«عصبة الخمسة» - حكاية روّاد ترسّخت موسيقاهم في ذاكرتنا الجماعية

. مقالات

اعتدال صادق شومان

كثر الكلام عن «عصبة الخمسة الموسيقية» التي كان زكي ناصيف أحد أعضائها. فما قصّة هذه العصبة، ومن هم مؤسّسوها، وما أهدافها وأبرز نشاطاتها، وكيف انتهت؟

ما هو دور «إذاعة الشرق الأدنى» والمخرج صبري الشريف مدير الدائرة الموسيقية الذي كشف سعيد عقل في لقاء تلفزيونيّ أنه كتب كُرمى له قصيدة «غنّيت مكّة»؟

من أجل الإلمام بتفاصيل الظروف التاريخية الحاضنة التي واكبت ولادة «عصبة الخمسة»، كان علينا العودة إلى مرويّات روّادها قبل رحيلهم عن عالمنا.

لكن، لا بدّ أوّلاً من الوقوف على ما أدلى به المؤرّخ الموسيقي إلياس سحّاب في أحاديث صحافية، يروي فيها حكاية روّاد ترسّخت موسيقاهم في ذاكرتنا الجماعية.

يقول سحاب في حديث إلى «السفير» في تموز 2013:

في أربعينيات القرن العشرين، وفي خضمّ ازدهار النهضة المعاصرة الثانية للموسيقى والأغنية العربية الكلاسيكية في القاهرة، التي تلت مرحلة النهضة الأولى للقرن التاسع عشر، بدأت تتفتّح بين لبنان وفلسطين، ملامح تكوّن البذور الأولى لولادة الشخصية المميزة للأغنية العربية المشرقية، عبر جيل كان في مقدّمته الفنانون: فيلمون وهبي، نقولا المنى، وسامي الصيداوي. في هذا الوقت كان ينمو ويترعرع في لبنان بعض أبناء الجيل الثاني الذي سيتولّى في ما بعد، أي منذ مطلع الخمسينيات، مسؤولية مرحلة النهضة الكبرى للغناء والموسيقى في المشرق العربي، بعدما اجتمعت على أرض لبنان على إثر نكبة فلسطين عام 1948، مجموعة من الموسيقيين بين ملحّنين وعازفين، الذين سيتبادلون الأدوار بعد ذلك والتعاون والتكامل، في إرساء النهضة الكبرى للموسيقى والغناء في المشرق العربي، التي ستملأ عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات.

ويتابع سحّاب: أما العناصر اللبنانيون في هذه المجموعة، فقد كان يضمّهم ما عرف يومذاك بِاسم «عصبة الخمسة»، تيمّناً بلقب «عصبة الخمسة الروسية» التي كانت تضمّ كبار الموسيقيين الروس في نهاية القرن التاسع عشر.

«عصبة الخمسة» اللبنانية تلك كانت تتألف من: عاصي ومنصور الرحباني، زكي ناصيف، توفيق الباشا، وتوفيق سكر، ولدوا كلّهم بين العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، إذ ولد زكي ناصيف عام 1916، وتوفيق سكر عام 1922، وعاصي الرحباني عام 1923، وتوفيق الباشا عام 1924، ومنصور الرحباني عام 1925. بعكس المعلومات التي تورد خطأ أنّ فيلمون وهبي وحليم الرومي من أعضائها.

وأشار سحّاب إلى أنه في تلك المرحلة، كان الرحبانيان قد شرعا يستكملان تكوّن العناصر الثقافية والفنية في شخصيتهما بين أنطلياس وضهور الشوير.

استكمالاً لسيرة «عصبة الخمسة»، يروي منصور الرحباني حكاية لقائه برئيس القسم الموسيقي في «إذاعة الشرق الأدنى» المخرج الفلسطيني صبري الشريف، ومن المعلوم أن «إذاعة الشرق الأدنى» كانت تابعة لهيئة الإذاعة البريطاني، تُبَثّ من فلسطين متنقلةً بين جنينويافا والقدس قبل نقلها إلى قبرص، وجاء ذلك قبل حوالى شهرين من نكبة فلسطين في 15 أيار 1948.

عام 1956، وعلى إثر العدوان الثلاثي على قناة السويس وإقدام الموظفين العرب على الاستقالة، وكانوا جلّهم من الفلسطنيين، اعتراضاً على العدوان الذي تقوده بريطانيا على مصر، ومن بينهم المخرج صبري الشريف (1922-1999)، صاحب الدور الكبير في النهضة الغنائية اللبنانية.  ابن فلسطين صاحب التجربة التراكمية التي كوّنها من خلال درسه في لندن بحسب سيرته، ومن نشأته في يافا المدينة التي كانت تعتبر آنذاك عاصمة فلسطين الثقافية بامتياز.

