أسمهان: موسيقى الصوت ودراما الغناء

. مقالات

أسمهان: موسيقى الصوت ودراما الغناء

مروة متولي

ترك موت أسمهان عام 1944 فراغاً هائلاً في الحياة الموسيقية وفي الغناء العربي، الذي فقد صوتاً أنثوياً لا مثيل له، والسينما التي حرمت من الحضور الملكي الأنيق، والوجه الجذاب الذي تحبه العين، ولا تمل من رؤيته، هذه الجميلة الفاتنة أتت إلينا يوماً من سوريا - أو الشام كما يقال في مصر - لكي تعيش معظم سنوات عمرها القصير على أرضها، وتموت غرقاً في مياه نيلها، ثم تدفن في ثراها إلى الأبد، وبعد عقود يدفن إلى جوارها شقيقها فريد الأطرش كما أوصى.  

ومن المؤلم أن نرى أسمهان في فيلم «انتصار الشباب» على ظهر حصان تتجول في الريف المصري، بجوار أحد فروع نهر النيل الصغيرة «ترعة» ونسمعها في لحن فريد الأطرش «ايدي في ايدك تسير والمولى راعيها» الذي صاغه في شكل هو أقرب إلى اللون الفلاحي، وهي تغني للأرض الزراعية وتقول: «والنيل ساقيها ميه حياة النفوس» بينما لم تكن تعلم أن في هذه المياه سيكون موتها الفاجع، وأنها ستغرق يوماً في فرع صغير من فروع النهر، يشبه الذي كانت تسير إلى جواره، لكنه سيكون في المنصورة، التي كان لا بد من المرور بها، من أجل الذهاب إلى دمياط حيث توجد مدينة رأس البر على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، المصيف الذي كانت تود الذهاب إليه مع صديقاتها.

كانت مصر مسرحاً لهذه الحكاية القدرية المأساوية، أو جريمة القتل المتعمدة، وشاهداً على هذا الجمال الصوتي النادر، الذي احتفظت منه بالقدر الذي تستطيع، أو الذي سمح به الزمن، ويأتي الجيل بعد الجيل ليتعرف على هذا الصوت، وهذه الحكاية، فلا يكون إلا أقصى درجات الإعجاب والافتتان، التي يلازمها الشعور بالحسرة ومرارة الفقد المبكر، لموهبة كان بإمكانها أن تحقق المزيد من المعجزات الفنية.     

وفي أحد حواراته التلفزيونية، يقول فريد الأطرش بجدية شديدة نفهمها تماماً: إنه كان سيقدم مع أسمهان لو قدر لها أن تعيش، أعمالاً خطيرة، ثم كرر كلمة «خطيرة» وأكد عليها، وكان معه كل الحق في ما قال، ولنا أن نتخيل ماذا لو عاشت أسمهان.

من الصعب الكتابة عن أسمهان، على الرغم من أن ما تركته من أغنيات لا يعد كثيراً، لكن كل أغنية تستحق أن يكتب عنها بشكل منفرد.  أما صوتها فهو كالشيء الثمين النادر، الذي نقترب منه بحذر شديد، ونخشى وضوح جماله الساطع الباهر.

وماذا يمكن أن نقول عن هذا الصوت؟ هل نقول إنه موسيقى قائمة بذاتها؟ أم إن صوتها هو آلتها الموسيقية الخاصة؟  وإن أوتار حنجرتها إنما هي أوتار تلك الآلة؟ ونتساءل هل أسمهان صوت يغني؟ أم نفس تغني؟ أم روح تغني؟ هي كل ذلك لأنها تجمع بين جمال الصوت وإحساس النفس، وغموض الروح، ونرى إن أسمهان لم تكن صنيعة الملحنين كما يحاول أن يصورها البعض، بل كانت هبة سماوية لهؤلاء الرجال الذين لحنوا لها.

وعلى صعيد الغناء كانت هي الصوت الأنثوي الذي يستطيع أن ينافس الرجال، ويجبر الجميع على أن يأخذ هذه المرأة الجميلة على محمل الجد، ونظن أن أسمهان تتفوق صوتياً على محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وكلاهما لحن لها، وإن كان لفريد النصيب الأكبر من أغنياتها بطبيعة الحال، أما عبد الوهاب، فربما كان أول من لحن لها، حيث عرف الجمهور بشكل واسع صوتها لأول مرة من خلال فيلمه «يوم سعيد» عام 1939 وهي لم تظهر في الفيلم، لكنها حاضرة بغنائها المشترك مع عبد الوهاب في «مجنون ليلى»، فنستمع لصوتهما بينما نشاهد غيرهما يتظاهر بالغناء في أداء تمثيلي لدور قيس وليلى، وفي الفيلم نفسه أيضاً نستمع لصوت أسمهان في أغنية «محلاها عيشة الفلاح».

