رحلة سيمون شاهين من بيركلي إلى منتجع الموسيقى

. أعلام الموسيقى العربية

حسن الساحلي
منذ ثمانينيات القرن العشرين، وعلى مدى ثلاثة عقود، ولد وسط للموسيقى العربية في مدينة بوسطن الأميركية، يضم جمهوراً وموسيقيين ومؤسسات تجذب الراغبين في تعلم الموسيقى العربية من أنحاء الولايات المتحدة والعالم العربي. حدث ذلك بفضل شخص واحد هو العازف والمؤلف الموسيقي سيمون شاهين، الذي قام بالمستحيل على مدى عقود، من أجل تطوير ثقافة موسيقية عربية "عالية"، خارج ثقافة الأندية الليلية، التي كانت سابقا الممثل الوحيد للموسيقى العربية في البلاد.

يقول سيمون شاهين الحائز على درع "التراث القومي" من البيت الأبيض خلال تسعينيات القرن الماضي، في الفيلم الوثائقي "سيمون شاهين: فلسفة وفكر" (عرض في دار النمر ضمن مهرجان "السينما الوثائقية الفنية") إن "الناس لم تكن قادرة على التفريق بين الفن العربي والمشرقي في السابق، وكان يمكن إيجاد عازفين أتراك وهنود وإيرانيين في فرق تؤدي الموسيقى العربية". استفز هذا الحال شاهين المتحمس لعروبته، وقرر تحويل جهده من العزف والتأليف، إلى العمل الجاد لزيادة الوعي حول الموسيقى العربية في الولايات المتحدة، أولا من خلال تأسيس فرق تعزف في المدارس والجامعات والمسارح الكبرى، بطريقة تجمع بين الترفيه والتعليم، مستهدفة الأساتذة والطلاب والهواة "لنكون قادرين على التوجه إلى الناس في عقر دارهم عوضاً عن انتظارهم ليأتوا ويشاهدوا حفلاتنا"، وثانيا عبر الانخراط في التعليم ضمن أحد أبرز الصروح الأكاديمية الموسيقية في الولايات المتحدة (معهد بيركلي للموسيقى) التي تواصلت معه بعد ذيوع شهرته بين الموسيقيين، بسبب حفلاته مع "الفرقة الموسيقية الشرق أوسطية".

ساهم هذا العمل الشاق الذي يمكن وصفه بالتبشيري، في تطوير جمهور للموسيقى العربية في مدن أميركية عديدة، وهي الخطوة الأولى نحو وسط فني. نتحدث هنا عن مهرجانات تتمحور حول الثقافة العربية، أولها كان في نيويورك التي أقام فيها شاهين خلال فترة دراسته الجامعية، بالإضافة إلى برامج تعليمية تضم إقامات لفنانين، وورش عمل تستهدف الأساتذة والطلاب، وجولات فنية حول الولايات المتحدة. سخّر شاهين أيضاً عمله الجامعي من أجل جذب التلاميذ من فلسطين والعالم العربي، وبشكل خاص العازفين على الآلات الوترية مثل العود والكمنجة والقانون، وهو مسار كانت قد بدأته جامعة بيركلي سابقاً مع جنسيات وإثنيات أخرى (تعتبر بيركلي من أول الجامعات الأميركية التي انفتحت على الموسيقى الإثنية وموسيقى العالم).
يعرفنا الفيلم على طلاب شاهين العرب في المعهد، ويتتبع مسار انتقالهم من فلسطين (بلدات الداخل بشكل خاص) وبلدان عربية أخرى، من لحظة إجراء المقابلة معهم عبر "سكايب" لاختبار قدراتهم في العزف والسماع، حتى وصولهم إلى المعهد ومشاركتهم في التدريبات مع الطلاب الآخرين، الذين ينتمون أيضاً إلى إثنيات مختلفة. يظهر هنا أسلوب شاهين التعليمي، الذي يركز على المهارات الخاصة، التي يمتلكها كل واحد من الطلبة، بعيداً عن طرق التعليم التي تريد تحويلهم إلى نسخ عن بعضهم بعضاً، كما يحدث في معاهد الموسيقى في العادة.

يساعد الجو العام المتقبل للاختلاف الإثني في بلد يعتبر بلد مهاجرين في الأساس، على تسهيل مهمة التعليم على الطلبة الذين يتعرفون في هذه العملية على هوياتهم بطريقة جديدة. يخبرنا مثلا بسام سابا، الذي كان تعلم مع شاهين قبل تعيينه رئيسا للمعهد الوطني العالي للموسيقي في لبنان، أن الموسيقى الكلاسيكية الغربية كانت بالنسبة إليه الملجأ والأساس عندما كان يعيش ويتعلم في لبنان، لكن عند انتقاله لاستكمال تعليمه في الولايات المتحدة، تمكن من التعرف على "نفسه" بشكل أفضل، وفهم الموسيقى العربية بطريقة جديدة وأكثر تعمقاً.

بعد معهد بيركلي، ينتقل الوثائقي إلى "منتجع الموسيقى العربية" Arabic Music Retreat الذي يشرف عليه شاهين منذ عام 1998 وهو برنامج مكثف لتعليم الموسيقى العربية، ينظم في منطقة هادئة في بوسطن سنوياً. ويشمل البرنامج قسماً نظرياً يركز على أنثروبولوجيا الموسيقى، ويشرف عليه علي جهاد راسي، المتخصص بموسيقى الشعوب، ويضم جلسات للسماع، تساعد الأجانب بشكل خاص على تمييز ما يعرف بربع الصوت وعلى فهم الرصيد الموسيقي العربي باختلافاته الخليجية والمغاربية والمشرقية. يستقبل البرنامح فناناً عربياً كل عام، يختلف عن العام السابق. وخلال تصوير الوثائقي، كان يستضيف الفنانة التونسية سونيا مبارك، التي قدمت أداءً مبهراً لأغنية تنتمي إلى التراث التونسي في الحفلة الختامية. وتظهر نسب الأعمار أكبر في المنتجع عما هو الحال في معهد بيركلي، والسبب أن جزءا كبيراً من المشاركين هم من العاملين في الفن أو أساتذة للموسيقى يريدون توسيع ثقافتهم حول الموسيقى العربية.

لكن يبقى الأكثر مفاجأة في الفيلم الذي يبشرنا عنوانه (بالإنكليزية Simon Shaheen: A Musical Journey) برحلة موسيقية سيأخذنا بها، أنه لا يعطي أي مساحة للحديث عن اشتغال شاهين الموسيقي، خارج الأوركسترات الجامعية والتعليمية التي يشرف عليها. ربما السبب ترويجي للمؤسسات التي يعمل شاهين ضمنها، لكن هذا الخطأ غير المقصود غالباً، يخبرنا عن أشياء أخرى منها، أنه لا يوجد فعليا ما يتكلم عليه موسيقياً منذ سنوات طويلة، مع عدم قدرته على تقديم أي جديد واكتفائه إما باستعادة الأعمال التي أنتجها خلال الفترة الذهبية من مسيرته (أي منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى بداية الألفية عندما وصل إلى الذروة بعد ترشيح ألبومه إلى 11 جائزة "غرامي") أو التعاون مع موسيقيين عالميين في مشاريع مزج موسيقي، من دون تقديم أي تأليفات موسيقية بعد الألبوم الأخير Blue Flame الذي أنتجه مع فرقة القنطرة عام 2000، ما يدل على أن هناك مشكلة سيتساءل عنها أي شخص يتابع عمل الفنان.

نقلاً عن جريدة المدن الالكترونية

 

.