أزمة الأغنية العربية من أزمة الشعر العربي

. مقالات

الباحث المغربي محمد سعيد الريحاني    

علاقة الشعر العربي بالأغنية العربية

التعريف الشائع للشعر عند العرب هو أنه "كل كلام موزون ومقفى،" ولذلك فقد انصب كل الجهد في تاريخ الشعر العربي على الوزن والقافية فكان الاهتمام الكبير بعلم العروض ولم يكن ثمة اهتمام بفلسفة الشعر أو نظرية الشعر.  فبزغ في الثقافة العربية نجم الخليل بن احمد الفراهيدي البصري علامة الأنغام والإيقاع ولم يبزغ نجم لأي منظر للشعر.  فالانشغال بالجانب التقني في الشعر العربي صرف الانتباه عن الجانب التنظيري له.

إن الدارس المبتدئ للشعر العربي يعتقد وهو يعد البحور الستة عشر المحددة لنظم الشعر في الأدب العربي، أن كل بحر يختص بغرض شعري دون غيره.  لكنه، في زحمة أسماء البحور وتضارب الأغراض الشعرية، يعلم بعد تقدمه في الدراسة والسن معا أن أوزان الشعر العربي ليست أكثر من ألعاب إيقاعية لا تختص بأي غرض شعري من الأغراض المتعارف عليها وانه بالإمكان نظم الشعر في جميع الأغراض الشعرية بميزان شعري واحد فقط: ببحر شعري واحد لا غير. والقصيدة العربية العمودية تشهد أن ربع ما نظم من شعر في تاريخ الأدب العربي نظم على وزن "البحر الطويل":

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ۞ فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

فقد نسج أبو الطيب المتنبي قصائد حكمه على "البحر الطويل":

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ۞ وتـأتـي على قدر الكريم المكارم

وتكبر في عين الصغير صغارها ۞ وتصغر في عين العظيم العظائم

كما حاكت الخنساء قصائد الرثاء التي اشتهرت بها على وزن "البحر الطويل" تماما كما نظم الحطيئة قصائد الهجاء المعروفة باسمه على ذات الوزن.  ولقد جاراهما في ذلك السابقون واللاحقون من فطاحل الشعراء العرب، فقد جاءت قصائد امرئ القيس وعنترة العبسي وأبي تمام والبحتري وأبي نواس وعمر بن أبي ربيعة في الفخر والغزل والمدح والوصف والتصوف والاعتذار ... منظومة على ذات الوزن الأكثر هيمنة على الإيقاع الشعري العربي: "البحر الطويل".

إن هيمنة "البحر الطويل" على الشعر العربي، على الأقل في شكله العمودي، يبرهن بما لا يدع مجالا للشك والتشكيك على أن اعتماد الأوزان في الشعر العربي لم يخضع لضوابط فلسفية تؤطر هذا الاختيار وتميزه عن ذاك.  ولعل سبب هذا الفراغ يعود في قسمه الأكبر لـ"غياب الفلسفة من الحياة العربية بفعل التحريم والتجريم اللذين رافقاها حتى اليوم."  ولذلك ترك اختيار الوزن الشعري للتلقائية والسليقة الشعرية لدى الناظم. في حين عرفت ثقافات إنسانية أخرى مسارات مختلفة في قرض الشعر إذ خصت لكل غرض شعري وزنا شعريا موازيا وبالمثل خصت لكل غرض غنائي إيقاعا موسيقيا موازيا.

فإذا قبلنا بأن الشعر، أول الفنون، هو كل إبداع إنساني في تقدير للجمال والحياة ... فستصبح الفنون التشكيلية شعرا لونيا بصريا، ويضحي الرقص شعرا جسديا إيمائيا، والموسيقى شعرا صوتيا أداتيا، والغناء شعرا لحنيا ... لذلك كان التنظير الشعري، على مر التاريخ، يؤثر تأثيرا مباشرا على باقي المجالات الفنية الأخرى. ومن أوضح القيود التي ترعرعت في الشعر العربي، قبل أن تجتاح باقي الفنون لتكبل كل مناحي الإنتاج الرمزي العربي: "القراءة التقنية للإنتاج الشعري والتنظير التجزيئي للشعر."

