كتاب "نوبة الاستهلال" لعمر المتيوي

. اصدارات موسيقية

بقلم الزبير مهداد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

صدر حديثاً كتاب "نوبة الاستهلال - تاريخ، تدوين، تحليل" للموسيقي المغربي عمر المتيوي عن منشورات "أكاديمية المملكة المغربية"، والذي وضع فيه جهداً دراسياً حول الموسيقى الأندلسية المغربية، وبشكل خاص عن نوبات موسيقى الآلة وعلى رأسها نوبة الاستهلال التي تعد مجهولة خارجة "عن شجرة الطبوع" كما يذكر الكاتب في تعريفه لها.

هذا الكتاب الهام، يصدر في سياق العناية بالتراث الموسيقي المغربي الأصيل، الذي شهد خلال العقود الثلاثة الأخيرة ظهور مجموعة من الدراسات والبحوث الأكاديمية تروم البحث والتوثيق الموسيقيين في تراث الموسيقى الأندلسية، حيث قام بعض المهتمين والباحثين في أصول الموسيقى الأندلسية المغربية (طرب الآلة) بتدوين نوبات هذا التراث الأصيل، حفظا وصونا له من الضياع، لأنه تراث شفوي يكتفي بتناقله بين الأجيال بالحفظ والرواية. وإذا كان ذلك متيسرا خلال ما مضى من القرون والأزمنة، فإنه اليوم أضحى مهددا بقوة، نتيجة المنافسة الشرسة التي يلقاها من طرف فنون الأداء الموسيقية الغازية بفعل العولمة، وعزوف الشباب عن التراث الأصيل. لذلك حرصت كثير من الجهود الفردية والمؤسساتية على تدوين وتوثيق "الصنعات" والأدوار اللحنية ومستعملات هذا الفن العريق.

الكتاب الصادر مؤلف باللغة الفرنسية، عدد صفحاته 526 صفحة، مقسمة على جزأين، من بينها 24 صفحة باللغة العربية،تضم تقديما من إعداد الدكتور عباس الجراري الباحث في التراث المغربي، عضو أكاديمية المملكة المغربية، تليها مقدمة المؤلف.

استهل الدكتور الجراري تقديمه بالتذكير بعناية الباحثين والمهتمين بالموسيقى في المغرب بالتراث الموسيقي الحضري، الذي ما زال حيا ومتداولا كـ "الآلة" و"الملحون"، لافتا النظر إلى أنه على الرغم من هذه العناية فإن الكثير من جوانب هذا التراث ما زال في حاجة إلى نفض الغبار عنه للتعريف به وتحليله واستخراج خصوصياته.

ونوه عباس الجراري، في تقديمه بالجهد الذي بذله المؤلف في كتابه الذي أفاض في الحديث عن نوبة الاستهلال، وعن نصوصها، وعمل على تقريبها للجيل الصاعد والمتعلم عبر "التنويط" (التدوين)، مشيرا إلى صعوبة العملية.لأن فن"الآلة" لا يخضع ولا يتقيد بقوائم مضبوطة، فشيوخ الآلة يزوقون ويتدخلون في جمالية الصوت.

وأوضح الجراري أمرا هاما، وهو أن المغاربة القدماء عرفوا فنونا موسيقية وغنائية كثيرة، حضرية وبدوية، ولما كان الإبداع المغربي يتميز بفنين أصيلين اثنين، برز فيهما بشكل واضح، وهما فنا الملحون والأندلسي، فقد تواضعوا على أن يطلقوا على الموسيقى الأندلسية لفظ "موسيقى الآلة"، وقصدوا بها الإيقاعات والأنغام، وهي التي تحظى بأهمية في هذا الفن الموسيقي، لأن أهمية النظم الشعري لا ترقى إلى أهمية الإيقاعات. أما "الملحون" فهو فن الكلام، الذي كان الغرض منه الصور الشعرية، الرافعة والضابطة للإيقاعات. أما لفظ "الموسيقى الأندلسية" الذي أصبح يطلق اليوم على فن الآلة، فهو لفظ حديث معاصر دخيل على هذا الفن.

كما أوضح الجراري في مقدمته أن الدارسين يكادون يجمعون على أن "الاستهلال" من وضع المغاربة، وأن "الدّرج" طبعه مغربي ويغنى بـ"البراويل"، ودعا إلى التريث واستعمال المصطلحات التاريخية الأصيلة التراثية الذي يناسب السياق التاريخي للفن بالمغرب، رغم استفادة البلد من هجرات العلماء والصناع والفنانين.

