أثر التراث في الموسيقى المصرية

. مقالات

أثر التراث في الموسيقى المصرية

سليم سحاب

لمحة تاريخية

ظاهرة غريبة وكبيرة نلاحظها عن تأريخ الموسيقى المصرية.  فهذا التأريخ يرجع إلى القرن التاسع عشر ويقف عنده. وإذا أردنا الغوص في أعماق التاريخ لشرح هذه الظاهرة لا نجد إلا بعض الأدبيات التي تصف الغناء والمغنيين وبعض الكتب التي تحتوي على نصوص أغاني تلك الفترة لعدم وجود رسائل التدوين والتسجيل في تلك الحقبة. لذلك نبدأ بإلقاء الضوء على هذه الحقبة الضاربة في القدم كي نعرف بعضا من تاريخ الموسيقى والغناء في مصر قبل القرن التاسع عشر.

لا شك أن زلزالا مدمرا عصف بالحضارة العربية نتيجة ثلاث ضربات تلقتها. أولى هذه الضربات سقوط بغداد، وتدمير مكتبتها العظيمة على يد هولاكو سنة 1258، وكانت تعتبر أعظم مكتبة في تاريخ البشرية.  وقد أمر هولاكو برمي مخطوطاتها في نهر دجلة لتتحول مياهه إلى اللون الأزرق لمدة أشهر طويلة نتيجة لون حبر هذه المخطوطات. وكانت هذه المكتبة تضم، إلى جانب آلاف المخطوطات العربية المجتمعة، ترجمات كل نصوص الحضارة اليونانية الإغريقية القديمة التي كان الخلفاء يدفعون للمترجمين وزنها ذهبا.

الضربة الثانية كانت سقوط غرناطة آخر معاقل العرب في الأندلس سنة 1492، وهي نفس السنة التي اكتشف فيها كريستوفر كولومبوس أمريكا.

أما الضربة الثالثة التي قضت على آخر ما تبقى من الحضارة العربية فهو الاحتلال العثماني في البلاد العربية سنة 1501.  وترك هذا الاحتلال عواقب مدمرة أذكر منها فقط منع طبع الكتب في السلطنة مدة ثلاثمائة عام مما جمد التقدم الحضاري في البلاد العربية طيلة هذه الفترة.  ولم ينج من هذه المذبحة الحضارية سوى لبنان وذلك لارتباط الأديرة المسيحية فيه مباشرة مع أوروبا.

ولهؤلاء المسيحيين الذين حافظوا على اللغة العربية قصة طويلة.  كانوا في الطائفة السريانية الكاثوليكية في سوريا وهربوا من الحكم العثماني ولجاؤا إلى لبنان واستوطنوا الجبال العالية العاصية على العثمانيين وسموا بالمردة.  جاؤوا إلى لبنان بقيادة زعيمهم مارون فسموا بالموارنة.  أسس الموارنة مطابعهم المستوردة من أوروبا في أديرتهم وبذلك لم تنقطع طباعة الكتب في لبنان كما حدث ذلك في باقي البلاد العربية، بما فيها مصر. هذه الضربات الثلاث القاصمة أدت كما يقول المؤرخ كمال النجمي، إلى تكوين مستنقع ألحان البدائية التي غرقت فيها الموسيقى العربية لمدة طويلة من الزمن. ويأتي التأكيد على ذلك في موسوعة “وصف مصر” التي وضعها العلماء الفرنسيون برئاسة العالم “فيوتو” في أثناء الحملة الفرنسية على مصر التي بدأت سنة 1798 والتي نقلها إلى العربية زهير الشايب.  وقد ورد في الأجزاء المخصصة منها للموسيقى في مصر – ولا سيّما الجزأين الثامن والتاسع - تقرير هام عن حالة الغناء المصري المتدهورة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.  إلى أن نصل إلى اسمين يقول التاريخ الحديث إنهما كوّنا سدا منيعا دون استمرار حال التدهور الموسيقي الغنائي في مصر، وهما الشيخ شهاب الدين محمد إسماعيل والشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب، اللذان بفضلهما أخذ الغناء المصري ينهض منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر. ويقول كمال النجمي في كتابه “تراث الغناء العربي” إن الشيخ شهاب الدين ”هو الذي رسم لمعاصريه صورة من التواشيح الأندلسية بتأليفه كتابا عظيم الأهمية اشتُهر باسم "سفينة شهاب" جمع فيه مئات التواشيح الأندلسية التي كادت أن تندثر، ولم يكن المغنّون والملحنون في أيامه يعرفون عنها شيئا .