 

تصنيف الأغنية العربية، تشتيت التصنيف التقليدي للأغنية العربية

إذا كان الشعر العربي قد عرف ستة عشر بحرا شعريا واشتغل فقط على ربع هذا العدد الكبير من الأوزان، فالنتيجة هي أن الشعر العربي قد ضيع فرصته في إنتاج قوالب شعرية خاصة بكل غرض شعري. وإذا كان للشعر، تنظيرا وإبداعا، تأثير واضح على باقي الفنون، فالنتيجة هي أن أعطاب الشعر انتقلت إلى باقي الفنون بما فيها الأغنية العربية. ومن هذه الأعطاب ضياع فرصة إنتاج قوالب موسيقية لكل غرض غنائي.

هكذا، تشتت الأغنية العربية بين تسعة أصناف تبعا لتأثير"العامل المهيمن في أدائها:"

1)    حسب الغرض الغنائي: حكم، مدح، غزل، ابتهال، رثاء...

2)    حسب الإيقاع: جغرافي (الأغنية المغربية، الأغنية السودانية، الأغنية الخليجية...)، أو اثني (أحيدوس للأمازيغ، الأندلسي للمورسكيين، الكناوي للزنوج...)، أو جهوي (الهيت لقبائل الغرب، الطقطوقة لقبائل اجبالة...)، أو طبقي ، أو ديني.

3)    حسب الأدوات المشغلة في العزف: أغنية شرقية (حضور مهيمن للعود أو القانون)، أغنية غربية (حضور طاغ للقيثارة أو الساكسوفون)...

4)    حسب انضباطها للقواعد الموسيقية: الأغنية الكلاسيكية، الأغنية الشعبية...

5)    حسب عدد المغنين: الغناء المنفرد، الغناء الجماعي، أغاني المجموعات...

6)    حسب جنس المغني: الأغنية النسائية، الأغنية الأنثوية...

7)    حسب الموقف من الوجود: أغنية ثورية، أغنية رسمية، أغنية تجارية...

8)    حسب الحالة النفسية المقصودة: الجذبة (هارد روك آند رول)، المرح (كلاسيك روك اند رول)، الحزن (بلوز)...

9)    حسب اللغة: فصحى، زجل عامي(الأغاني الشعبية)، تهجين (أغاني الراي).

أمام هذه التشظية لمفهوم الأغنية وهذا التشتت للمجهود الغنائي، ألم يحن الوقت بعد لتوحيد الأغنية العربية تحت نظريات عربية في الغناء تبحث في الأصول وتستمد منها مقوماتها الفكرية والفلسفية لإعطاء الروح لهذا الفن الفاعل في الوجدان العربي؟ألم يحن الوقت بعد للإقلاع بالأغنية العربية في زمن لا مكان فيه للفنون الصورية التي لا أساس فلسفي يسندها في مواجهة رياح العولمة وهيمنة القوة المادية والرمزية؟

 

الواجهة الفنية دعامة لوجود الأمة والتنظير الموسيقي لكل فن غنائي ضرورة

بعد خروج الولايات المتحدة الأمريكية، عقب الحرب العالمية الأولى، إلى ساحة الصراع الدولي والهيمنة على الأسواق في بداية القرن العشرين، وجدت نفسها قوة اقتصادية وعسكرية عظمى لكن بدون تاريخ تستمد منه عظمتها، فعمرها يفوق بالكاد مئتي سنة، كما وجدت نفسها بدون ثقافة تغطي بها مشاريعها في البقاء والتوسع معا.  فثقافتها الغربية هي نفسها ثقافة خصومها اللدودين في ألمانيا النازية وأوروبا الشيوعية. فلقد كانت الولايات المتحدة تلجأ باستمرار للمقارنة والمفاضلة بينها وبين خصومها فتعارض بين:

-       ثقافة الدكتاتورية (العالم الاشتراكي) وثقافة الحرية (العالم الرأسمالي) في زمن الحرب الباردة.

-       العالم الجديد(أمريكا) والعالم القديم (أوروبا) في زمن القطبية الواحدة.

