أندريا رايدر - مبدع موسيقى الفيلم

. اصدارات موسيقية

د. رشا طموم[1]

على الرغم من أن عالم السينما يعتمد أساسا على الإعلان والدعاية والصور المرئية إلا أن كثيراً من صانعى هذا العالم ومبدعيه لا نعرف عنهم إلا القليل ونفتقر لكثير من الوثائق التي تعيننا على الكتابة عنهم، الأمر الذى يقف عائقا حقيقيا دون دراسة تجربتهم الفنية بعمق وفهم ملابسات وظروف هذه الفترة الزمنية التي نحاول استرجاعها تحت التسمية "زمن الفن الجميل".

وإذا كان أندريا رايدر اسماً له شهرته نستعيد معه مجد السينما المصرية في منتصف القرن العشرين، كما يذكرنا بتراث غنائي ثري لملحنين عظماء استطاع (اندريا رايدر) أن يخرج أعمالهم في ثوب جمع بين متناقضين هما الفخامة والبساطة ليصل بهما إلى أذن ووجدان الشعب المصري بل والشعوب العربية بوجه عام،  فإن ما لا نعرفه عنه أكثر كما أن ما نعرفه خطأً هو أكثر وأكثر...

لذا فإن هذا الكتاب هو محاولة صادقة للاقتراب من عالم أندريا رايدر هذا المبدع اليوناني الأصل الذي عشق مصر وعاش فيها وأبدع وارتبط بثقافتها وأضاف لتراثها الفني، فجاءت أعماله لتحمل مزيجا من طابع وجماليات الموسيقى الغربية والعربية.

    نتناول حياته وعالمه الشخصي ونرصد معه منجزه الموسيقى وخاصة في مجال موسيقى الفيلم مع توضيح أسلوبه المميز وسط جيل من المبدعين أضاء كل منهم شمعة في تاريخ صناعة السينما والموسيقى المصرية.

وبالرغم مما يحاول الكتاب تقديمه من معلومات موثقة عن هذا المبدع فهو يطرح تساؤلات عدة ويفتح أبوابا كثيرة تحتاج لان يطرقها باحثون مهتمون بهذا المجال بكل عمق وشغف وصبر ومثابرة حتى نستطيع أن نكتب التاريخ الفني لهذه الفترة ليفيدنا في فهم حاضرنا والتخطيط لمستقبلنا.

إن  ما نعرفه عن أندريا رايدر أنه مؤلف موسيقى وموزع، ارتبط اسمه بتراث عظيم من أغاني كبار الملحنين في منتصف القرن العشرين وكذلك بموسيقى أهم الأفلام التي قدمت في أوج مجد السينما المصرية.هذا هو ما نعلمه أو بشكل أدق يعلمه جيل من محبي كلاسيكيات السينما المصرية أو ما اصطلحنا عليه "زمن الفن الجميل" وقد نعرف أكثر إذا بحثنا عن اسم أندريا رايدر فى مواقع الانترنت فستأتينا مقالات مختلفة ومدونات أغلبها تعتمد على مصدر رئيسي هو موسوعة ويكيبيديا الشهيرة التي تضمنت في نسختها العربية نبذة مختصرة عنه اكتفت باسم الشهرة وتاريخ الميلاد والوفاة وأهم الإنجازات، وفى نسختها الإنجليزية أضافت الاسم الأصلي باللغة اليونانية...

وما لا نعرفه أو لا يعرفه أغلبنا أن أندريا رايدر أو "أندريه رايدر"هو اسم الشهرة لمؤلف وموزع موسيقى من أصول يونانية، اسمه الأصلى هو أندريا ثيودور اناجنوستس[2] (اناغنوستيس) Andreas Anagnostou or Anagnostis.  وقد قام هو نفسه بترجمة لقب عائلته اليوناني Ανδρέας Αναγνώστου/Αναγνώστης والذي يعني بالإنجليزية reader وقام بتحريف الكلمة ليكون اسمه الفني الذي اشتهر به هو أندريا رايدرRyder حتى يكون سهلا ومستساغا للمصريين.

