إيمان جنيدي أنثى تتولى قيادة الفرق الموسيقية العربية في مصر والعالم

. أعلام الموسيقى العربية

عبد القهار الحجاري – المغرب

يكتنف بناء مسير علمي ومهني في الموسيقى العالمة الكثير من الصعوبات والمثبطات والعراقيل في المجتمعات ذات الثقافة التقليدية وذهنيات التبخيس والتحريم المتربصة بهذا الفن الرفيع الذي يعتبر ازدهاره علامة بارزة عن الحضارة والرقي، وعندما تكون المرأة هي من تشق هذا الطريق في مجتمع محافظ، يمارس كل أشكال التمييز ضد الأنثى ويتحيز ضد الفن بضراوة، فإن المعاناة في سبيل صنع النجاح تصير مضاعفة أضعافا أضعافا، خاصة عندما يكون الاختيار هو القيادة.

هذا مثال الأستاذة إيمان جنيدي، امرأة ذات شخصية قوية، نحتت اسمها من نور ونار قائدة مائزة للفرق الموسيقية العربية، وهو تخصص لا يزال حكرا على الرجال.  ولم يكن طريقها إلى هذا النجاح مفروشة بالورود أو بالزرابي المبثوثة، بل كدت وثابرت وتحدت الظروف المحيطة بهذا المسير ما ليس بالأمر الهين.  لم تأتها المثبطات من الوسط العائلي - لحسن حظها - وهي نقطة قوتها، بحكم نشأتها في بيت يحضنه النغم وتغمر أجواءه التربية الموسيقية والأدب والشعر، بيت يؤثثه البيانو ويحضنه أب مميز فنان في شخصيته، يعزف على العود والبيانو وهو مهندس ولاعب كرة له شهرته بنادي بني سويف جنوب مصر في ستينيات القرن الماضي، بيت أثمر مبدعين ومربين موسيقيين؛ إيمان وشقيقتين وشقيق لها، تشربوا معين الفن في هذا الوسط الأسري الراقي منذ نعومة أظافرهم.  

إن قيادة الفرق الموسيقية عمل في غاية الصعوبة، نظرا لطول ساعات التدريبات والتحضيرات، ويستلزم مجهودا شاقا لتنسيق العمل مع مجموعة كبيرة من الموسيقيين في نفس الوقت، انطلاقا من خلق الرؤية الناظمة لعمل الفرقة في تفسير المدونات والقدرة على الاجتهاد لتوحيد هذه الرؤية، وتزداد هذه الصعوبة عندما تكون القائدة امرأة في مجتمع لا يزال يحصر دورها في الإنجاب والأشغال المنزلية ورعاية الأسرة، ويقيد نشاطها المهني، وهذا ما يفسر تهيب النساء الموسيقيات من ولوج هذا التخصص؛ لكن عندما يكون الزوج والأبناء متفهمين ومحبين لعمل السيدة وهم يعيشون منذ الصغر نفس المناخ الثقافي الراقي المتشبع بالأدب والتربية الموسيقية، فإن هذه العقبة تزول كما هو الحال لدى المايسترو إيمان جنيدي التي تلاقي كل الدعم والتشجيع من زوجها وأبنائها، لأنها أيضا استطاعت التوفيق بين تحمل المسؤوليات الأسرية وعملها.

لكن بقيت مع ذلك صعوبات الواقع الذي جعل هذا المسير محفوفا بالعقبات والتحديات، خاصة في مجتمع الجنوب المحافظ الذي تنتمي إليه "المايسترو" إيمان، ونظرا لأن الفرقة الموسيقية أول الأمر كانت كلها مكونة من موسيقيين رجال لم يتعودوا من قبل أن تشرف امرأة على تدريبهم، وتتولى قيادة فرقتهم الموسيقية، وكان البعض منهم أكبر منها سنا، فلم يكن من السهل عليهم قبول ملاحظاتها وتوجيهاتها، مما سبب لها بعض الصعاب في قيادة الفرقة في البداية، ولكن مع الوقت أثبتت إيمان جنيدي جدارتها، فتبدل الوضع وتقبل الموسيقيون العمل تحت قيادتها.

في المرحلة الابتدائية بدأت تلامس أناملها مفاتيح البيانو في المنزل.  وبدأت فى المرحلة الإعدادية عزف الأكورديون في طابور الصباح وفي حصة الموسيقى.  وخلال المرحلة الثانوية تطورت موهبتها فأتقنت العزف.

عندما حصلت على الثانوية العامة، اختارت الالتحاق بكلية التربية الموسيقية في جامعة حلوان المصرية، بدل كلية الحقوق التي كان بإمكانها ولوجها، فواصلت دراسة الموسيقى دراسة علمية أكاديمية لمدة خمس سنوات.

وخلال دراستها في الكلية، بدأت الغناء في المجاميع "الكورال" خلف مشاهير المطربين فى حفلات الإذاعة والتلفزيون. 

وبعد تخرجها من كلية التربية الموسيقية عام 1984، عملت مدرّسة للتربية الموسيقية في الكويت وسلطنة عُمان.  وعقب عودتها إلى مصر، احتلت منصب موجهة للتربية الموسيقية. 

فى عام 2005 تم اختيارها لقيادة فرقة الموسيقى العربية في قصر ثقافة بنى سويف بمنطقة الصعيد. وكانت الفرقة تضم أربعين عازفا وعازفة، فاعتبرت جميدي أول سيدة مصرية يجري اختيارها للعمل في هذا المجال.  في عام 2006 شكلت فرقة موسيقية بجامعة بني سويف ضمت 25 عضوا وعضوة، وهي تقوم بقيادتها منذ ذلك التاريخ.

منذ ثلاث سنوات أسست ايمان جنيدي فرقتها الموسيقية الخاصة وسمتها فرقة “المايسترو” وتتكون من عشرين عازفا من بني سويف وعدد من المحافظات الأخرى. وهي تطمح لتصبح قائدة عالمية وأن يتسنى لفرقتها السفر لتقديم الحفلات الموسيقية في جميع بلدان العالم.

حصلت إيمان على سبع جوائز منها جائزة المركز الأول وأفضل "مايسترو"، في مهرجان الموسيقى العربية بمحافظة الفيوم عام 2009، كما حصد العازفون والمطربون سبع جوائز وضمت لجنة التحكيم قامات من الملحنين والفنانين الكبار، وهم الملحن  حلمي بكر والملحن والكاتب  محمد قابيل، والمايسترو  عبد الحميد عبد الغفار والمطرب أحمد إبراهيم رئيس الشؤون الفنية بهيئة قصور الثقافة وقتها، وذلك بمشاركة 32 مايسترو رجل.

وفي نفس المهرجان لعام 2010 حصلت إيمان جنيدي على ثانى أفضل مايسترو، وحصلت  الفرقة على المركز الثاني، وحصد أعضاؤها سبع جوائز.  وفي نفس العام كرمت وحصلت على شهادة تقدير  «أول سيدة مايسترو»  فى مهرجان تكريم المرأة المصرية.

في 6 حزيران/يونيو 2020، جرى تكريم إيمان جنيدي بالدكتوراه الفخرية من الأكاديمية الدولية لحقوق الإنسان عن مساهماتها في نشر المحبة والسلام ونبذ العنف.

 

.