ولتقوية حضورها الثقافي، عملت الولايات المتحدة على استثمار الرأسمال الزنجي ودعمت العطاءات على واجهة الرياضة والإنتاج السمعي- المرئي من سينما وموسيقى فاسحة بذلك المجال للزنوج الحديثي العهد بالحرية (قرار إنهاء العبودية صدر سنة 1863) فواكب الازدهار الاقتصادي ازدهار فني ورياضي. لكن هذا الاستثمار للفن الزنجي وللرأسمال الزنجي خرج عن السيطرة وأثبت قوته واستقلاليته وحريته الثانية في عز انتكاسات السياسة الأمريكية في الستينيات من القرن الماضي: حرب الفييتنام في الخارج، حركات المطالبة بالحقوق المدنية في الداخل...

فإذا كانت التحديات الخارجية للولايات المتحدة والشروط الداخلية (تحرر العبيد وبطالتهم) قد فتحت باب الفن للزنوج الأمريكيين، فقد دخل الأفرو- أمريكان معترك الحق في التعبير من بوابة الفن لينقشوا على جدار التاريخ هويتهم الأمريكية مع ثقافة البلوز والجاز وليفجروا معاناتهم ومطالبهم مع ثقافة الهيب هوب.

 

فلسفة الغناء ضرورة نظرية ومرجعية أساسية لكل إنتاج غنائي

عاشق الأغنية الغربية يستمتع مع كل لون غنائي بلهجة (Accent) ملازمة للأداء. ولذلك فالمستمع الأجنبي لا يجد صعوبة في تمييز هوية اللون الغنائي ما دامت لهجة المغني تدعم ذاك الانتماء. إنه يدرك بشكل انطباعي أن للغناء الغربي أيضا خريطة يولد في حدودها وينمو ويترعرع في فضاءاتها. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، تتوزع الألوان الموسيقية على الولايات توزيعا يعزز التعدد والتكامل الموسيقيين:

*       ولاية نيويورك، مدينة نيويورك سيتي عاصمة فن الراب أو الهيب هوب.

*       ولاية تينيسي، مدينة ممفيس عاصمة فن الروك أند رول.

*       ولاية ميسيسيبي ، دلتا الميسيسيبي عاصمة فن البلوز.

*       ولاية لويزيانا، مدينة نيو أورلينز عاصمة فن الجاز.

*       ولاية ميتشيغن، مدينة ديترويت عاصمة فن السول.

*       ولاية كنتاكي، مدينة أوبنزبورو عاصمة فن البلو غراس...

في الثقافة العربية، كما في غيرها من الثقافات الإنسانية الأخرى، هناك نفس الخريطة الجغرافية لأشكال أخرى من الموسيقى مع فرق جوهري هام وعظيم، وهو أن التوزيع الجغرافي للموسيقى في الولايات المتحدة الأمريكية واكبه تنظير فلسفي وبحث تأريخي قلما يتكرر مع نفس الفنون في الثقافات الإنسانية الأخرى.  وتأسيسا على ذلك، بقيت الأغنية العربية أسيرة حدود الخريطة الوطنية والبطاقة الوطنية والعملة الوطنية والإيقاع الوطني بينما تحررت الأغنية الغربية بواسطة الأغنية الأمريكية إلى آفاق أرحب من الحدود التي أنتجتها ورعتها وآذان أكثر عددا من جمهور مهدها وقلوب أكثر استعدادا لحبها...

 

فالمستمع اليوم للأغنية الغربية لا ينصت للإيقاع الوطني الجغرافي وإنما ينصت لفلسفة تعبر عن نفسها بالعلامات الموسيقية.  وفي ما يلي خمسة ألوان موسيقية ذات أصول زنجية وبطاقة هوية أمريكية لكن بفلسفات إنسانية متباينة التي بدونها ما أطرب إيقاعها أحدا ولا أعجبت سلالمها الموسيقية أذنا:

-       موسيقى الغوسبلز *روح التفاؤل والتبشير *غناء جماعي *"موسيقى الرب"

-       موسيقى البلوز *روح التشاؤم والحنين والحزن *غناء فردي *"موسيقى الشيطان"

-       موسيقى الجاز *"موسيقى الحرية" *الارتجال محل صرامة النص المكتوب *الفن للفن