ومن أكثر الأمور التي اختلفت حولها الكتابات هو زمن ومكان ميلاد أندريا رايدر؛ فكثير من الكتابات تؤكد أن ميلاده كان في العاشر من أغسطس 1908[3]باليونان[4] وهناك كتابات أخرى تحدد ميلاده عام 1909 استنادا لما جاء في أرشيف جريدة الأهرام.  وهناك من يحدد تاريخ ميلاده 1916[5]وبالرغم من تعدد هذه الكتابات فان الوثيقة الوحيدة الدامغة وهي وثيقة الإقامة الخاصة به تشير أن تاريخ ومحل ميلاد أندريا رايدر هو عام 1914 بالقاهرة وأن إقامته في منتصف الستينيات كانت في شارع بشير عمر بالزيتون وكذلك سكن شارع محمد حجاج بجوار الانتكخانة فى وسط البلد . وبالتالى فان أندريا رايدر وإن كان من أصول يونانية فقد نشأ وترعرع في مصر. 

من الأرجح أن أندريا رايدر بدأ حياته الفنية عازفا على آلات موسيقية مختلفة أهمها الترومبيت والأكورديون والبيانو ضمن فرقة صغيرة (أو كومبو كما يصطلح عليها الموسيقيون) تعزف في الملاهي الليلية أو المسارح "التياترو" والصالات night clubsالمنتشرة في ذلك الوقت.  ومن هنا بدأت معرفته بعالم الموسيقى والأفلام وهناك آراء ترجح أنه التحق بأوركسترا الإذاعة المصرية[6] وشارك في عزف بعض أغاني الأفلام خاصة التي لعبت بطولتها ليلى مراد مثل فيلم "عنبر" 1948 وأن الصولو الشهير للترومبيت ألذ مثله أنور وجدي في اسكتش "اللى يقدر على قلبي" كان لأندريا رايدر[7].

إنتاج رايدر فى مجال موسيقى الفيلم المصري يقترب من سبعين فيلما أغلبها كتب فيها الموسيقى منفردا، وبعضها بالمشاركة مع كل من فريد الأطرش وعبد الوهاب.  وهناك عدد قليل من الأفلام التي قام فيها بالتوزيع الموسيقى للاغاني أو للموسيقى التصويرية والذي يتسع في حالته لصياغة الشكل النهائي للموسيقى أو نستطيع أن نقول إنه تأليف قائم على فكرة موسيقية لآخرين لأن الأمر هنا لا يقتصر على اختيار ألوان صوت للألحان المفردة ولكنه اختيار النسيج الملائم وإبداع الفقرات الرابطة وإخراج الشكل النهائي للعمل، وكلها أمور تتخطى منطق التوزيع الأوركسترالي فقط، ومن هذه الأفلام  "فتى أحلامي ".

وقد تعددت موضوعات الأفلام التي كتب موسيقاها ما بين الدراما الاجتماعية والرومانسية الشاعرية والكوميدية وأفلام الحركة Action والموضوعات السياسية والفانتازيا الخيالية إلى جانب الأفلام الاستعراضية الغنائية. كما كانت له تجارب محدودة في مجال الأفلام التسجيلية مثل "الطوق" و"أنشودة وداع". وقد يكون النوع الوحيد الذي لم يعالجه رايدر هو الأفلام التاريخية وخاصة الدينية منها.  وفي كل هذه الأنواع استطاع أن يطوّع مفردات لغته الموسيقية لتلائم موضوع الفيلم والأحداث الدرامية فيه.