أما الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب فقد سلك طريق صناعة وغناء الدور الذي وصل في نهاية القرن التاسع عشر إلى ذروة تطوره وكماله الفني مع محمد عثمان وعبده الحامولي، كما أنه كان بارعا جدا في تلحين الموشحات.

نضيف إلى كل ذلك التراث المتوازن الذي حفظ المقامات والإيقاعات في مصر من الاندثار، هذا التراث الذي يشمل الأغاني الشعبية ولاسيما في الأفراح والمآتم والعمل والأناشيد الجماعية.

كان تأثير الشيخين الأزهريين شهاب الدين والمسلوب هائلاً على مسيرة الغناء في القرن التاسع عشر. ولكن ما حكاية الشيخين، وما علاقتهما بالفنون في القرن التاسع عشر في مصر؟

جامعة الأزهر

من المعروف أن الأزهر أول جامعة عرفتها البشرية بمعناها الحالي، وقد تأسس في القرن العاشر الميلادي (سنة 972) ويسبق بذلك أول جامعة في الغرب وهي جامعة السوربون الفرنسية في باريس والتي أسسها سنة 1253 القس روبير دي سوربون Robert de Sorbonne بمساعدة الملك الفرنسي. ويذكر التاريخ أن علماء الأندلس العرب المنتدبين من قبل الجامعة أسسوا في السوربون أول كليات العلوم الطبيعية والهندسة والفلك.

من أهم المواد التي كانت تدرس في الأزهر تجويد القرآن الكريم. وعلى مدى هذه القرون العشرة تبلورت هذه المدرسة وأصبح لها قوانينها الصارمة التي تذكرنا بقوانين مدرسة البوليفونيا الصارمة في بداية عصرها في الموسيقى الغربية الأوروبية في العصور الوسطى عندما كانت الموسيقى والتلحين والغناء (إلى جانب كل الفنون) حكرا على الكنيسة وتحت سيطرتها وتخضع لقوانينها الفنية المرتبطة بالقوانين الكنسية.

ومن أهم قوانين مدرسة التجويد القرآني:

1.    النفس الطويل: الذي يمنع المجود من التوقف كما يحلو له لمجرد احتياجه إلى تجديد نفسه. فالنفس أصبح مشروطا بطول الآية المجودة ولا يجوز التوقف في وسطها إلا في المحطات المسموح بها. هنا تأتى التقنية التي ابتدعها زرياب في الأندلس وهي استعمال الحجاب الحاجز لتطويل النفس والسيطرة على طوله واستعماله بتمكن وبحساب دقيق، هذه التقنية التي هي في أساس غناء فن الأوبرا الغربي حتى الآن، تحت اسم بيل كانتو أي الغناء الجميل.

2.    النطق السليم: حيث لا يجوز للمقرئ أن يتلو القرآن وهو يجهل الطريقة الصحيحة لنطق الحروف ومعرفته لمخارج الحروف الصحيحة، فيخلط بين الحروف القريبة المخارج كالقاف والكاف مثلا وتستوي عنده الحروف المفخمة والحروف المرققة كالضاد والدال والصاد والسين.

3.    قوة الصوت: كما يستطيع المقرئ أن يوصل صوته إلى أكبر عدد من الناس، وذلك لغياب أجهزة تقوية الصوت الكهربائية في تلك العصور. هنا يأتي دور الحجاب الحاجز للتحكم بهذه القوة ومده بكمية الهواء الضرورية وبالمقدار المطلوب.

4.    معرفة المقامات :التي من دونها يصبح التجويد قراءة عادية، وإجادة تنغيمها إجادة تامة من غير نشاز.

5.    إجادة التحويلات المقامية إجادة تامة : فالتلاوة لا تجوز على مقام واحد بل يجب تنقلها بين مقامات عدة. ومع الوقت أصبح هذا التنقل مقننا لا يجوز العبث به، فبداية التلاوة تكون على مقام البياتي، يبدأ بعدها التنقل بين المقامات المختلفة.  إن تقنين الانتقالات المقامية هذه حمل اسم “السكك المقامية ” وأصبح له قواعده الصارمة، فمن مقام معيّن لا يجوز الانتقال إلاّ إلى مقام آخر حسب سكة مقامية محددة مرتبطة بالمقام الأساسي.

