الشيخ إمام - تلك التحوّلات المقامية

. مقالات

باسل زايد

تمكّن الشيخ إمام من بناء مدرسة وفلسفة خاصة في التلحين من خلال استخدام عناصر الموسيقى العربية والغربية بصورة مميزة، تثبت للمستمع أن لدى الشيخ إمام خطا فكريا واضحا وعميق لإنتاج الموسيقى العربية بجودة وحرفية عالية، وبألحان معبرة بشكل دقيق، تعجز عنه الكلمات أحياناً.

يتعامل الشيخ إمام مع الصوت بأسلوب تعبيري يعني ألوانه وأشكاله المختلفة، بوصف الصوت حاملًا للتعبير حتى يصل إلى حالة من الحرية في التعبير والثورة على التقليدي والمألوف؛ فنراه يتنقل بذكاء بين الأجناس مكسراً لبعض القواعد أحياناً، ومبتكراً قواعد أخرى أحياناً، بهدف التعبير عن فكرته الفنية الاجتماعية أو السياسية.

استخدم الشيخ إمام السرعة وتغيراتها المتدرجة والمفاجئة وعلو الصوت وانخفاضه وتغير نمط الإيقاع والمقام والتحويلات من مقام إلى آخر، ومن جنس إلى آخر، وغيرها من الأدوات والعناصر الموسيقية. وفي ما يلي، نستعرض بعض هذه التقنيات، مع العلم أنها أمثلة قليلة على تجربة طويلة وغنية تم خلالها تأليف وتلحين مئات الأغاني.

في حالة الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم، ثمة أهمية كبيرة للكلام؛ إذ إن قوة الأخير تساعد الملحن على الوصول اليسير إلى صياغة الموسيقى. لكن تمكن الشيخ إمام، بطريقة تأليفه للألحان، من وضع بصمة فريدة؛ حيث زاد من عمق الكلام في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى تعمق بالمعنى النفسي والفني للنص الشعري، بالإضافة إلى تسهيل النص باستخدام الموسيقى في أحيان أخرى.

لعلّ تناوُل الشيخ إمام لمقام البيات مثال جيد لالتماس وعيه العميق للدمج في الأجناس والمعنى العرقي والنفسي لكل مقام، تبعاً لتركيب أجناسه، وذلك مرتبط بشكل وثيق بمعنى الكلام. ففي أغنية "إذا الشمس غرقت"، يعتمد الركوز على خامسة المقام، وفي "يعيش أهل بلدي"، يعتمد الركوز على رابعة المقام.

إن تناول المقام تبعاً لتراكيبه الجنسية ينم عن وعي لإمكانيات المقام النغمية واختلاف التعبير باختلاف النوع المدمج بين الأجناس. فالعمل في البيات على الدرجة الخامسة في حالة "إذا الشمس غرقت" يضفي معنى عاطفياً ونفسياً لإلهام المستمع وتشجيعه على الوقوف في مواجهة الظلم.  لو أن اللحن جاء بالركوز على الدرجة الرابعة، لكان من الممكن أن يعطي المستمع شعوراً مختلفاً بتعزيز روح الانهزام والسلبية لأن النص الشعري قد يفهم أيضاً بهذا الإطار.

‏أما في الأغنية الثانية، التي تأخذ طابع الاستهزاء والسخرية، فإن الشيخ إمام يستخدم الدرجة الرابعة، وهذا التناول معروف تقليدياً في مقام البيات بأنه مرتبط بالفرح والسعادة والرقص، فالعديد من ألحان الدلعونة، مثلاً، ترتكز على رابعة البيات. الشيخ إمام، هنا، يستخدم هذا النمط ليعبر عن سخريته من واقع أهل البلد المتفكك.

‏في أغنية "يعيش أهل بلدي"، وبالتحديد في مقطع  "سنانهم مبارد تفوت بالجليد"، ‏عند مقطعها الأخير الذي يصف شريحة فاسدة من المجتمع المصري، وضع الشيخ إمام صوته في منطقة حادة وعالية جداً، ليمنح المستمع شعوراً يشبه ألم الأسنان  عند قضم الجليد. من ناحية موسيقية، التوقف على تلك الدرجة ليس مستحباً ولا يدعو للطرب، بل يدعو للانزعاج، ولكن هذا ما يريده الشيخ إمام؛ التعبير عن هذا الشعور، وإن لم يفعل ذلك، قد يعطي شعوراً مختلفاً يُمكن ألا يعبّر عن الحالة.

وقبل ذلك، عند "سنانهم مبارد"، يتخذ اللحن شكل الكر والفر على نغمتين بينهما مسافة ثالثة صغيرة مرتكزة على ثالثة العجم، وهذا الكر والفر باستخدامه هنا يظهر تعبيراً عالياً على المعنى، بالإضافة إلى التشديد على حرف النون الثاني في سنانهم وتفخيم حرف الألف في مبارد. يتلاعب الشيخ إمام هنا بمخيلة المستمع.