واذا تتبعنا هذه الأفلام طبقا لتسلسلها الزمنى، يمكن  أن نقسم أسلوبه فى كتابة الموسيقى التصويرية لها إلى ثلاث مراحل أو فترات متفاوتة فى الزمن كالتالى:

المرحلة الأولى:هي مرحلة مبكرة سريعة كان يتلمس فيها الطريق ولم يتبلور فيها أسلوبه بعد. تمثلت في أوائل الخمسينيات ولم تستغرق طويلا (ظهرت أحيانا وبشكل عابر في موسيقى بعض أفلام المرحلتين التاليتين).

وأهم ما يميز هذه المرحلة أنها جاءت امتدادا لعمله كقائد لفرقته AR التي كانت تعزف مقطوعات غربية راقصة بأنماط شائعة في ذلك الوقت مثل السامبا والمامبو والفالس والفوكستروت والبوليرو.... وبالتالى فالإحساس بالطابع الغربي ساد موسيقى الفيلم ليندر فيه استخدام أي ملمح للموسيقى الشرقية. ارتبطت هذه المرحلة بأفلام السنوات المبكرة مثل "نشالة هانم"و"أربع بنات وضابط" و"نهارك سعيد" وهي الفترة التي تزامنت أيضا مع الأفلام اليونانية التي ألف موسيقاها بداية من عام1952.

أما المرحلة الثانية أو ما يمكن أن نطلق عليها مرحلة النضج فقد بدأت مباشرة مع فيلم "الحياة الحب" الذي يمكن اعتباره البداية الحقيقية له في هذا المجال، وخلالها تطور أسلوب رايدر بتعامله مع الفيلم كوحدة درامية لها بناء متماسك يحاول أن يجد له قرينا موسيقيا يصاحبه وبالتالي فيكون المحتوى الموسيقي الذي يبدعه قائماً على بناء موسيقي متماسك يستقيه من البناء الدرامي للفيلم في ترابط عضوي بينهما لتصل الرسالة إلى الجمهور بصورتها وصوتها ممتزجين.

وقد امتدت هذه المرحلة تقريبا من منتصف الخمسينيات حتى منتصف الستينيات، وخلالها وصل رايدر لقمة النضج عام 1959 في بعض أفلامه مثل "دعاء الكروان" و"حسن ونعيمة" و"الرجل الثاني" و"بين الأطلال" ... واستمر في تناول أسلوبه الموسيقي في هذه المرحلة التي تميزت بقدرته على إحداث التوازن بين أدوات الموسيقى الغربية التي أصبحت مطلبا لدى صناع الفيلم ومرادا عند الجمهور وبين ملامح ومميزات الموسيقى الشرقية التي أبرزها إما باستخدام أحد عناصرها المميزة (لحن – إيقاع – آلة – مقام ..) أو بقدرته على تناول مفردات اللغة الموسيقية الغربية بشكل بسيط يقترب من ذوق المتلقى.

 ومن المهم أن نعرف أنه في هذه المرحلة كانت أدواته الموسيقية الغالبة ترتبط بالموسيقى الفنية الغربية أو الكلاسيكية سواء في طريقة تناوله أو في اللون الصوتي المستخدم أو أسلوب التوزيع.

أما المرحلة الثالثة: فهى المرحلة التي بدأت بدأت من منتصف الستينيات وخاصة في فترة ما بعد نكسة 67 والتي تركت أثرا مباشرا على السينما المصرية انعكست بوضوح على موسيقى الفيلم التي بدأت تخرج من رومانتكيتها للغة أكثر معاصرة سواء في لونها الصوتي (الآلات المستخدمة) أو تكوينها (أو تكوينها) اللحني أو الإيقاعي فظهرت أحيانا مشاهد كانت فيها الموسيقى عبارة عن شذرات لحنية أو أصوات إيقاعية متناثرة.  وقد تفاوتت أحيانا لغته ما بين السطحية والعمق كما كان الحال في الإنتاج السينمائي بشكل عام فف هذه المرحلة. فجاءت بعض أفلامه تفتقر إلى التماسك البنائي الذي عهدناه فى المرحلة السابقة حيث كانت الموسيقى المصاحبة للمشاهد منفصلة لا تتبع بناءا دراميا موحدا كما عودنا في أفلامه الناضجة وعلى سبيل المثال ما نجده في فيلم العقل والمال 1965...