جهد المؤلف في التدوين

سجل الدكتور عمر المتيوي، مؤلف الكتاب، في المقدمة التي افتتح بها كتابه، أنه آثر تقديم نوبة الاستهلال بـ"كتابة جديدة تأخذ بعين الاعتبار كل المتطلبات الحديثة التي تفيد القارئ بشكل ديداكتيكي،" موضحا أن هذا الشكل من الكتابة "يتكلم مع الآخر، أي الغرب، كما يقدم الموسيقى العربية بطريقة عالمية".

وشرح المتيوي طريقته في التدوين والنقحرة، التي لجأ فيها إلى استعمال الحروف اللاتينية بدلا من الحروف العربية، متعللا بكون عملية النقحرة معقدة جدا حين يتعلق الأمر بالنصوص الشعرية المستعملة في "الآلة"والتي لا تخضع كليا لقواعد اللغة العربية. وقد اقتصر المؤلف على تدوين ألحان الصنعات في صورتها الساذجة دون زخرفة، تاركا للعازفين الحرية في التعبير تبعا لكفاءاتهم التقنية.

طريقة التدوين الموسيقي التي شرحها المؤلف، لقيت إعجاب عباس الجراري الذي نوه بإقدام المؤلف على تدوين نوبة الاستهلال، وفق النمط الجديد، مبينا أن التنغيم القائم على "نوتة الصولفيج" المستعملة عالميا في التدوين الموسيقي منذ عصر النهضة، لم يعد اليوم قادرا على استيعاب الأنماط الموسيقية المعاصرة الأوروبية بالخصوص، التي وضع نظام الصولفيج لتدوينها، فضلا عن أن يكون قادرا على ترجمة الأنماط الموسيقية الأخرى المتميزة بخصائصها المختلفة كليا عن الموسيقى الأوروبية. لهذا كان استعمال المؤلف للنقحرة لأجل تدوين موسيقى الآلة التماسا هاما لحل المشكل.

الأمر نفسه أكده الباحثُ التونسي الدكتور محمود قطاط في مقدمته للكتاب، حيث ذكر تميّز الموسيقى الشفاهية عن غيرها المدونة، الأمر الذي يوجب على الدارسين عند التعرض للموسيقى الشفاهية، أن يميزوا بين مظهرها الشكلي وبين حقيقة تعبيرها. لأنهم في الغالب يعتمدون في تدوين الموسيقى التقليدية الشفاهية على استعمال علامات التدوين "الصولفيج" الغربية، التي فشلت جهود تبسيطها وتكييفها لاستيعاب الموسيقى ذات التقاليد الشفاهية، كموسيقى الآلة، الأمر الذي يحتم على الدارسين الاجتهاد في تعديل الرموز الموسيقية حتى تصبح قادرة على ترجمة بعض الخصوصيات من قبيل ارتفاع الصوت، وحيوية الإيقاع، وتقنيات الغناء والعزف الآلي...

فالكتاب يتصدى بشجاعة إلى إشكالية كتابة الموسيقى العربية، والأندلسية خصوصا، التي تعد "موسيقى شفاهية تنفلت عن خصوصيات الكتابة الموسيقية الغربية، إذ أن تدوينها على النهج الغربي يفضي إلى بلورة عناصرها البنيوية على حساب عناصر التعبير والخيال."

التوثيق والبحث

يعد الكتاب عملا قيما في كتابة وتدوين موسيقى الآلة المغربية التقليدية، من خلال العناية بنوبة الاستهلال، وحقق حلما غاليا لدى راود عشاق هذا الفن ودارسيه.

الكتاب يأتي في جزأين، يقع الجزء الأول في 140 صفحة، مقسمة إلى ثمانية فصول باللغة الفرنسية:

-الفصل الأول، نظرة تاريخية عن الموسيقى الأندلسية المغربية.

-الفصل الثاني،عن التدوين الموسيقي، تعريفه، وعرض جداول رموزه، والتعريف بمبادرة المؤلف الجديدة التي يعرض فيها أسلوب "النقحرة" الذي استخدمه لتدوين الموسيقى الأندلسية، وماهية هذا الأسلوب وخصائصه.

-الفصل الثالث،التعريف بالمتن الشعري المصاحب لموسيقى الآلة، وشعراء النوبة، والنصوص الشعرية التي تضمنها "كناش الحايك".

-الفصل الرابع، التعريف بقالب النوبة المغربية، شرحها، والتعريف بالهيكلة التي تنبني عليها، وبالإنشاد والتوشية والميزان.

-الفصل الخامس، استعراض "الطبوع" وهي مقامات الآلة، التي تشكل محوراً أساسياً في فهم تركيبة السلالم الموسيقية المعتمدة في موسيقى الآلة

-الفصل السادس، "الأوزان" أو "إيقاعات النوبة"التي من خلالها يتم ضبط القوة والضعف والبطء والسرعة في الأداء الموسيقي.

