زكريا أحمد - مسرات الغناء التعبيري

. أعلام الموسيقى العربية

علي ميزو

المستمع لألحان الموسيقار الكبير" زكريا أحمد"، لا بد وأن يدرك للوهلة الأولى، بصمة هذا الفنان في حضور الغناء الطربي التعبيري أحد أهم تجليات زمن الفن الجميل، الذي أسسه بصحبة مبدعين كبار، نقلوا هذا الفن من بُعده التطريبي الحسي، إلى مناخات البُعد الطربي النفسي، والفرق هنا كبير وعميق، مما لا شك فيه، فالغناء التعبيري الذي تأسس مع الحداثي الكبير الشيخ سيد درويش ومريديه الأوفياء، وجد طريقه عبر أصوات عربية مهمة، حيث تغيّر مسار هذا الفن ليكتمل صوتا وأداء وتعبيرا، مع تلك السلالة الإبداعية في بدايات ومنتصف القرن الماضي، والتعبير بعمق وصدق نادرين، عن قضايا الوطن والإنسان، في تحول حقيقي وملموس نحو تكريس حالة غنائية عربية تلتمس مكامن وتجليات الذائقة والإدراك الجمالي الذي كان مُغيّبا بفعل الطقوس السمع بصرية المغلقة التي كانت سائدة، قبل بزوغ فجر الحداثة والتجديد المعرفي الذي طال انتظاره كثيرا.