ورغم ما غلب على هذه المرحلة من لغة جديدة بدأت بذورها في أفلام مثل "المستحيل" و"السراب" و"الشحات" و"البعض يعيش مرتين" و"اعترافات امرأة"، فقد استخدم أسلوبه المميز فى المرحلة الثانية في بعض أفلامه التي خلت من أي ملمح معاصر بل جاءت امتدادا لأسلوبه الدرامي الرومانتيكي قد يكون ذلك نتيجة لطبيعة الفيلم وقصته أو بناء على طلب المخرج مثل فيلم "غروب وشروق"(1970) و"الحب الكبير"(1968).



[1]باحثة في علوم الموسيقى الغربية والعربية أستاذ النظريات والتأليف في كلية التربية الموسيقية بجامعة حلوان.  اختيرت من كانون الثاني/ديسمبر 2017 مقررا للجنة الموسيقى والأوبرا والباليه بالمجلس الأعلى للثقافة والتى كانت عضوا بها منذ عام 1999.  وهي عضو الهيئة العلمية في المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، ورئيس اللجنة العلمية منذ العام 2014 لمؤتمر الموسيقى العربية السنوي الذى تنظمه دار الأوبرا المصرية.  خبير فني بدار الأوبرا والمسؤول عن كتابة التعليق الموسيقى لحفلات أوركسترا الأوبرا وفرقة الأوبرا وفرقة باليه القاهرة منذ 2008.  وتقوم من بداية عام 2016 بتقديم برنامج اذاعى بعنوان "كريشندو" على قناة "نجوم اف ام" وهو يهتم بتقريب تذوق الموسيقى الكلاسيكية لغير المتخصصين بلغة سهلة ومبسطة. لها العديد من الأبحاث الموسيقية في مجالات تاريخ وتحليل الموسيقى الغربية الكلاسيكية والمعاصرة وكذلك فى مجال تحليل الموسيقى العربية التقليدية والمعاصرة.  شاركت في عدة مؤتمرات إقليمية ودولية في مصر وسوريا وتونس وفرنسا وسلطنة عمان وتهتم بقضايا الموسيقى العربية بوجه عام والمصرية على وجه الخصوص.  أشرفت على أكثر من عشرين رسالة ماجستير ودكتوراه في مجال الموسيقى الغربية الحديثة والموسيقى العربية في مصر وبعض الدول العربية.

 

[2]طبقا لوثيقة الإقامة عن مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية سجل 5/113 صادرة يوم 10 يونيو 1965

[3]الأمر الذى دعا للاحتفال بالذكرى المائوية لميلاده فى 2008

[4]رانيا يحيى " روائع النغم رايدر .. ساحر نغمات السينما " الأهرام المسائي 3مارس 2013

وكذلك موسوعة الويكيبديا على شبكة الانترنت

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D9%87_%D8%B1%D8%A7%D9%8A%D8%AF%D8%B1 تاريخ الدخول 15-1-2019

وكذلك   أسامة عبد الفتاح " أندريا رايدر .. الكامن تحت جلدك " جريدة الأهرام ملحق الجمعة 6 مارس 2015

 وليد الدرمللى " الموسيقار أندريا رايدر ، شروق وغروب ودعاء الكروان" جريدة الدستور 14يوليو 2015

[5]حديث إذاعي في برنامج ساعة مع هاني شنودة ضيف البرنامج المؤلف الموسيقى المصري أحمد الحناوىhttps://www.youtube.com/watch?v=ECUOCa_-xi0&t=644s

[6]لا توجد معلومات موثقة على ذلك

[7]حديث مع المايسترو خالد فؤاد يوم 4-1-2019 أشار فيه إلى أن هناك من يرى أن رايدر هو من عزف هذا الصولو وآخرون يرون انه زكى عثمان.

 

.