6.    التمكن من العودة إلى مقام البياتي : وهو المقام الأساسي في آخر التلاوة مهما بعدت التحويلات والتلوينات المقامية عنه وتأتي العودة إلى المقام الأساسي (البياتي) في آخر التلاوة وذلك تمهيدا لتسليم عبارة “صدق الله العظيم”.

7.    الارتجال في التلاوة: نأتي هنا إلى أهم قاعدة من قواعد التلاوة. فالدين حرّم تلحين القرآن الكريم. ومعروفة قصة الأزهر مع الملحن العظيم زكريا أحمد عندما منعه من تلحينه. ما هو البديل؟ هنا تأتي قاعدة الارتجال النغمي واللحني في التلاوة أي التنغيم الآني عفو الخاطر دون الالتزام بلحن موضوع مسبقا.

ولكن ما صلة قواعد تلاوة القرآن الكريم بالغناء والتلحين؟ هنا يأتي الدور للأزهر في نشر العلم والمعرفة والتوعية والنهوض بالثقافة العامة. فقد كان الأزهر المكان الوحيد لتلقي العلم في هذه الحقبة الزمنية بعد الكُتاب، وبذلك أصبح خريجو الأزهر يحملون لقب شيخ حتى الذين لم يتفرغوا للدين بعد تخرجهم. كذلك نرى أن كل طبقة المتعلمين والمثقفين في تلك الحقبة هم خريجو الأزهر ويحملون لقب شيخ.  ويذكر التاريخ أن مِنْ أَهَمِّ مَنْ نَظَمَ كلامَ أغاني عبده الحامولي الذي يُعتبر أعظم مطربي القرن التاسع عشر عددٌ من المشايخ الكبار نذكر منهم علي الليثي وعلي أبو النصر وعبد الرحمن قزاعة مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت.

ولم يقتصر دور الشيوخ في تلك الحقبة على نظم كلام الأغاني بل تعداها إلى التلحين.  فمعظم الموشحات التي نعرفها وتنسب إلى القرن التاسع عشر غير المعروفة الملحن هي من تأليف وتلحين شيوخ رفضوا وضع أسمائهم على موشحات يأتي في أشعارها ذكر الخمر والحب والحبيب والعشق والحرمان وما إلى ذلك.

ومع الوقت انفصل الشيوخ خريجو الأزهر عنه وبدأوا يشكلون طائفة من المغنين، وهم العارفون بكل أسرار الغناء التي تعلموها من خلال دروس تلاوة القرآن الكريم في جامعة الأزهر وممارستها لسنين طويلة.

هنا يأتي سؤال مهم: كيف ظهر المطرب المحترف وصناعة الغناء؟ ومن ظهر قبل من؟ المطرب أم الملحن؟ والكلام هنا عن الموسيقى المحترفة  Professional، طبعا وعن الغناء أيضا.

