جمالية الأداء في "سهرت منه الليالي" بإحساس علي الحجار

. مقالات

تنشر مجلة الموسيقى العربية الالكترونية المقالة المدرجة أدناه بمناسبة فوز الفنان علي الحجار في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الفائت بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب:

 

بقلم عبد القهار الحجاري - ناقد موسيقي (وجدة / المغرب)

 

يحق للفنان علي الحجار أن ينتمي بفخر وامتياز لمدرسة الحداثة الموسيقية التي انطلقت بريادة موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب منذ عشرينيات القرن الماضي، ولا زالت مستمرة ومتجددة، وقد برع علي الحجار في أداء أعمال لعبد الوهاب من أصعب وأعقد الأعمال الغنائية العربية الحديثة من حيث تركيبة البنية المقامية وطبيعة الصياغة اللحنية والإيقاعية خاصة في أغنيتين لا زالتا تسيلان الكثير من الحبر والجدل لدى النقاد والمتخصصين، ويتعلق الأمر بأغنية "جفنه علم الغزل" التي سبق أن تطرقنا إليها في هذه المجموعة (شاعرية التطريب والتعبير في أداء القصيدة عند علي الحجار : جفنه علم الغزل نموذجا) و"سهرت منه"  التي نتناول اليوم جمالية أدائها بإحساس علي الحجار.     

هذا الانتماء للحداثة الموسيقية ذات التيار العميق والتي تنشد التجدد والاستمرار، جعل من أعمال الحجار امتدادا وتطويرا لهذا التوجه الذي  يقوي مناعتنا الثقافية في مواجهة التحولات الموسيقية التي تعتمل في تربتنا الثقافية منذ دخول عالم ما يسمى بعصر العولمة الجارف والذي فتح الأبواب على مصارعها لأنماط موسيقية سطحية لا زالت تؤثر في الذائقة العامة تأثيرا سلبيا في غالب الأحيان، تحت يافطة التجديد والانفتاح، مِما يهدد موسيقانا بالاستلاب وهو حالة من الانحراف الذي ينزع عنصر الهوية والأصالة عن الحداثة الموسيقية التي لا يمكن أن تبنى إلا على أساس البعدين معا: الخصوصية والمحلية والإرث الموسيقي العالمي.


تدمج أغنية "سهرت منه الليالي" في بنيتها الموسيقية الحداثية بين أصالة الكلمة والروح الشرقية النغمية من جهة أولى ومعاصرة نبضان الزمان والانسجام مع روحه والتوافق على قاعدة المشترك النغمي والإيقاعي مع الغرب والاستفادة من كل الإرث الموسيقي الإنساني، وتطوير الصياغة اللحنية والتوزيع الأوركسترالي من جهة ثانية، علاوة على جمالية الأداء المتمتع بفرادته المتأتية من الكفايات الصوتية لكل من محمد عبد الوهاب وعلي الحجار والتي لا يبرز جماليتها سوى عمل موسيقي راق، ومتأتية من  هذا الدمج الذكي ومن الوعي بعمق هذا التيار الموسيقي الحداثي الذي قاده عبد الوهاب طيلة عقود وتسلم مشعله بكل اقتدار - من بين من تسلموه- الفنان علي الحجار.    


كتب هذه القصيدة الرهيفة حسين أحمد شوقي نجل أمير الشعراء أحمد شوقي، ولحنها وغناها محمد عبد الوهاب على مقام نوا أثر، واختار لها إيقاع التانغو الذي انتقل من الأرجنتين وانتشر في أوروبا وأمريكا أواخر القرن التاسع عشر، وهو في هذه الأغنية أول تانجو في تاريخ الموسيقى العربية.  وقد ظهرت أغنية "سهرت منه الليالي" لأول مرة في السينما عام 1935 في فيلم دموع الحب، من إخراج محمد كريم.

      
القصيدة ذات لغة شعرية غزلية رصينة وصور جميلة (سهرت منه الليالي، فراشة لا تبالي، تهادى من رقة ودلال...)، وفيها عمق إنساني وجودي يحتفي بالحب وبالحياة (الحب فيه بقائي، الحب فيه زوالي، قلب بغير غرام جسم من الروح خال، ما أقصر العمر حتى نضيعه في النضال)، وتستوقفنا هنا عبارتان قد تثيران لبسا لدى المتلقي، ووجب توضيحهما :

-  العبارة الأولى: "فلست عنه بسال" في البيت الثاني:  
                     إن صد عني حبيبي ** فلست عنه بسال 

وسالٍ اسم فاعل منقوص، السالي معرفا، من سلا يسلو سلوانا وليس من سأل يسأل سؤالا كما يفهمها البعض، أي لست أنساه ولو ابتعد عني وجافاني.