-       الروك سوفت *"موسيقى مناهضة الغبن والعنصرية" *الفرح في النص والإيقاع

-       الروك هارد *الإحساس بالورطة *"موسيقى المأزق" والصراخ الآدمي وزعيق القيتارة وهستيريا الإيقاع

-       موسيقى الهيب هوب *النقاش بشكل غير مؤدب *طرح القضايا الاجتماعية والسياسية *موسيقى عدم الرضا والسخط"

هذه الخلفيات الفلسفية والثقافية والسياسية هي ما ينقص الأغنية العربية راهنا.  إن أخطر ما يتهدد الأغنية العربية هو "تسييجها جغرافيا" بإيقاعات محلية، و"تحويلها إلى نشيد وطني" يثير المقاومة في نفوس المستمعين العرب الآخرين الذين "سيعتبرونها لا تعنيهم ولا تمثلهم". وحدها الفلسفة الغنائية تجمع المستمعين من كل الأصقاع وتوحد الانطباعات...

 

فلسفة الغناء العربي الغدوي: من الأغنية الجغرافية إلى الأغنية التعبيرية

المستمع العربي للأغنية العربية ينصت أول ما ينصت فيها عن جواب للسؤال التالي: "ماذا يقول المغني في هذه الأغنية؟" فشكل الغناء في ثقافته العربية يراه ثابتا لا يتغير ولذلك فهو لا يسأل عن شيء آخر غير المضمون.

ولكن ذات المستمع العربي حين ينصت لأغنية غربية فهو يطرح سؤالا مغايرا تماما: "لماذا تم اختيار هذا اللون الغنائي لأداء هذه الأغنية؟"

وما بين السؤالين، الأول والثاني، ثمة بون شاسع وفرق عظيم. فبينما يتم التساهل مع الأداء العربي ، تتم القسوة مع الأداء الأجنبي ومحاسبته على اختياراته الفنية...

ترى لو شاء العدل أن يعمم السؤال: "لماذا تم اختيار هذا اللون الغنائي لأداء هذه الأغنية؟" تعميما يشمل من خلاله الاختيارات المنظمة لإنتاج الأغنية العربية برمتها ، ماذا ستكون النتيجة؟

إذا ما عمم السؤال السحري "لماذا تم اختيار هذا اللون الغنائي لأداء هذه الأغنية؟"، ستكون النتيجة حتما ارتجاجا عنيفا للقناعات وللذهنية العربية وبزوغ نجم رؤية جديدة للواقع العربي من منظور مغاير قوامه أن الأغنية العربية أسيرة الإيقاع المحلي/الجغرافي مع غياب واضح للوعي التعبيري الذي يستمد مقومات وجوده من وجود هامش للحريات:

-       حرية التعبير واستقلالية الرأي.

-       قدسية الإبداع والابتكار والتجديد...

 

التجارب الأولى للوعي الغنائي المغربي: سؤال الهوية وهوس التأصيل (المغرب نموذجا)

كان لنهضة مصر دور إيجابي بوأها مكانة الريادة عربيا على كافة المستويات بما فيها المستوى الفني. لكن هذه الريادة تحولت إلى سلطة قزمت الفنون المحلية على الخارطة العربية فبدأت المقاومة الفنية تتوالد في هنا البلد وذاك. هكذا، بدأت تتشكل في أواخر الستينيات من القرن الماضي أولى البوادر التجريبية في الساحة الفنية المغربية. كانت أهمها:

-       ناس الغيوان: البحث عن إيقاعات أكثر حرية وأكثر صدقا. فكانت أغلب نصوصهم اكناوية تستلهم الفن الكناوي المغربي القائم على الجذبة.

-       جيل جيلالة: البحث عن إيقاعات مغربية تجسد شعار رفض الواقع الفني السائد والتوق لآفاق جديدة، فكان اختيار فن الملحون الذي كان في زمن سابق من القرون الماضية يخوض حربا حقيقية على فن آخر اعتبر في حينه سلطة فنية مهيمنة وهو فن الطرب الأندلسي.

-       تاكدة: واستلهمت تقليدا فنيا مغربيا مختلفا أبعد ما يكون عن الجذبة وأقرب إلى الفرجة والمسرح هو فن اعبيدات الرما.