إن دور الارتجال في تلاوة القرآن الكريم وفي تحديد العلاقة الوثقى والفروق بين المغني والملحن هو الفيصل في هذه المسألة، فإذا كان الارتجال هو السبيل الوحيد لتلاوة القرآن الكريم على مقامات معينة، فقد تحول بذلك إلى القاعدة الكبرى والمدرسة الكبرى التي خرّجت جميع مطربي القرون الماضية بما فيها القرن التاسع عشر.  وهكذا بدأت الأمور تختلط بين التلحين والغناء، فأصبح الصوت الجميل يكتفي بجملة لحنية صغيرة يبني عليها أغنية كاملة، وذلك بالارتجالات التي أصبحت تشكل القسم الأكبر من الغناء ومن الشكل الغنائي الموسيقي. وهكذا تحول المطرب إلى ملحن. وتحول الغناء وبالذات الارتجال الغنائي إلى رحم تكوّن فيه جنين التأليف الموسيقي المستقبلي المصري لأعظم قالب موسيقي غنائي في القرن التاسع عشر والذي يعتبر أهم القوالب الموسيقية الكلاسيكية في تاريخ الموسيقى العربية قاطبة: "الدور" الوليد إلى جانب "الموشح" المتوارث أهم قوالب التأليف الموسيقي الغنائي في القرن التاسع عشر.  وإذا كان قالب الموشح وصل إلى القرن التاسع عشر كاملا بأقسامه الأربع: دور – دور -خانة –غطاء، وأنا أسميها: أ- أ-ب-أ وذلك لكون الأقسام الأول والثاني والرابع تأتى عادة على نفس اللحن كما في قالب السوناتا في الموسيقى الكلاسيكية الغربية. والقسم الثالث ب يحمل التطويرات كلها: المقامية والإيقاعية والارتجالية واللحنية. أقول إذا كان قالب الموشح وصل إلى القرن التاسع عشر كاملا فإن الدور أول ما عرفناه من شيخ ملحني القرن التاسع عشر عبد الرحيم المسلوب (1798-1928) مر بمراحل تطوير كثيرة قبل أن يستقر على شكله النهائي مع محمد عثمان (1855-1900).  وبهذا يكون الدور مع الموشح الأساس الذي قامت عليه مدرسة التلحين العربية في مصر في القرن التاسع عشر. وقد بقي تأثير هذين القالبين حتى آخر الربع الأول من القرن العشرين. وإلى جانب الموشح والدور في تلك الحقبة كان هناك قوالب أخرى لها أهميتها الكبرى في مسيرة التلحين: الطقطوقة التي انتشرت انتشارا هائلا في عشرينيات القرن العشرين على يد محمد علي لعبة الموال والليالي الذي كان جزءا مهما من الوصلة الغنائية.

كان تطور المدرسة الغنائية المصرية في القرن التاسع عشر طويلا فكانت مدرسة الصهبجية أولى المدارس الغنائية التي ظهرت وفرضت نفسها بالرغم من بدائيتها من الناحية الشعرية والموسيقية، وكان مغنوها أميين من عامة الشعب، وكان على رأس هذه المدرسة سعد دبل ومحمد الحصري.  وكان المستوى الثقافي والفني لهذه المدرسة متدنيا، لكن مع تطور هذه المدرسة وصل بها الحال مع وجود الشيخ الشلموني والمسلوب إلى أعلى درجات الفن الراقي مع عثمان (1855-1900) وعبده الحامولي (1840-1901) اللذين أوصلا الموشح والدور إلى أعلى درجات تطورهما خاصة في تراث محمد عثمان وأدواره الخالدة: كادني الهوى، عشنا وشفنا، يا ما أنت واحشني، أصل الغرام نظرة وغيرها. وموشحاته العظيمة : ملا الكاسات وأتاني زماني وغيرهما. وتلك الفترة (نهاية القرن الثامن عشر) ظهر قالب كان له أشد الأثر في تطوير الموسيقى العربية وهو "القصيدة".  ومن أوائل القصائد التي نعرفها من الأسطوانات التي بدأ طبعها في مصر سنة 1903 قصيدة أراك عصي الدمع شعر أبي فراس الحمداني وقد سجلتها أم كلثوم سنة 1928 بعد وفاة معلمها أبي العلا محمد سنة 1927. إن أهمية هذه القصيدة تأتي من أنها أول قصيدة معروفة في تاريخ الموسيقى العربية حيث يصاحب العزف والغناء إيقاع الوحدة الكبيرة. وأكبر برهان على أن الإيقاع كان في أساس تلحين القصيدة ولم تدخل تسجيل أم كلثوم هو أن كلام القصيدة مقطع حسب إيقاع الوحدة الكبيرة.  إلى جانب القصيدة الموقعة كانت هنا القصيدة المرسلة أي التي تغنى من غير آلة إيقاع والآتية مباشرة من رحم التجويد القرآني، والذي أبدع فيها المغني المسرحي الكبير الشيخ سلامة حجازي.

إن ما وصلت إليه الموسيقى العربية في بداية القرن العشرين والتي سلمها زعماء القرن التاسع عشر عثمان والحامولي إلى الجيل الجديد من الملحنين الشباب كان نتيجة التزام هذين العظيمين بما سبقهما من تراث الملحنين السابقين لهما منذ بداية النهضة الموسيقية الغنائية في الربع الأول من القرن التاسع عشر على يد محمد عبد الرحيم المسلوب والشيخ شهاب الدين محمد إسماعيل.

 

نقلاً عن شؤون عربية

.