سعد الله آغا القلعة موسوعي يخدم الأغاني على نهج الأصفهاني

. مقالات

نضال قوشحة

سعد الله آغا القلعة وزير وعالم رقميات وباحث وعازف يواصل مشروعه النهضويلا يقدم الزمن كثيرين ممن يمتلكون مواهب عديدة واهتمامات ثرية يعملون فيها جهدهم وأبحاثهم مهما كانت صعبة ومعقدة. شخصيات امتلكت نواصي العلم والفن والإدارة، بفضل جوانب خاصة كتلك الجوانب التي انطوت عليها شخصية سعدالله آغا القلعة السوري.

كثيرون قالوا إن توليه حقيبة السياحة وزيراً، سيقتل فيه الأبعاد التي أحبوها، ويخمد جذوة الطاقات الهائلة التي ظهرت في برامجه وأبحاثه. لكن آغا القلعة برهن على أن للإبداع آفاقا لا حدود لها، واستمر رغم مضي سنوات طويلة على ابتعاده عن الموسيقى التي عشقها وتولع بها بحكم ولادته في حلب مدينة الموسيقى والطرب.

ابن فؤاد رجائي آغا القلعة، طبيب الأسنان والباحث الذي قدم أبحاثا موسيقية هامة، وأسس على نفقته معهد حلب الموسيقي، ولد في حلب عام 1950، وكان صاحب توجه فني وعلمي مبكر. درس الموسيقى في ذات المعهد الذي أسسه والده، ثم صار مدرسا فيه. وبالتوازي درس الهندسة المدنية في جامعة حلب، ثم أوفد إلى فرنسا ونال درجة الدكتوراه منها، ليعود مدرسا في كلية الهندسة بجامعة دمشق.

في مدرجات جامعة دمشق العتيقة درّس آغا القلعة لطلابه مقررات عديدة، كبرمجة الكومبيوتر والإحصاء وحسابات الشبكات وبناء الخرائط، مقدما العديد من الكتب مثل “البرمجة ومعالجة المعلومات” و“الجيوديزيا”.

وبفضل اهتمامه المبكر بالتكنولوجيا والإنترنت، كان آغا القلعة أحد مؤسسي الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، قبل أن يجري تكليفه بالوزارة في العام 2001. استمر في منصبه ذاك مدة عشر سنوات، قدم خلالها العديد من الأعمال، مثل “أطلس سورية السياحي” وصدر باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، وهو كتاب يتضمن الخرائط السياحية التفصيلية لسوريا، إضافة إلى فهارس أبجدية كاملة، ونصوص حول أهم المواقع السياحية والأثرية.

قدم آغا القلعة كذلك “أطلس دمشق السياحي” وهو كتاب يضم خارطة سياحية تفصيلية للعاصمة، وخارطة أخرى لدمشق القديمة، مع نص كامل عن تطور المدينة عبر التاريخ، مدعم بالفهارس والصور، إضافة إلى مجموعة خرائط باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية.

 

مشروع آغا القلعة الجديد

ألف المشاهدون السوريون والعرب منذ العام 1985 مشاهدة برامج آغا القلعة التلفزيونية التي انصبت على الموسيقى العربية، والتي أظهر فيها أسلوبا جديدا ومتميزا في تقديم مادة تحليلية موسيقية، معتمدا على أحدث نظم التقانة والكومبيوتر.

كانت أبحاثه شديدة الغرابة، لأنها تستعمل التقنية في معالجة الفن، وهو ما لم تعتده الذهنية العربية حينها. لكنه وصل إلى أماكن في التحليل والتصنيف لم يسبقه إليها أحد، وحقق من خلال العديد من البرامج التي بثتها العشرات من القنوات التلفزيونية العربية الكثير من الشهرة التي جعلته أحد أعلام النقد الموسيقي العربي.

منذ سنتين تقريباً، أطلق آغا القلعة مسابقة “الملحنين الواعدين” على شبكة الإنترنت، وقد بلغ عدد المشاركين فيها حتى اللحظة 60 ملحنا من أنحاء العالم العربي. في هذه المسابقة يحاول الباحث الموسوعي أن يتجه بهؤلاء الملحنين الموهوبين نحو تحقيق نهضة موسيقية عربية جديدة.