-       عبد الصادق شقارة: مهمته التاريخية كانت المصالحة بين الفن الأندلسي الراقي والفن الشعبي المغربي، وهي المصالحة التي كانت ملهمة المبدعين في ربوع العالم في الستينيات من القرن الماضي فأبدعت السمفو- جاز والروك اند رول والهيب هوب بعد ذلك...

-       شباب "الراي" أو فن المهمشين والبحث عن شكل فني جديد في واقع يائس سواء في أرض الوطن أو في المهجر . وهو ما جعل المتتبعين يسمون الراي "بلوز المغرب العربي". فقد عبر شباب الراي الجسر من جهة اختيار الاسم الفني الذي يبتدئ ب"الشاب" متبوعا بالاسم الفردي للمغني قلبا للتقليد الفني الذي كان يخول سابقا للمغني لقب "الشيخ" متبوعا باسمه العائلي قبل أن يغني "الحكم والمواعظ": الشيخ العنقا...

-       مرتجلو الهيب هوب أو الراب ومهمة فتح النقاش حول القضايا الاجتماعية والسياسية والوجودية داخل النص الغنائي بدون آداب أو كياسة...

 

أزمة الغناء العربي وضرورة وجود "ناس الغيوان"

ظهرت مجموعة ناس الغيوان كرد فعل مزدوج يتقصد أولا إعادة الاعتبار للأغنية الشعبية بمقاماتها وأغراضها وأدواتها الموسيقية، وثانيا مقاومة المد الخانق لهيمنة الأغنية التجارية والإيقاعات الجغرافية في الفن العربي عموما. وقد استطاعت المجموعة أن تؤسس لنفسها مكانة متميزة ليست فقط على الصعيد العربي بل على الصعيد الإنساني.  وهي المكانة التي لم تتحقق بالإيقاع والكلمة بل بالفلسفة الغنائية التي يفتقر إليها التقليد الغنائي في الثقافة العربية.  فمجموعة ناس الغيوان تبقى هي المجموعة الغنائية الوحيدة في التاريخ الإنساني التي بقيت أشرعتها مفتوحة على الزمن وعلى غير أعضائها المؤسسين والرواد، فقد تفرقت مجموعة البينك فلويد البريطانية (The Pink Floyd) مرارا بسبب الخلافات الداخلية بين الأعضاء تمت في الستينيات بإبعاد المؤسس (Syd Barrett) واستبداله بعازف القيتارة ديفيد غيلمر (David Gilmour) ثم تبعه الاستغناء في الثمانينيات عن المؤسس الثاني رودجر ووترز (Roger Waters) ثم كان إعلان "حل" المجموعة نهائيا سنة 2005.

وبالمثل، اعتزلت مجموعة الأبواب الأمريكية الأسطورية (The Doors) الغناء مباشرة بعد انتحار قائدها ومنظرها جيم موريسون في الثالث من يوليوز سنة 1971 في حداد أبدي على موت صديق لا يشبه الأصدقاء.

كما تشتتت مجموعة الخنافس (The Beatles) البريطانية بعد 1967 سنة وفاة المنتج براين إبشتاين (Brian Epstein) الرجل الذي سهر منذ بداية المجموعة على إصلاح ذات البين بين أعضاء المجموعة والحفاظ عليها.  لكن الانفصال النهائي كان بعد صدور الألبوم الأخير للمجموعة المعنون (Let It Be) سنة 1970 السنة التي بعدها اندفع كل عضو للاستفادة الفردية من اسم الخنافس ونجاح الخنافس وشعبية الخنافس بتجريب مشاوير غنائية فردية (Solo) بأسماء فردية كـ جون لينن (John Lenon) أو رينغو ستار (Ringo Starr) أو جورج هاريسون (George Harrison) أو بول ماكارتني (Paul McCartney).