يقول منصور عن لقائهما في كتاب «طريق النحل» الذي روى فيه سيرة حياته للشاعر هنري زغيب: بعد نحو ثلاث سنوات من شيوع أغانينا، تناهى بعض منها إلى مسمع صبري الشريف رئيس القسم الموسيقى في إذاعة الشرق الأدنى من قبرص ومدير تلك الإذاعة محمد الغصين.  فطلب الأخير من صبري أن يسافر إلى بيروت التي يبدو أن فيها ظاهرة فنية جديدة تستحق الاهتمام.  جاء صبري فالتقيناه وأسمعناه أعمالاً لم يكن قد سمعها بعد، ذهل وسألنا: أين درستما الموسيقى؟ في إسبانيا؟ فأجبناه أننا لم نسافر أبداً خارج لبنان، بل درسنا في بيروت على يد الأب بولس الأشقر، ونواصل اليوم على برتران روبيار.

ويتابع منصور: هنا أريد أن أشهد للتاريخ أن لصبري الشريف، هذا الرجل المبدع، فضلاً عظيماً على الموسيقى اللبنانية، وهو لاحقاً جاهد كثيراً مع رفاقه لنقل مكاتب الإذاعة وميزانيتها الضخمة إلى بيروت لقناعته بإمكان تحقيق أعمال فنية مهمة انطلاقاً من لبنان.  وفعلاً، بعد انتقال مكاتب الإذاعة إلى بيروت، احتضننا عاصي وأنا وتوفيق الباشا وزكي ناصيف وتوفيق سكر وشلّة من المثقفين موسيقياً.

يتّضح لنا من سياق المرويّات، أن الرحابنة هم أوّل من صاغ العلاقة مع صبري ثم توسّعت لتشمل الملحّنين توفيق الباشا وزكي ناصيف وتوفيق سكر، قبل أن يتركها ويحلّ مكانه عبد الغني شعبان وأيضاً لفترة وجيزة.

يضيء الملحّن توفيق الباشا على هذه الظاهرة الفنية في مقابلة أوردها المخرج محمد كريم في كتابه «كما عرفناهم»: عام 1953، عندما تفرّغنا للموسيقى وجمعنا العمل في «محطة الشرق الأدنى للإذاعة العربية»، وأخذ عطاؤنا ينمو ويحتلّ مكانته. لقّبنا بـ«عصبة الخمسة» تيمّناً بالخمسة الكبار من الروس الذين استطاعوا أن يجعلوا من موسيقاهم القومية موسيقى عالمية.

يمكن القول إنّ لقب «عصبة الخمسة» أطلقه علينا كبار الموسيقيين بعدما خضنا مجابهة قاسية مع التقليديين الذين أطلقوا علينا على سبيل التهكّم لقب «عصابة الخمسة». لكن الجولة الأخيرة كانت للتجديد الذي وُضعت خطوطه الأساسية، وهو ما دفع التقليديين إلى الالتحاق بنا، وبحسب دستور العصبة الروسية، والكلام هنا لمحمد كريم.

اتجه هؤلاء الخمسة في موسيقاهم اتجاها قومياً معتمدين في مؤلفاتهم على الفولكلور والألحان الشعبية، مستمدّين منها عناصر ألحانهم التي صاغوها بعبقريتهم لتصبح أعمالاً قومية ترتقي إلى مكانها اللائق.

يضيف كريّم: لا أحد مثل توفيق الباشا كان مهيَّئاً للعمل على التطوير، فهو من الموسيقيين العرب القلائل الذين أجادوا علم الموسيقى بشقّيه الشرقي والغربي.

أما الفنان زكي ناصيف، فهو وبتقدير كثيرين من الموسيقيين والمهتمين بالحركة الموسيقية والغنائية في لبنان والعالم العربي، أحد أبرز مؤسّسي الحركة الموسيقية في لبنان.  فهو ساهم منذ نهاية ثلاثينات القرن الماضي في وضع الأسس والمقاييس التي تعتمد الموهبة والعلم والكفاءة كمعايير لأيّ عمل فنّي موسيقيّ ناجح.