 

تراث كبير من المؤلفات والدراسات يسجل لآغا القلعة، كبرنامجه "العرب والموسيقى" و"كتاب الأغاني الثاني" وغيره من الأعمال

لآغا القلعة العديد من المؤلفات والدراسات الموسيقية من بينها برنامجه “العرب والموسيقى” الذي حقق ثلاثمئة ساعة تلفزيونية، و”كتاب الأغاني الثاني”، على نهج كتاب “الأغاني” للأصفهاني، والذي أنجز منه برامج “عبد الوهاب مرآة عصره”، و”أسمهان”، و”فريد الأطرش”، و”نهج الأغاني”. كما قدم أبحاثا موسيقية منها “نظرية الأجناس الموسيقية المتداخلة” المقدم لمؤتمر القاهرة للموسيقى العربية عام 1992.

وكذلك “الموسيقى العربية وعلاقتها بالحاسب الإلكتروني” في مؤتمر القاهرة عام 1996، و”المعالجة بالموسيقى عند العرب”، وبحث “التجريب في مسرحة الموسيقى العربية عند سيد درويش”، ودراسة “مستقبل الموسيقى العربية” التي ألقيت في البحرين خلال فعاليات يوم الموسيقى العالمي 1994، و”الموسيقى في بلاد الشام “، و”أثر الصورة في تطور الأغنية العربية السينمائية”، وأخيرا محاضرته “نحو استراتيجية قومية لموسيقى عربية مستدامة في ظل التحولات التكنولوجية والإعلامية التي يشهدها العالم”.

وفي سؤالهعن زمن ما بعد عصر النهضة الموسيقية العربية الحديثة، التي انتهت منذ ما يقارب الأربعين عاما. إذ بعد رحيل معظم صناعها في مصر وغيرها، دخلت الموسيقى والغناء العربي مرحلة “لا إبداع” حقيقية في معظمها، بل وصلت أحيانا إلى درجة الإسفاف خاصة بدخول العامل البصري في الفيديو كليب الذي أوصل الموسيقى العربية إلى الهاوية. وضمن هذا الوضع الكارثي، أي آفاق يراها آغا القلعة لمسابقة الملحنين الواعدين التي أعلن عنها؟

يقول الباحث المخضرم: "إن مسابقة الملحنين الواعدين “جزء من مشروع متكامل، يسعى للتأسيس لنهضة موسيقية عربية جديدة، عملت عليه منذ سنوات طويلة، من خلال برامجي التلفزيونية عن الموسيقى العربية التي عُرضت في ذلك الوقت على أغلب المحطات التلفزيونية العربية. وقد سعيت فيها، وقتها، لكشف مكامن الإبداع كما تطورت في عصر النهضة الموسيقية العربية التي شهدناها في القرن العشرين”.

يضيف آغا القلعة “كنت أتابع العمل على هذا المشروع خلال السنوات الأخيرة، مستفيدا من تطور وسائل التواصل الاجتماعي، ومنطلقا من أن الفضائيات العربية أثبتت في السنوات الأخيرة أن العالم العربي لا يفتقر إلى الأصوات الشابة الجميلة التي تستطيع أداء أصعب أغاني التراث الموسيقي العربي، في يسر وسلاسة، ومن أن هذا الواقع أثبتبالمقابل أيضا أن تلك الأصوات سرعان ما تغيب في مسالك الألحان المسطحة، إذ تفتقد الملحنين والمؤلفين الواعدين، القادرين على توظيفها، للتأسيس لنهضة موسيقية عربية جديدة”.

يؤمن آغا القلعة بأنه لا يمكن التأسيس لأي نهضة من خلال الأصوات فقط، لأن الأصوات التي يهتم الجميع بإبرازها لا تصنع الإبداع بل تحرضه، شريطة أن يكون موجودا، ولذلك كما يقول “فإننا نلاحظ أن الأصوات سرعان ما تختفي، إذ تفتقد المبدع الذي يقدمها في الحلة المناسبة، وتفتقد توفر مجموعة من الملحنين الموهوبين، لكي تحرض تلك الأصوات تنافسهم. ونحن لو تتبعنا فترة النهضة الموسيقية العربية في القرن العشرين لوجدنا مثلا أن أم كلثوم وأسمهان وفيروز وعبد الحليم، على سبيل المثال، حرضوا مع غيرهم من الأصوات تنافس الملحنين المبدعين.  ولكن تنافس محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وفريد الأطرش ومحمد القصبجي وزكريا أحمد وبليغ حمدي ومحمد الموجي وغيرهم، هو الذي أسهم في ولادة النهضة الموسيقية، استنادا إلى تراث أسهم صباح فخري مثلا في حفظه وتقديمه بصورة معاصرة”.

المصدر: صحيفة العرب اللندنية

.