      
-العبارة الثانية" : النضال"  في البيت الحادي عشر
                        ما أقصر العمر حتى ** نضيعه في النضال

والنضال في سياق موضوعة الحب في القصيدة تفيد العناد بين الأحبة وليس لها أي مدلول سياسي كما قد يتبادر إلى أذهان كثيرين.


قصيدة "سهرت منه الليالي"   من بحر المجتث :

مُسْتَفْعلُنْ فاعِلاتُنْ ** مُسْتَفْعلُنْ فاعِلاتُن

وسمي بالمجتث لأنه اجتث أي اقتُطِع من دائرته العروضية، وبحره الأصلي وهو الخفيف بإسقاط تفعيلته الأولى:

فاعِلاتُنْ مُسْتَغْعِلُنْ فاعِلاتُنْ ** فاعِلاتُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلاتُنْ

أصبحت :
مُسْتَفْعلُنْ فاعِلاتُنْ ** مُسْتَفْعلُنْ فاعِلاتُنْ

ويمكن تأويله بمقلوب مجزوء الخفيف:

فمجزوء الخفيف هو:

فاعِلاتُنْ مُسْتَفْعلُن ** فاعِلاتُنْ مُسْتَفْعلُن 

قلب فأصبح:

مُسْتَفْعلُنْ فاعِلاتُنْ ** مُسْتَفْعلُنْ فاعِلاتُنْ   

استعمل فيه الشاعر زحاف الخبن وهو حذف الثاني الساكن في السبب الخفيف، لكنه لم يلتزم به في العروض والضرب، ولا يوجد ما يفرض ذلك الالتزام وهو نص مكتوب للغناء، فالموسيقى أقوى من أي وزن صارم وأعمق من أي قوانين جامدة، بدليل أن القصيدة جاءت في غاية الجمال والرشاقة والعمق حتى وقد عدلت بمشاركة عبد الوهاب وأدخلت عليها تلك الآه الشجية المعبرة مع أنها خارج الوزن العروضي، فتلاءمت مع روح التانغو الراقص، وسكب محمد عبد الوهاب القصيدة بحسه الخلاق في تركيبة مقامية فريدة جمعت بين المقام الصغير (النهاوند) والمقام الكبير (العجم)وهما قاسم مقامي مشترك بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية، ومقام النوا أثر الذي يقفل به اللحن ومقام السيكاه البلدي، وهو مقام فريد من حيث تركييته النغمية، إذ يستقر على الدرجة الطبيعية على خلاف مقام السيكاه المستقر على درجة نصف بيمول، ودرجات سلم السيكاه البلدي كما يلي:

