المستشرق هنري فارمر وتأريخ الإبداع الموسيقي العربي

. مقالات

علي الأحمد

هو من القامات العلمية المرموقة، وصاحب الأيادي البيضاء على موسيقانا العربية، وواحد ممن أسهموا في التعريف بالمنجز الإبداعي للموسيقى العربية في أوروبا، موثقاً جميع مؤلفاته بالدلائل والبراهين العلمية التي لا تقبل الشك.  ولاقى من جراء ذلك الكثير من النقد والتجريح من قبل من صعقته هذه الحقائق التي بثها عبر كتبه ومؤلفاته القيمة التي قاربت المائة مؤلف، توزعت على مدى نصف قرن، وكانت وافية ومعمقة في دراسة التأريخ الإبداعي لموسيقانا العربية عبر تطور مراحلها التاريخية.

لم يترك هذا المستشرق باباً أو نظرية أو إشارة تتعلق بخزين وعلوم ومنجز الموسيقى العربية إلا وبحث به، وبعمق ودراية معرفية وقراءات متعددة حتى باللغة العربية الأم، ليخلص إلى نتائج وحقائق علمية غيّرت وجه ومسار الاستشراق في الموسيقى العربية، الذي جاء أغلبه كماهو معلوم ليدس السم بالدسم، عبر تحزبات وأهواء وآراء مسبقة، نالت الكثير من الحقيقة العلمية والمعرفة، وهذا مثبت في كثير من مؤلفات الاستشراق التي كتبت من قبل مغرضين وأصحاب رؤية ايديولوجية مقنّعة، وحده المستشرق العظيم هنري فارمر، واجه هذا التحامل والتحزبات المقيتة، بالبحث والارتحال في موسيقات المشرق وهو الأكاديمي البارز، الذي قدم محاضرات علمية على درجة كبيرة من العمق والأهمية، نعم كان هذا المستشرق وحيداً في مساره العلمي الذي غيّر وجه الاستشراق الموسيقي، فها هو يحقق الكثير من المخطوطات والكتب الموسيقية النادرة، بعد أن بذل جهوداً جبارة في البحث والسفر والارتحال الدائم نحو جامعات الغرب ومراكز البحوث فيها، منقباً عن كل شاردة وواردة فيما يتعلق بموسيقانا العربية، إنصافاً للحق والمعرفة ولا شيء سواها، ولا يزال كتابه المهم حول تاريخ الموسيقى العربية إلى القرن الثالث عشر، مرجعاً هاماً وأساسياً، لطلاب ومؤرخي وباحثي الموسيقى العربية، عبر عصورها المختلفة، وهو الذي كان على دراية ومعرفة بكتابات الفلاسفة القدماء بدءاً من "الكندي والسرخسي وبني موسى وثابت بن قرّة وزكريا الرازي وصولاً الى قسطا بن لوقا والفارابي وجماعة إخوان الصفا والشيخ الرئيس ابن سينا وابن باجة وغيرهم" حيث عقد مقارنات ومقاربات علمية ما بين هؤلاء الفلاسفة وبين ما كان يكتبه الأوروبيون في علوم الموسيقى ليخلص ويبين بالدلائل والبراهين على مكانة وتقدم هؤلاء الفلاسفة والعلماء العرب المسلمين على أقرانهم في الغرب،.ولم يقتصر الأمر على هذا الارتحال العلمي نحو مصادر ومخطوطات الموسيقى العربية التي قضى هذا المستشرق نصف حياته وهو يدرسها ويبحث فيها، فكان كتابه القيم والرائع عن "الحقائق التاريخية للتأثير الموسيقي العربي" وفيه ثبت لأهم المؤلفات والنظريات والعلوم الموسيقية العربية التي تركت بصماتها المضيئة في أوروبا.  كما لا يفوتنا أن نذكر أن هذا المستشرق كان من بين أعضاء المؤتمر التأسيسي الأول للموسيقى العربية الذي انعقد في القاهرة عام ١٩٣٢ وترأس عبره عدة لجان كما أنه قدم بحثاً في غاية الأهمية حول السلم الموسيقي العربي. ومن بين مؤلفاته الغزيرة نذكر: أدلة على التأثير العربي في نظرية الموسيقى، المخطوطات الموسيقية العربية في المكتبة البودلّية، التأثير الروحي للموسيقى من مصادر عربية، تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر الميلادي، الحقائق التاريخية للتأثير الموسيقي العربي، تركيب العود العربي والعود الفارسي في العصور الوسطى، مصادر الموسيقى العربية، المقامات العربية القديمة، والعديد من البحوث والدراسات التي حبرها هذا العالم الكبير الذي كان ولا يزال الصديق الوفي للموسيقى العربية التي تدين له بكثير من التقدير والعرفان والمحبة.

 

.