نعم يدرك المستمع لألحان الشيخ زكريا أحمد، انه في حضرة الطرب والغناء والشدو الجميل، طرب حقيقي وأصيل لا شائبة فيه ولا تزييف، يستقي مرجعيته من ذاكرة ذوقية مديدة، غنية إلى حد الثراء والخصوبة بإشراقات الصوت وتفرعات المقام الموسيقي العربي، كما بطبيعة الحال بإيقاعيته المركبة وارتجالاته الحرة من مخزون الذاكرة التي تمّلكها قلة نادرة من هذه الأصوات لأن مسالكها وعرة وبالغة الصعوبة تتطلب مقدرة وحرفية ومعرفة بأصول وتجليات المنظومتين المقامية والإيقاعية وروحية الأداء الارتجالي المُوّقع والمنضبط إلى حد الإدهاش، وهذا ما تمتع به هذا الموسيقار الكبير بشكل استثنائي ونادر، حيث تركت مدرسة التجويد القرآني والتواشيح الدينية أثرها العميق في تكوين ورسم ملامح شخصية زكريا أحمد التلحينية المائزة، سواء في المسرح الغنائي الذي تابع عبره مسيرة صديقه الشيخ سيد درويش أو السينما التي لحن لها حوالي سبعة وثلاثين فيلما غنائيا ،من أشهرها أنشودة الفؤاد، ووداد، ونشيد الأمل، وليلى لأم كلثوم وأصوات عربية مهمة نهلت من معين شيخ الطرب الذي يعتبر من أغزر الملحنين العرب في العصر الحديث، وأشدهم اعتزازا بالهوية الموسيقية العربية الأصيلة، فهو هنا لم ينبهر إطلاقا ويصاب كغيره من مجايليه بلوثة الغرب والتغريب وتقليد الآخر، بل على العكس نراه مدافعا عنيدا عن موروثه الإبداعي بهويته العربية المتفردة، هذه الهوية الجامعة المكتفية بذاتها والمكتملة فكرا وممارسة، التي حاول البعض من الموسيقيين العرب الانتقاص منها وتشويهها بعناصر دخيلة وأدوات غريبة نالت من ذخرها ورصيدها الإبداعي الراسخ؛ ولهذا وحده نال زكريا أحمد الكثير من النقد والتجريح بسبب موقفه المتأصل ورؤيته الثاقبة في التجديد غير العقلاني، وأثبت التاريخ من بعده صواب رأيه وموقفه الفني الصحيح.  لكن بالمقابل يرى المتابع لأعمال هذا العبقري أنه لم يكن أبدا ضد التجديد وتطوير اللحن العربي كما يتبادر إلى الذهن، فقد قدم في هذا المجال خطوات ملموسة ومهمة عبر تجديده المثمر للطقطوقة المتنوعة الأغصان والدور التعبيري الانفعالي وهو أسلوب ترداد فقرةٍ موسيقية ٍ على درجة أعلى أو أخفض، مثنى وثلاث، حتى بلوغ ذروة الانفعال، كما يقول المايسترو "سليم سحاب" بشكل ينم عن ذكاء ومعرفة وخبرة لا تخطئها العين والذائقة المدربة، نجد تجليات روحه التلحينية المتوثبة في سبيكة متكاملة من الألحان الباذخة جمالا وتعبيرا أخاذا والقدرة المدهشة على التعبير الدرامي في موسيقاه، مع الوَلَه في الغرام، وحُلم، والآهات، وأنا بانتظارك، وحبيبي يسعد أوقاته، وهو صحيح الهوى غلاب، وأدواره الباذخة جمالا وتعبيرا "هو ده يخلّص من الله، وياللي تشكي م الهوى، وإمتى الهوى ييجي سوا، والفؤاد ليله نهاره، وغيرها وبالطبع لا يمكن أن ننسى موشحاته المهمة التي حافظ من خلالها على تكوين هذا الفن وجوهره لكنه منحه جمالية خاصة في الأداء التعبيري الدرامي الذي ورثه بحق عن الشيخ سيد درويش، كما نرى مع موشحات يا جريح الغرام، يا رشيق القوام، قد حركت أيدي النسيم، وسلو الندمان عن حبي، وغيرها من أعمال كرست زكريا احمد كواحد من أهم الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة ومن أغزرهم لحنا وحضورا كما اسلفنا حيث غنى وشدا من ألحانه مجموعة كبيرة من أهم الأصوات العربية نذكر منها على سبيل المثال: صالح عبد الحي، نادرة، اسمهان، فتحية أحمد، ليلى مراد، نجاة علي، منيرة المهدية، محمد قنديل، نجاة الصغيرة، نجاح سلام وغيرهم، هذه المحطات الخالدة في تاريخ الموسيقى العربية والتي كان الشيخ زكريا احد أهم دعائمها وأركانها المتينة، تعرضت كما هو معلوم إلى انكسارات وتراجع بعد مرحلة التغريب والتجديد اللاعقلاني، الذي حاربه هذا المبدع الأصيل ونبه إلى خطره على الهوية الموسيقية العربية ومفرداتها الأصيلة خاصة بعد رحيل هؤلاء العباقرة العظام الذين تركوا لنا إرثاً غنائيا باذخ الجمال والعذوبة، ومنهم بالتأكيد الشيخ زكريا أحمد تلك السلالة الإبداعية التي لن تتكرر.  يقول الباحث الدكتور "فكتور سحاب" في كتابه القيم "السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة": إن زكريا أحمد يمتاز دون غيره من الموسيقيين العرب الكبار بمزاجه الخاص ذي المقومات المركبة.  وأول ما يخطر ببال مصنفيه، أنه محافظٌ يعاند التطوير والتبديل.  وهذا في الواقع تصنيف غير دقيق.  فالشيخ زكريا طوّر شكلين من أهم أشكال الغناء العربي، وأسهم في تطوير أشكال أخرى، لكن تطويره لم يمسّ آلات الموسيقى العربية أو المقامات العربية أو الإيقاعات.  فأسس تطويره على ملامح عربيةٍ أصيلةٍ، فحفظ المضمون وبدّل في الأشكال، منطلقاَ من الأشكال الأصيلة.  ولذا قد يهمُ الناس في جعله رجعياً في الفن، وهو خلاف ذلك.  ويحلو لمتفرنجين في الموسيقى أن يَسِموه بالجهل لأنه لم يكن عالماً بالأساليب الغربية في الموسيقى.  لكن الشيخ زكريا كان مثقفاَ كبيراً في ثقافته العربية.  

    

.