بعد الثورات.. أزمة الغناء العربي إلى أين؟

. مقالات

نورس يكن[1]

يعرف المواكب للحركة الفنية العربية قبل انطلاق الربيع العربي أن الغناء كان سيد الفنون في منطقتنا وأن نجومه هم الأسطع والألمع؛ وهذا ربما ما يفسر الطلب الكبير عليهم في السينما والدراما حتى ولو كانوا لا يملكون الموهبة، إلا أن كل شيء تغير عقب الثورات العربية والأزمات التي باتت تعصف بكل الأوساط الإبداعية، عصفت بالغناء إلى حد غير متوقع أيضًا.

 

عقب الثورات العربية والمشاكل التي تلتها تأثرت الساحة الغنائية العربية سلبيًا إلى حد غير متوقع

في مقابلة صحفية، قال الملحن صلاح الشرنوبي: "لم نسمع جديدًا مختلفًا لكاظم الساهر منذ زمن، أن يلحن ويغني أهم من أن يظهر محكمًا في برامج المواهب"، وربما يحمل هذا التصريح في طياته الكثير من مرارة الحقيقة، فخلال السنوات الأربع الماضية على الأقل لا جديد إبداعياً يذكر ولا أغاني على قدر المستوى من نجوم كبار.

على سبيل المثال لا الحصر وفي آخر الإنتاجات، تلقى المستمع العربي أغنية ماجدة الرومي "لا تسأل" والتي حملت توقيع الشاعرة الكويتية سعاد الصباح والملحن مروان خوري.  لكن الأغنية، التي اقتصرت على مقطعين فقط، تتكرر فيهما باستمرار جملة "وكنوز الدنيا من بعدك ذرات غبارِ" لم ترق لحجم المسيرة الفنية للرومي وأغانيها القديمة الراسخة في ذاكرة المتابعين، لتكون عبارات التقدير على هذا العمل بالمقام الأول من حق الموزع الموسيقي ميشال فاضل، والذي وضع لمسات سحرية على الأغنية.

 

أيضًا من كبار النجوم الذين قدموا أعمالًا مؤخرًا جورج وسوف، فمبدع حلف القمر ورفيق ليل العاشقين، يصر حتى الآن على أنه لا يزال قادرًا على الغناء رغم فشل كل محاولاته بعد الوعكة الصحية الأخيرة التي أبعدته لسنوات.

في هذه التجربة قرر وسوف العودة إلى الأصول و"اجترار" أمجاده فحصل لأغنيته على لحن من الملحن صلاح الشرنوبي، الذي قدم له الكثير من أعماله المميزة، وأبرزها "كلام الناس"، وكانت الكلمات من الشاعر السعودي المميز تركي آل الشيخ، إلا أن صوت وسوف لم يعد قادرًا على الكلام كما يظهر في المقابلات التلفزيونية، فكيف سيكون بأغنية طرب جميلة ومميزة مثل "بندهلك"، والتي قد يرى الكثير من النقاد والمتابعين أنها يجب أن تضع نهاية لمسيرة الفنان الذي لقب بـ الطفل المعجزة في بداياته، على الأقل ليحفظ الاحترام والحب لتاريخ "سلطان الطرب العربي".

الأزمات التي تعصف بالأغاني العربية لا تتوقف هنا بل تمتد أكثر مع رواج ظاهرة دخول نجوم التمثيل عالم الغناء مقتنعين بأصواتهم وبالقيمة الفنية التي من وجهة نظرهم يمنحونها للساحة الفنية وأحدث الأمثلة عن ذلك الفنانة السورية من أصل فلسطيني نسرين طافش، التي طرحت أغنية بعنوان "متغير عليي" والتي قدم من خلالها المؤلف الموسيقي السوري إياد الريماوي، كاتب الكلمات والألحان، نظرية فلسفية مهمة وعميقة تقول "متغير عليي لأنك متغير عليي".

امتدت الأزمات التي تعصف بالأغاني العربية مع رواج دخول نجوم التمثيل إلى عالم الغناء مقتنعين بأصواتهم التي لم تثبت أي تميز للآن، هذه الأغنية تترك المستمع أمام العديد من الأسئلة التي يكون جوابها دائمًا أن طافش الممثلة المتألقة في السنوات العشر الماضية قد أفلست وباتت تريد موطئ قدم آخر تحت الأضواء، لكن المستغرب بشدة هو الأسماء التي عملت على هذه الأغنية (فبالإضافة إلى  الريماوي كاتبًا وملحنًا وزع العمل جان ماري رياشي وأخرجه بطريقة فيديو كليب المخرج اللبناني سعيد الماروق.

الأغنية فعليًا افتقرت إلى الكلمات المميزة، ولم تنجح على ما يبدو كل محاولات الملحن والموزع والفنيين في الاستوديو على تحسين صوت طافش أو تدريبها على أداء أفضل، كما أن اللحن الذي جاء جميلًا إلى حد ما، حمل العديد من الجمل الموسيقية من لحن أغنية "جربت في مرة" للفنانة إليسا والذي قدمه لها الملحن المصري محمد رحيم.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فموسم أغاني عيد الحب، الذي مر، كشف حجم الأزمة التي يعيشها الغناء العربي حيث قدمت الفنانة اللبنانية نجوى كرم أغنية دون مستواها، بالكلمات والألحان، حملت عنوان "مين حبيبي"، وتطرقت إلى فكرة مكررة جدًا في الأغاني العربية مثل أغنية الراحل عبد الحليم حافظ "حبيبتي من تكون" وأغنية السيدة فيروز "لا تسألوني ما اسمه حبيبي" دون أن تقدم أي فكرة جديدة أو أحاسيس رومانسية متفردة تليق باحتفالات عيد الحب.

من جانبه، الفنان التونسي صابر الرباعي قدم أغنية بعنوان "ملكت الكون" وهي أيضًا أغنية متواضعة مقارنة بمبدع "ولا كلمة" و"عز الحبايب" وغيرها، كما اعتمد الفنان الإماراتي حسين الجسمي على إمكانياته الصوتية في أغنية "جمر الغضى" دون أي تميّز من حيث الكلام واللحن، في حين قد تستحق أغنية نوال الزغبي "تولع" لقب أفضل الأسوأ في سباق أغاني الفالنتاين الأخير.

هذا التراجع في كل مجالات الفنون العربية بات ملحوظًا في السنوات الأخيرة من الدراما التلفزيونية إلى السينما والغناء أيضًا حيث تعيش الأغنية العربية أزمة كبيرة لا يخفف من وطأتها سوى جهود الفنانين المستقلين والذين يفتقرون دائمًا إلى الإمكانات المالية الجيدة كما يعانون من إهمال وسائل الإعلام لهم، وفي ظل ذلك يرحل المتابع العربي نحو أصناف موسيقية أخرى لعل أبرزها التركية والتي تحصد مئات آلاف المتابعات على قنوات اليوتيوب المختصة بالترجمة.

المصدر: صوت ألترا



[1] شاعر وصحفي من سوريا

.