وعن حكايته مع «عصبة الخمسة» يرويها في مقابلة مع الدكتور فكتور سحّاب في كتاب «زكي ناصيف الموهوب العالم» الصادر عن «دار نلسن»، ردّاً على سؤال عن علاقته بـ«إذاعة الشرق الأدنى» ومن اتصل به.  يأتي جواب ناصيف كالتالي: عام 1953، أخذني المرحوم خليل مكنية خال المويسقار توفيق الباشا إلى مكتب «إذاعة الشرق الأدنى، وكان مقرّها في شارع فينسيا.  وعرّفني إلى صبري الشريف. وكانت للأخوين رحباني علاقة بالإذاعة منذ سنتين أو ثلاث، على ما أظن كانا يلحّنان لها، وخلال الفترة ما بين 1953 و1955، خصّصنا بعض الأغاني للمجموعة (الكورس) بناءً لطلب صبري. ومنهم نصري شمس الدين، ميشال بريدي، حسن عبد النبي، خليل المير، سهام الهاشم، وشقيقتها نهى زوجة توفيق الباشا لاحقاً .

في الحديث الطويل، نلاحظ أن زكي ناصيف لم يشر إلى «عصبة الخمسة» كمجموعة، فيقول إن صبري الشريف كان في المجموعة بفضل فيروز والأخوين الرحباني، واعتماداً عليهم وعلى صبري الشريف جاء تكليف اللجنة بمهرجانات بعلبك، «وبحكم وجودنا أنا وتوفيق مع هذه المجموعة، كلّفنا بالاشتراك في البرنامج، وكان عرس الضيعة».

ولكن، بدا واضحاً التقارب بينه وبين صبري الشريف فيقول: وقتئذ، فوض صبري الشريف لي أن أضع له بعض الأغاني للمجموعة حتى يغنّي أفرادها منفردين فيزيد دخلهم.  فغنّى نصري «وحياتك يا درب يا درب العين»، وغنّى خليل المير «يا عاشقة الورد».

وعن مشاركته في مهرجانات بعلبك يقول: لجنة المهرجانات أصدرت تكليفاً لعاصي الرحباني بإحياء الليالي اللبنانية، وهو من اتّصل بي وفاتحني بالأمر. فقدمنا في المهرجان الأوّل «أيام الحصاد»، وفي المهرجان الثاني 1959 كانت «المحاكمة». وأحيت العصبة «عرس الضيعة» في مهرجانات بعلبك، وسرعان ما وقع الطلاق.

وصلنا إلى نهاية آب عام 1957، موعد تدشين «عصبة الخمسة» انطلاق الليالي اللبنانية الأولى في مهرجانات بعلبك الدولية بعمل فولكلوري عنوانه «أيام الحصاد»، وهو مشهدية فولكلورية عن «عرس الضيعة».  والمعروف أنه حتى ذلك التاريخ كانت مهرجانات بعلبك مقتصرة على عروض أجنبية تقدّمها فرق عالمية.  وهو أوّل عمل مسرحيّ للرحابنة مع فيروز في تلك الليالي البعلبكية.  يومذاك أراد المخرج صبري الشريف إحداث صدمة إيجابية عند الجمهور، فعمد إلى إظهار فيروز وهي تقف على أحد أعمدة القلعة مضاءة باللون الأزرق من كل الجوانب، لتصدح بأغنية «لبنان يا أخضر حلو». فكان صدى المشهد صاعقاً على الجمهور، وعلا التصفيق في موجة من التأثّر العاطفي، تلتها المقدمة «هلا ليا» و«طلّوا حبابنا طلّوا»، ورقصة «مشق الزعرورة». وكانت الرقصات من تصميم وتدريب وديعة حداد ومروان جرار. وغنّت فيروز: «لبنان يا أخضر حلو»، ثمّ «لوحة الحصاد»، ومشهد العودة من «المقلع».

توقفت المهرجانات عام 1958 بسبب أحداث تلك السنة، وتجدّدت الليالي اللبنانية في الصيف التالي 1959، في عرض يحاكي العرض الأول. وفي الموسم التالي، وكما كلّ الأمور الجميلة، انفرط العقد وحُلّت الشراكة، وانفصل الأخوان رحباني عن توفيق الباشا وزكي ناصيف، وشهدت الصحافة التي واكبت هذا التحوّل منافسة شديدة بلغت حدّ العداوة.

وهكذا، وقع الطلاق، وانفرطت العصبة لتصبح «عصبتين»، مؤسّسة الرحابنة مع فيروز وصبري الشريف. و«فرقة الأنوار» مع سعيد فريحة وزكي ناصيف وتوفيق الباشا… أما عبد الغني شعبان فحلّق منفرداً.. وهذه قصة أخرى.

زكي ناصيف، توفيق الباشا، الأخوان الرحباني، عبد الغني شعبان، أعمدة البناء الأولى في صوغ حركة موسيقية لبنانية كان لها تأثيرها العميق في البلاد العربية كافة، وما زالوا يملأون الغياب.

المصدر: جريدة البناء اللبنانية

.