بعد هذا الظهور الصوتي بعامين سيتحقق الظهور الكامل لأسمهان في السينما، من خلال فيلم «انتصار الشباب» عام 1941، ويا له من ظهور، كان حدثاً سينمائياً وموسيقياً وغنائياً، لا يقل أهمية عن ظهور عبد الوهاب لأول مرة في فيلم «الوردة البيضاء» عام 1933، وفي كل من الفيلمين ترتسم صورة جديدة للفنان والمغني تحديداً، الذي يرغب المجتمع في الاستمتاع بفنه، بينما لا يريد أن يمنحه الاعتراف الاجتماعي، ويحرمه من الزواج بمن يحب، ويرى أن مصاهرته لا تشرف، لكن كانت مهمة أسمهان هي الأصعب بكل تأكيد لأنها امرأة، وشتان بين أسمهان في فيلمها الأول وفيلمها الثاني والأخير «غرام وانتقام» 1944 الذي كان مشؤوماً إلى درجة أنها لم تكمل تصويره وتوفيت أثناء العمل فيه، واضطر صناع الفيلم إلى تغيير نهايته من سعيدة إلى مأساوية، ولا تباين في مستوى الغناء الرفيع في الفيلمين، لكننا نرى التباين كل التباين في أداء أسمهان التمثيلي، حيث تمثل في «انتصار الشباب» بارتياح كبير، وشعور بالأمان والاطمئنان إلى جوار شقيقها فريد. والفيلم يصور جانباً من حياتهما الفعلية ورحلة الكفاح والشقاء، مع الكثير من التغييرات بالطبع، حيث يبدأ بمشهد قدومهما إلى مصر على متن باخرة، وتكون أول كلمات أسمهان معبرة عن خوفها من الشعور بالغربة، فيرد عليها فريد، الذي أحب مصر من أعماق قلبه، رغم كل شيء، قائلاً: «غربة في مصر؟ مصر وطن كريم لكل شرقي ضاقت بيه الدنيا»، ويمكن للحديث عن هذا الفيلم ألا يتوقف، نظراً لأهميته الفنية والموسيقية والإنسانية، فكم هي مؤثرة تلك المشاهد رغم بساطتها التي تجمع فريد بشقيقته، التي كان يلعب دور شقيقها في الفيلم أيضاً، ونكاد نرى كيف كانت حياتهما في الواقع، عندما نرى أسمهان تعتني بشقيقها وتحتضن ثيابه قبل أن تساعده على ارتدائها، وتهتم بمظهره وأناقته، أو عندما نرى حمايته لها ووقوفه إلى جانبها في الصعاب التي تعصف بزواجها، وفي هذا الفيلم نرى أسمهان على طبيعتها بلا تكلف أو مبالغة في الأداء التمثيلي المصطنع، وما أجمل أن نستمع للهجة المصرية من فمها، بصوتها الساحر عندما تتكلم أيضاً لا عندما تغني فقط، وما ألطفها عندما تكون غارقة في الضحك الطبيعي، الذي لا تستطيع أن تقاومه وهي تشاهد ماري منيب، توبخ إحدى معجبات فريد الأطرش على الهاتف.

واللافت في أسمهان تلك المرونة الكبرى في الأداء، والانتقال من ملحن إلى آخر، ومن نوع موسيقي وقالب غنائي إلى آخر أيضاً، بصوت لا تنتهي صفاته، فهو ذكي، مضيء، جذاب، دافئ