كما حافظت مجموعة "الصخور المتدحرجة" (The Rollin' Stones) على أعضائها الستة منذ 1963: المغني ميك جاغر(Mick Jagger) وعازفا القيتارة براين جونس (Brian Jones) وكيث ريتشاردز(Keith Richards) وعازف البيانو آيان ستيووارت (Ian Stewart) وعازف الباص بيل وايمن (Bill Wyman) وضابط الإيقاع تشارلي واتس (Charlie Watts) وهمرغم كبر سنهم استمروا أوفياء لبعضهم البعض ولنصوصهم ولإيقاعهم وفلسفتهم في العزف والغناء التي عرفوا بها في بداية الستينيات من القرن الماضي عندما كانوا في سن العشرين من العمر...

لم تشبه مجموعة ناس الغيوان المغربية مسارات الفرق الغنائية السالفة الذكر رغم تقاطعها معها في فلسفتها الغنائية (Pop Music) . فقد واصلت مشوارها رغم موت قائدها الأول بوجميع سنة 1974 ورغم المنفى (بعد ألبومها "مهمومة" أوائل الثمانينيات) ورغم موت ربانها الثاني العربي باطمة سنة 1997، فقد تأسست المجموعة سنة 1970 بأربعة أعضاء هم بوجميع والعربي باطمة وعمر السيد وعلال يعلى.  لكنها فتحت ذراعيها سنة 1971 لعضوين آخرين هما عازف الكنبري مولاي عبد العزيز الطاهري وعازف العود محمود السعدي اللذين غادرا المجموعة، بعد وفاة بوجميع، لقادم جديد هو المعلم الكناوي عازف الكنبري المعروف عبد الرحمان باكو سنة 1974 الذي سيغادر المجموعة بدوره سنة 1993 ليحل محله عازف الكنبري الشاب رضوان عريف إلى حدود سنة 2000 وهي السنة التي عرفت دخول أخوي الراحل العربي باطمة إلى المجموعة وهما ضابط الإيقاع رشيد باطمة وعازف الكنبري حميد باطمة ولا زال الباب مشرعا في وجه الزمن ما دامت "ناس الغيوان" فلسفة في الغناء وليست ضيعة موسيقية في أيدي أربابها... فكما يدل اسمها، فـ "ناس الغيوان" تعني "أهل الغناء وعشاق السلم" على حد قول أحد روادها، عمر السيد. أي أن المجموعة هي "إطار فني مفتوح في وجه كل عشاق الغناء والسلم".

ولعل الضامن الأهم للفلسفة "الغيوانية" النبيلة هو "التعددية" التي تميّز هذه المجموعة الغنائية عن نظيراتها من مجايليها داخليا وخارجيا.  فقد كانت المجموعة جسرا تعبر من خلاله مفاهيم التعددية والاختلاف إلى الجمهور.  فبالإضافة إلى "التعددية الإيقاعية" التي نهجتها المجموعة بحثا عن تعبير أصدق يوحد الشكل بالمضمون، و"التعددية الغرضية" التي راوحت بين الرثاء والوصف والحكم والغزل والتصوف ومدح النبي... فثمة "تعددية وجودية" غدت هذه الفلسفة الغيوانية ورعتها لم تكن في الأصل غير "التعددية الاثنية" لأفراد المجموعة. فقد كان بوجميع صحراويا، وعلال يعلى وعمر السيد أمازيغيين، وعبد الرحمان باكو صويريا والعربي باطمة من قبائل الشاوية...

 

تركيب

إن الغليان الذي عرفه الغناء العربي خلال النصف قرن الماضي لا يوحده في ديناميته سوى الرغبة في تصحيح الأخطاء التاريخية الكبرى في الذاكرة الفنية، أو فك القيود الكبرى عن معصم الغناء العربي.

"الموسيقى، كما كتب الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه ذات مرة، وحدها تتقدم ارتال الجنود في اتجاه أرض المعركة". الموسيقى، إذن، هي طليعة الحرية. لكن الموسيقى لا يكفيها أن تكون محررة ومسندة بقضية إنسانية ولكن عليها أن تكون حرة قبل كل شيء. وهذا ما لم يكنه الشعر العربي.

وبما أن الشعر العربي الحر جاء لتصحيح المعضلة، فربما احتفظ المستقبل بدور مماثل للغناء الصوفي العربي لتصحيح وتقويم أخطاء الماضي. وما نجاحات موسيقى اكناوة وجهجوكة المغربيتين على الصعيد العالمي إلا تباشير بذلك.

.