-الفصل السابع، الآلات الموسيقية العربية الأندلسية، تعريفها، وعرض تطورها التاريخي.

-الفصل الثامن، تعريف ضوابط الأداء، وعرض مقتطفات من القواعد العامة لأداء النوبة.

بينما القسم الثاني من الكتاب– وهو الأضخم حجماً -، في طيه التدوين الكامل مع النقحرة لنوبة الاستهلال.

يقع القسم الثاني في 360 صفحة، ويختص بالتدوين النصي مصحوبا بالنوطة الموسيقية "النقحرة" لمستعملات ميازين نوبة الاستهلال (النوبات، والإنشادات، والتواشي) ثم الصنعات، مرتبة كالآتي: البسيط (20)؛ القائم ونصف (26)؛ البطايحي (21)؛ الدرج (17)؛ القدام (42). وبذلك يرتفع عدد المستعملات إلى بغية واحدة، وإنشادين، وأربع توشيات، و126 صنعة.

التقويم

بذل المؤلف جهدا كبيرا في الكتابة لأجل الإسهام في تطوير الدراسات الموسيقية المغربية، وبحث الرصيد الموسيقي التراثي الشفاهي، وتدوينه صونا للذاكرة الفنية الموسيقية، وحماية لها من الاندثار، وهو بذلك يدعو إلى دراسة التراث الموسيقي الأندلسي المغربي دراسة علمية، موضوعية ومتخصصة، ويجتهد في صياغة طريقة جديدة في التدوين الموسيقي.

محتوى الكتاب، وقائمة المراجع الكبيرة والمتنوعة، التراثية والعصرية، العربية والغربية، تكشف عن إلمام علمي واسع بالتراث الموسيقي، وبمحيطه البيئي والثقافي الذي نشأت فيه الطبوع الموسيقية وتطورت.

حرص المؤلف على تأصيل الطبوع المغربية، والتزام آلاتها التقليدية التراثية، فصرف النظر عن "الربع" بحسب الطريقة المشرقية، وهو ثلاثة أرباع المسافات، كما صرف النظر عن الآلات الغربية، ذات المنازل الثابتة والسلم المعدل على الطريقة الأوروبية. ما هيأ الكتاب لأن يحتل مكانته اللائقة بين كتب التراث الموسيقي، التي تعرف وتدرس وتحلل بمنهج علمي رصين، وتدون المستعملات الشعرية لديوان النوبة تدوينا دقيقا وهاما، فكانت الحصيلة إنقاذ عشرات الصنعات من الموسيقي من الاندثار والتلاشي الذي أضحى يهددها، ومواصلة الجهود الهامة التي بدأها السابقون، أمثال الأستاذ يونس الشامي الذي دون سائر النوبات الإحدى عشرة، والأستاذ محمد بريول الذي أخرج نوبة "غريبة الحسين"، والأستاذ محمد العثماني الذي درس أيضا نوبة الاستهلال. واستفادة المتيوي من الركام السابق من الدراسات الفنية، مكنه من إغناء المكتبة الموسيقية بعمله الذي يعد دراسة مستفيضة حول "الآلة" وبالخصوص نوبة الاستهلال، وما عرفته من تطور خلال تاريخها الطويل عبر عدة قرون، أبانت خلالها عن صمود في وجه الزمان، ومقاومة قوية للاندثار والتلاشي والانمحاء؛ إلا أن الوضع اليوم، يدعو لبذل مزيد من الجهود المنهجية والرشيدة التي تضمن الحفاظ على هذا الموروث الشفاهي التراثي، وبقائه، باعتبار أنه يشكل مكونا من مكونات الهوية الثقافية الوطنية، التي يجب ترسيخها في الأجيال المغربية الناشئة.

المؤلف

الدكتور عمر المتيوي، من مواليد عام 1962، صيدلي، انطلق هاوياً لموسيقى الآلة (الطرب الأندلسي)، فدرس في المعاهد الموسيقية وتشبع بشيوخ هذا الفن، وانتهى محترفاً، لكن عشقه لطرب الآلة واحتكاكه بشيوخ الآلة هيأه ليصبح واحدا من المشتغلين به، والباحثين فيه.

كوّن الكاتب مع فنانين إسبان مجموعات موسيقية منها فرقة "ابن باجة". وله مجموعة صوفية تحت اسم "الششتَري".

أسس المتيوي جمعية "روافد موسيقية" في طنجة سنة 1994، بهدف تطوير فن الآلة مع المحافظة على ركائزه وقواعده الثابتة، والعمل على صيانته من المؤثرات الخارجية التي قد تفسد طبيعته وتمسخ شخصيته، فانبثقت عن الجمعية فرقة تحمل الاسم نفسه "فرقة روافد موسقية".

  

 

.