ومن المؤثر أيضاً أن نرى فريد الأطرش، الذي قام بتلحين جميع أغنيات الفيلم، وهو يمنح كل شيء لشقيقته الصغرى، ولا يكاد يمنح نفسه شيئاً، ويسخر كل موهبته العظيمة في سبيل صوتها، الذي يدرك قيمته وأهميته، كفنان ذكي كان مخلصاً للفن بشكل نادر، كما نراه في هذا الفيلم وهو يشق طريقه الموسيقي بأسلوبه الخاص، بشكل فطري نابع من الروح، ونجد إن فريد هو فريد، وكأننا نستمع لبدايات أحلامه الموسيقية، التي تطورت في ما بعد، لكن ستبدو معظم ملامح تصوراته الأساسية للموسيقى العربية كما يحب لها أن تكون، فينطلق طموحاً مجرباً واثقاً من فنه، مبتكراً لأفكار جديدة في كتابته الموسيقية، ومظهراً لثقافته الرفيعة، ولأول مرة نرى الأوركسترا الكاملة في فيلم عربي، كما انتقل فريد في هذا الفيلم بفن الأوبريت من المسرح إلى السينما وهو ما لم يفعله أحد من قبله، وقدمه بشكل يمنحنا تصوراً عن الشكل الذي كان يقدم به على مسرح نجيب الريحاني، إلى درجة أنه يبدو كأوبريت يعرض على المسرح وتم تصويره سينمائياً، وقد تم اختصار الأوبريت الذي يحمل اسم «انتصار الشباب» أيضاً، إلى ما يقترب من نصف ساعة، ويحتوي على حوار تمثيلي، إلى جانب الغناء والإلقاء الملحن، وفيه شخصيات وقصة وعقدة درامية وحل مفرح، وكان جميلاً تعاونه مع العظيم بديع خيري، الذي كان يكتب لسيد درويش ونجيب الريحاني، وكتب أيضاً لأسمهان أكثر من أغنية منها «عليك صلاة الله وسلامه»، أما أسمهان في هذا الأوبريت، فإنها تذهلنا بصوتها وأدائها الأوبرالي، الذي يصاحب الثيمة الموسيقية الرئيسية (أي الفكرة الأساسية) في الأوبريت، وما تأتي به من تقنيات صوتية، نراها أجمل من تموجات صوت السوبرانو في الآريا الشهيرة «ليبيامو» من أوبرا لا ترافييتا لفيردي.

واللافت في أسمهان تلك المرونة الكبرى في الأداء، والانتقال من ملحن إلى آخر، ومن نوع موسيقي وقالب غنائي إلى آخر أيضاً، بصوت لا تنتهي صفاته، فهو ذكي، مضيء، جذاب، دافئ، ناعم، نقي، حر، إلى ما هنالك من صفات، وهو صوت السوبرانو، الذي يمكنها من غناء كل شيء، حيث إنه أعلى صوت أنثوي يستطيع غناء النوتات المرتفعة، ويتميز لديها بقوة جانبيه الشاعري والدرامي، وإن كان الدرامي عظيماً بتأثيره وقدرته على التعبير عن التوتر والعواطف والنزعات النفسية المختلفة، كما في أغنية «نويت أداري آلامي». ولأسمهان حكاية فنية مع كل من فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي، وتتجلى بشكل عام في غنائها لألحانهم جميعاً، قدراتها الصوتية وإجادتها لبعض التقنيات مثل «كولوراتورا» حيث تندفع النوتات وراء بعضها بشكل سريع في مدى صوتي وعاطفي واسع بتلوين بديع، وما تفعله من تنغيم وتكثيف متصاعد، وفق خيالها الخاص، الذي يمنح الكلمات والموسيقى أبعادا أخرى، ويذهب بها نحو آفاق أرحب ربما لم يصل إليها خيال المؤلف والملحن، وتذكرنا قدرتها على الزخرفة الصوتية المتقنة، وإضافة الحليات إلى الغناء بموسيقى هاندل وعصر الباروك، ويذهلنا صوتها في انطلاقه نحو نوتة «سي» الرفيعة وغنائها السريع ووقفاتها الحادة الصارمة، كضربات قوس الكمان المحسوبة بدقة على الأوتار، وتذهلنا أيضاً بمساراتها الصوتية الناعمة الهابطة إلى الأسفل بشكل جميل، وعندما نستمع لها في لحن «يا طـــيور» للقصبجي، وكيفية استخدامها لتقنية «ستكاتو» في غناء النوتات المتقطعة المنفصلة عن بعضها، لكنها متلاحقة بشكل متصل يوحده ثبات الحنجرة، نتساءل ماذا لو في زمن آخر استمع فيردي أو روسيني لصوت أسمهان؟

 

نقلاً عن القدس العربي

.