في أغنية "غيفارا مات"، عند مقطع "عيني عليه ساعة القضا"، حيث استخدام إيقاع الأيوب الصوفي، وهو إيقاعٌ معروف أيضاً لدي أتباع المذهب الشيعي، إذ يُستخدم للندب. ليس استخدام الإيقاع فقط دليلا على تعبيرٍ عالٍ، وإنما التغير في الإيقاع أيضاً يلعب دوراً مهماً؛ إذ كان قبل هذا المقطع إيقاع يشبه الإيقاع العسكري، والنص يتّخذ شكلاً إخبارياً يزفّ الخبر للمستمع على مقام الصبا الحزين، مما فيه لوم واستنهاض للعزائم لعمل شيء، ثم يتوقف ويبدأ بإيقاع جديد ليحمل المعنى الذي يناسب الكلام، وهذا يدل بشكل جلي على غنى وأصالة موسيقى الشيخ إمام ووعيه بعناصر الموسيقى، وخاصة الإيقاع. مهم، هنا، أن نذكر أن ذيوع صيت الرجل جاء بسبب هذه الأغنية، بعد مقتل غيفارا، وأظن أن النفس الثوري في موسيقى الشيخ إمام جاء وكأنه يخاطب الناس باستخدام مقام الصبا القريب من أذن المستمع العربي، والغني بالدفء النغمي، ومعه الغناء الحاد العنيف واللائم، هي إحدى العناصر التي ساعدت على نشر هذه الأغنية.

أما في أغنية "يا شمس يلي هلة"، بالتحديد في مطلع الأغنية، تبدو كأنها تتغزل بالشمس على مقام نهاوند، وبعدها عند مقطع "يا مخضرة الحدايق يا محمرة الحرايق" ينتقل إلى جنس العجم من داخل النهوند على الدرجة الثالثة، وهذا يعطي شعوراً بتطور اللحن، وأيضاً هو تعبير عن مزيد من الغزل، ومن ثم ينتقل إلى مقام جنس صبا زمزمة عند مقطع "يا مسيبة السرور لينا وللخلايق".

هنا، يضفي الشيخ إمام شعوراً بالإيجابية تجاه الشمس، لكن يشوبه شعورٌ آخر حزين، يبدو جلياً في المقطع الذي يليه: "بنشوفك في الطابور.. بنشوفك بالدقايق"، الذي يتم الانتقال به من مقام صبا زمزمة محولاً إلى المقام الرئيسي، النهوند؛ ليعطي الحل الموسيقي واكتمال التعبير اللحني والكلامي. هذا الانتقال غير تقليدي، والدرجة الثالثة مستخدمة في فن التقاسيم، لكن لا تأتي بهذا الشكل المفاجئ، ولا يتم الخروج منها إلى صبا زمزمة بشكل مفاجئ، أيضا كما الحال في هذه الأغنية. أظن أن الشيخ إمام، بهذا التنقل السريع بين الأجناس، يرسل رسالة إبداعية وعاطفية تقول إنه يرى الشمس بسرعة من خلال الوقوف في الطابور. فهذه التحويلات الخاطفة والسريعة ليست مجرد عرض لقدرات الملحن، وإنما هي عرض تعبيري ينم عن ذكاء كبير.

في أغنية "واه يا عبد الودود"، واضح أن اللهجة المستخدمة لهجة الصعيد المصري، وهي لهجة معبرة. في هذه الأغنية، هناك الكثير من الجمال، ولكن أريد هنا التطرق إلى الإيقاع المستخدم؛ الإيقاع الصعيدي، وهو يعبّر عن طبيعة الإنسان المصري في الصعيد، وعبّر الشيخ إمام من خلال هذا الإيقاع عن هذه الشريحة في المجتمع، ودورها الفعال في الدفاع عن مصر.  أيضاً، في هذه الأغنية، يستخدم الشيخ إمام مقام الراست الذي اشتهرت عليه الكثير من الموسيقى الشعبية الصعيدية؛ فليس صدفة اختياره لهذا المقام، بالإضافة إلى أنه وعلى الرغم من عدم وجود آلات موسيقية ترافق عود وصوت الشيخ إمام، إلا أن المستمع لهذه الأغنية يتخيل وجود المزمار والجوزة الصعيدية بسبب سلاسة اللحن وقربه من تقليدية وشعبية الصعيد المصري.

‏أخيراً، في أغنية "يعوض الله"، يقدم الشيخ إمام صورة أخرى من عبقريتة في التلحين، فبالتحديد عند مقطع "يا ما ضماير ناقصة رباط وزمم مطاط"، يتغيَّر الإيقاع عند كلمة مطاط، ويتم تكرارها و"مطها"، أي مدها، بشكلٍ جميل ومعبر عن شكل ضمير هؤلاء المتذبذب. يكون العد في المقطع كاملاً (4/4)، وفجأة عند هذا المقطع يتحول إلى 4/10. هذا تحول لافت؛ لأنه الوحيد في كل الأغنية.  وهذا يشبه كسراً لقواعد الشكل التلحيني؛ فمثلاً على الملحن إذا ألّف فكرةً أن يكرّرها، أو يضيف عليها، أو يرد عليها، أو يفسرها، ولكن الشيخ إمام لم يفعل ذلك، ووضع مازورة واحدة ]مقياس واحد [فقط هنا. لكن بالعودة إلى فكرة النص؛ فإن وصف هؤلاء يبدو أنه لن يتغير، وليس النص بصدد أن يناقش هذا الواقع.  لذلك، فإن كسر هذه القاعدة الموسيقية يكون منطقياً إذا كانت الضرورة الفنية تتطلب ذلك.

.