أكبر صدمة في حياتي، وكان أكبر ظلم لي في حياتي.  وبالرغم من كل هذا بقيت الكويت بالنسبة لي عزيزة وغالية لكونها بلادي التي أحببتها وسابقى وفية لأهلها.  ثم انتقلت من إمارة أبو ظبي للعيش في إمارة الشارقة ودائماً تحت رعاية أهلي وناسي الإماراتيين الذين غمروني بكرمهم ورعايتهم."

وفاتها

اتصلت رباب بي في ساعة متأخرة من ليل 29 وقالت لي بصوت متعب: "رياض أنا تعبانة، تعال خذني إلى المستشفى."  وكان بيتي لا يبعد عن مكان إقامتها سوى 10 دقائق، فأسرعت اليها وأصعدتها سيارتي وذهبت بها إلى مستشفى الزهراء في الشارقة.  وفي الطريق قالت لي وهي تبتسم: "رياض ادفنوني في الإمارات وأوصيكم بولدي خالد وسلامي لكل من يحب رباب وكرمها."  وعند وصولنا قسم الطوارئ تم فحصها وأودعت فوراً غرفة العناية المركزة.  وبعد دخولها الغرفة أخبرني الأطباء أنها دخلت في غيبوبة. وفي الصباح انهالت علي وعلى المشفى اتصالات من مسؤولين وشخصيات إماراتيين للاطمئنان على صحتها، وكانوا مستعدين لنقلها لأرقى المستشفيات في العالم.  لكن الأطباء قالوا بأن حالتها سيئة ولا تتحمل النقل.  وأذكر للتاريخ أن موبايلي لم يكف عن الرنين من قبل المسؤلين وكبار الشخصيات الإماراتية والخليجية وفنانين ومحبين وعامة الناس من جمهورها، كلهم كانوا قلقين مستفسرين عن حالتها الصحية ومستعدين لتقديم المساعدة.  وبعد ثلاثة أيام توفيت إثر جلطة حادة أدت الى نزيف في الدماغ في 2 تموز/يوليو 2010.  توفيت رباب عن عمر يناهز 63 عاماً. وتم تشييع جثمانها من قبل الشعب الإماراتي ومسؤولين وفنانين وشخصيات قدمت للتشييع من دول خليجية.  وصلى عليها وشيعت من مسجد الصحابة بالشارقة إلى مثواها الأخير في مقبرة الشارقة.

وتجدر الإشارة بأنه سبق لها أن تعرضت قبل شهر من تاريخ وفاتها لجلطة أدخلتها غرفة العناية المشددة وتشافت بعد ذلك. وفي إحدى الحوارات قبيل رحيلها كشفت لجريدة الرياض السعودية عن رحلة معاناتها والتجاهل الفني والإعلامي الذي عانته وقالت في هذا الحوار: "إنها لم تخذ من الفن غير المعاناة والمرض.  وبأنها سعيدة برصيدها الأكبر والوحيد في حياتها، جمهورها .. وهو الثروة الكبرى التي حصلت عليها. 

وقبل وفاتها كانت تستعد لتسجيل مقدمة مسلسل "ميمة في دار الأيتام" إلا أن مرضها منعها من ذلك. وكانت في آخر أيامها سجلت آخر أغنياتها بعنوان "عدد ما لامت العذال" من كلمات الشاعر كريم العراقي وألحان علي سرحان.  وكان سبق أن غناها الفنان العراقي حسين نعمة، وكانت معجبة بالأغنية.  ويوماً كنا جالسين في بيتها، أنا والملحن علي سرحان، فأعربت عن إعجابها بالأغنية، وأنها تتمنى ان تعيد غناءها، فاتصل علي سرحان بالفنان حسين نعمة وأخبره أن رباب تستأذنه بأداء أغنيته وأعطاها الهاتف، فسلمت على نعمة الذي فرح بهذه المكالمة وعرض عليها جميع أغانيه مرحبا بسيدة الغناء الخليجي.  سجلت رباب هذه الأغنية وأدتها بأروع ما يكون.

غنت رباب أغانٍ ستبقى في ذاكرة المجتمع الخليجي والعربي، من خلال البومات عديدة اذكر منها:

اجرح (1980)، لا تنادي (1981)، رباب (1981)، جبرني الشوق (1982)، البارحة (1982)، لا تحاسبني (1983)، متعنين (1984)، الحب الاول (1984)، لا تستغرب (1985)، ايش معنى انا (1985)، احتمال (1986)، آهات رباب (1987)، احتمالاتك خطأ (1987)، جسر المحبة من حرير (1987)، غيرت عنواني (1988)، رباب (1988)، يا سيدي ارتاح (1989)، سألنا عليك (1990)، كويتنا (1990)، فدوه (1991)، مخطوف (1991)، لا يهمك من يگول (1992)، قلبي عفا (1993)، لا تقدملي عذر (1993)، لا للحب (1994)، تعال اعتب (1995)، الكلمة ميزان (1999)، هذي قطر (1999)، رباب (2000)، جرح الزمن (2003)، رباب (2004)، أغلى ناسي(2006)، آخر قراري (2008).

اما الأغاني المنفردة: قديم أوراقي، تغربنا، قلبي معاك، يتزلزل القلب، آه يا زمن، اتت الظروف، حبيتك، شلون حالي، ما تدور الدنيا.  وآخر أغنية سجلتها هي "بعدد ما لامت العذال".

وغنت رباب للمنتخب العراقي بعد فوزه ولأول مرة ببطولة كأس آسيا عام 2007 وتأهله لكأس العالم للقارات 2009.

كما شاركت في أوبريت "عاش العراق" من كلمات الشاعر كريم العراقي، ألحان وتوزيع الدكتور فتح الله أحمد.

بالإضافة إلى أنها غنت مقدمات المسلسلات ومنها: الغرباء، جرح الزمن، اللقيطة، لحظة ضعف، نقش الحنة، البارونات، دروب المطايا، وغيرها من المسلسلات الاذاعية.

لقد احيت الفنانة رباب العديد من الحفلات في دول عديدة عربية وأجنبية. ومنها: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، أستراليا، مصر، تونس، الأردن، البحرين، الكويت، قطر، الإمارات، العراق، سوريا، المغرب، السعودية، عُمان، اليمن.  وسجلت العديد من الجلسات لمحطات اإذاعية وتلفزيونية أغلبها في الكويت وقطر والسعودية والبحرين والبصرة واليمن، كما شاركت في جلسات دانة الدوحة بقطر.

وشاركت كواحدة من أعضاء لجنة تحكيم برنامج "نجوم الخليج" على قناة "نجوم".

نالت الفنانة رباب مفتاح باريس، كما كرمت بأوسمة ومداليات في عدد من الدول العربية ومنها: مصر  (1985) وتونس (مهرجان قرطاج 1986) وقطر (2002) والبحرين (2003)، بالإضافة إلى الكويت والسعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان.

وتعاملت، كما أسلفنا، مع العديد من شركات الإنتاج الخليجية، ومنها: بوزيد فون والنظائر وفنون الجزيرة وروتانا.

لقد تركت رباب الساحة الغنائية الخليجية وهي في كامل نجوميتها، وحسب كبار النقاد والموسيقيين وعلى رأسهم موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب. إن الفنانة الكبيرة رباب صوت من أجمل الأصوات في تاريخ الغناء الخليجي والعربي، وإنها أسطورة غنائية لا تكرر في الساحة الغنائية العربية.

رحم الله سيدة الغناء الخليجي والعربي الفنانة الكبيرة رباب.

 

المصدر: موقع الشمس الالكتروني

.