صول الطبيعية: لا نصف بيمول، سي نصف بيمول ودو نصف بيمول، تليها ري طبيعية ثم مي نصف بيمول وفا حجاز (دييز) ثم أخيرا صول الطبيعية، وهو مقام شرقي قديم، جعله محمد عبد الوهاب في قلب اللحن كواسطة العقد، وفقا لنهجه في الحرص على إعطاء حداثته الموسيقية روحها العربية والشرقية.  وهو رائد الحداثة الموسيقية العربية بلا منازع، إذ قامت ثورته على القواعد التقليدية، منذ قصائد العشرينيات من القرن الماضي حيث بدأ في إحداث تغييرات جذرية متدرجة على التخت العربي أخذت في الاكتمال مع قصائد الثلاثينيات خاصة مع "جفنه علم الغزل" وسهرت منه الليالي" و"عندما يأتي المساء"، وذلك بإدخاله آلات غربية كثيرة أبرزها التشيلو والأكورديون والماراكاس والترومبيت وجمعه فيما بعد بين الأكورديون والناي في عزف منفرد فريد ومع الوتريات أيضا، علاوة على اجتهاده في الصياغة اللحنية إذ أدخل مسافات شاسعة وقفزات نغمية غير مألوفة في الموسيقى العربية، ووفق ببراعة بين الأبعاد وأنصافها وأرباعها...
ويوظف عبد الوهاب هذه القفزات اللحنية في أغنية "سهرت منه الليالي" في المقاطع واللازمة والجمل الموسيقية الجوابية وفي المقدمة مع بروز الطابع الصوتي للأكورديـون ومع مصاحبة الوتريات وانفراد الأكورديون في العزف المنفرد، حيث سيطر التانغو توقيعا بالعزف، يبدأ اللحن على مقام النهاوند، ثم ينتقل إلى مقام العجم ليختم الكوبليه الأول باللازمة (آه الحب ...) على مقام نوا أثر، ويقدم الكوبليه الثاني بجملة موسيقية بالقانون على مقام السيكاه البلدي ليقفل في النوا أثر مرورا بالعجم، وهو انتقال مقامي فريد من نوعه، جعل درجة ارتكاز السيكاه البلدي "الصول" وهي درجة مشتركة مع العجم قنطرةً للعبور نحو قرار العجم عبر درجاته الطبيعية.
غنى على الحجار "سهرت منه الليالي" في أكثر من مناسبة منها على المسرح وأخرى ضمن استضافة عمار الشريعي له ببرنامجه "سهرة شريعي"بقناة دريم، وأداها بإحساس مرهف على طريقته المائزة وبطابعه الصوتي الشجي الدافئ القوي، رفقة الأوركسترا وبقيادة المايسترو خالد فؤاد، فمنحها جمالية مختلفة.     
ظل الإحساس المرهف لصوت علي الحجار ملازما لأدائه الأغنية المكونة من مقطعين فقط ولازمة، لكنها من أصعب أعمال عبد الوهاب، وبرغم هذه الصعوبة أبان علي الحجار كعادته عن مقدرة هائلة في غنائها بفرادة وتميز، وفضلا عن بصمته المتأتية عن هذا الإحساس المتصل بأسلوبه وبقدراته الصوتية، برهن عن قوة الطبقة الصوتية وحلاوتها وسلاسة الانتقال من مقام إلى آخر من دون إشعار المتلقي بالفارق الكبير بين الروح الغربية في المقامين الصغير والكبير والروح الشرقية العربية في مقام السيكاه البلدي، كما أبان عن تلك الكفاية العالية في القفزات النغمية غير المألوفة لدى الأذن العربية في مقام العجم.
في (آه الحب) اللازمة التي حققت توافقا عجييا في شعريتها بين أصالة الكلمة الفصحى ومعاصرة الصياغة اللحنية، حيث يصعد النغم من (سي)  إلى (مي) الطبيعيتين، بمسافة بعدين ونصف البعد في مقام العجم، أبدع الحجار بنَفَسِه العميق في أدائها من دون أن يفوت الفرصة لأداء الآه في الجملة الأولى وفي الإعادة على حد سواء. أما في الكوبله الثاني فقد برع في إعادتها بأسلوبه في عبارة "فيه زوالي"، إذ قام بترجيعها على المد قبل اللام المشبعة، متنقلا من النوا أثر إلى العجم مالئا حيز الجملة الموسيقية الجوابية بصوته الشجي وبنَفَسِه الممتد محافظا على قوته وطابعه التعبيري الطروب.      
يبلغ الشجى ذروته في مقام السيكاه البلدي مع أداء الفنان علي الحجار، جمالية الأداء هنا لها سحر خاص وتصوير بارع للأسى والحنين والاشتياق إلى الوصال وما يكابده العاشق الولهان من معاناة جراء الصد والهجر، في مطلع الكوبله يغمرنا إحساس الحجار وهو يتوغل بنا في أجواء السيكاه البلدي الموجعة، بدءا من : "أما رأيت يا حبيبي" التي تمزج بين الغزل في دلالة النص وتعبيرية الأداء الذي ينشر إحساس اللوعة الحارقة، ويتصاعد هذا الإحساس نحو ذروته بالاستعطاف في صيغة الأمر: "قل للأحبة رفقا بحالهم وبحالي ..." والناي ملتاع موجوع في الجملة الموسيقية الجوابية، إلى أن يصل إلى ".. يضمرون وصالي" حيث ينساب اللحن بأداء الحجار سلسا قوي الشجن ليؤدي أصعب انتقال مقامي في الأغنية ومن أصعب الانتقالات على الإطلاق أداء بارعا مدهشا من السيكاه البلدي إلى العجم ليؤدي بنفس القوة والجمالية والإحساس المرهف لازمة الأغنية فيعود بنا بعد الآه في العجم نحو النوا أثر الذي يقفل به اللحن.       

من يتذوق النغم الرفيع بأداء علي الحجار في رائعة "سهرت منه الليالي" لا يكف عن إعادة الاستماع لها مرات ومرات كي يستمتع في كل مرة بجمالية الأداء المتفرد المائز، ومن يكتشف هذا الجمال بين أداء وآخر لا يمكنه إلا أن يعلن ولاءه لتيار الحداثة الموسيقية العميق الذي يقوده إلى جانب آخرين الفنان المقتدر علي الحجار.

.