التربية الموسيقية وآفاقها الجديدة في المغرب

. مقالات

التربية الموسيقية وآفاقهاالجديدة في المغرب

عبد القهّار الحجَّاري[1]

التربية الموسيقية هي المجال الذي تلتقي فيه التربية بالموسيقى، فيتضافران معا لإكساب المتعلم القيم والقدرة على الاختيار، ومساعدته على تطوير ذكاءاته وبناء كفاياته العرضانية أساسا، وهذه هي طبيعتها التي تجعلها تؤلف بين نحو اللغة الموسيقية والنشاط الفني الهادف إلى بناء الشخصية، خلافا للتعليم الموسيقي المتخصص الذي يرمي إلى ولوج منتديات علم الموسيقى من أجل الاحتراف وبناء الكفايات النوعية بناء متينا وعاليا.

نساهم في هذا المقال بتوضيح الفرق بين العرضانية والنوعية في الكفايات الموسيقية، وتسليط الضوء على المنهاج المغربي لمادة التربية الموسيقية، لاستشراف آفاقها الجديدة

إن الوقوف مليا عند الطبيعة الخاصة لمادة التربية الموسيقية يساعدنا على فتح آفاق جديدة لتدريسها وتعميمها، لتأخذ مكانها إلى جانب المواد الدراسية الأخرى، وتتبوأ المكانة التي تستحقها.  ولا نعتقد أن أحدا يمكنه أن يرى ازدهار التربية الموسيقية في أسرها في النزعة العلمية الصارمة، حيث يصير نحو اللغة الموسيقية هو الهاجس الأول للتعلم، وفي نفس الوقت لا نشاطر الرأي من يدعو إلى اختزالها في حفظ وتلقين وترديد الأناشيد وتقليد المعزوفات بالاعتماد فقط على السمع، من دون أي معرفة صولفائية كفيلة بتعميق فهم المتعلم لمنطق الموسيقى، ورفع مستوى تذوقه وتحليله لمتونها المنوتة (أي المدونة بالنوتة)، فالتعلم في التربية عموما متى ابتعد عن الجفاف والملل والإغراق في التجريد وصرامة القواعد، وارتبط باللعب والاستمتاع، مع بناء المفاهيم تدريجيا، أصبح ناجحا أكثر، وكلما استفاد من الطرائق الفعالة صار بدوره فعالا، وهذا قول ينطبق أيضا على التربية الموسيقية التي توفق بين معطيات كل من علم الموسيقى وعلوم التربية.  لكن الإفراط في التوجس من القواعد كثيرا ما يكون منطلقا لاستبعاد النوتة واختزال الدرس الموسيقي في أنشطة تقوم على الذاكرة أساسا، وهو ما يعطل مهارة القراءة الصولفائية ويحجز قدرات الفهم والتحليل والتركيب والاستقراء والاستنباط والمقارنة والاستنتاج والتذوق... وهي قدرات ترتبط بالكفايات العرضانية، والتركيز على الذاكرة وحدها لا يخدم بناء الكفايات، خاصة في غياب الوعي البيداغوجي بها وضعف القدرة على تجسيدها في الإنجاز.

لقد عرف حقل البيداغوجيا بالمغرب دينامية لافتة مع تبني المقاربة بالكفايات في مطلع العشرية الأولى للألفية الثالثة، واغتنى المنهاج بشكل عام ومنهاج التربية الموسيقية بشكل خاص بالكثير من الكتابات، سيما وقد تقرر اعتماد صيغة التأليف المتعدد للكتاب المدرسي على أساس برنامج دراسي واحد منذ سنة 2003 وكانت جهود يونس الشامي في منهاج التربية الموسيقية بارزة في إطار لجنة البرامج والمناهج بالوزارة؛ كما في صياغة الكتاب الأبيض، ووضع البرنامج الدراسي وديداكتيك مكونات التربية الموسيقية، وأيضا في تأليف الكتاب المدرسي منذ كتابه "صول فا" بالاشتراك مع مارسيل كورنيلو سنة 1999، إلى كتابه "المختصر المفيد في التربية الموسيقية" بمختلف طبعاته ومستوياته سنتي 2004 و2005 وبالاشتراك جزئيا مع توفيق حميش. وقد اعْتُمِدَتْ في نفس الفترة إلى جانب "المختصر" كتب "الجديد في التربية الموسيقية" لعبد النبي انحيلة وعبد الرحيم بوفوس، و"رياض التربية الموسيقية" لمحمد بنعدو ومصطفى بنريسول.

إن هذا الثراء نجده كذلك في الكتاب المدرسي للتربية الموسيقية، باعتباره وسيطا ديداكتيكيا يسهل نقل المعرفة الموسيقية وبناء المهارة من طرف التلميذ وبمعية مدرسه، وكانت وراءه جهود تأسيسية لوضع وإغناء برنامج التربية الموسيقية بالمغرب، ولا يمكن شطب ذلك كله بجرة قلم واختزال المادة في الحفظ والتلقين وشحن الذاكرة.

يصعب الحديث عن المنهاج الدراسي Curriculumفي غياب الانسجام والاتساق بين مكوناته، لأنه تصور في التربية، يتصف بالشمول والتكامل، ورؤية منسجمة يُفترَضُ أن تتأسس عليها البرامج الدراسية. ويستند إلى مرجعية علمية وبيداغوجية واضحة،وينهض المنهاج الدراسي المغربي على ثلاثة مداخل؛ التربية على القيم، التربية على الاختيار، وبناء الكفايات وتطويرها، وهي من جملة الاختيارات والتوجهات العامة التي يرتكز عليها الإصلاح الجديد للنظام التربوي المغربي.

 

٭مدخل التربية على القيم: تلعب التربية الموسيقية دورا هاما في التنشئة على القيم، باعتبارها تربية قائمة على الفن الذي يهدف إلى تهذيب الذوق والسلوك وتحقيق سمو النفس وغرس الفضائل والأخلاق النبيلة لدى أفراد المجتمع من أجل تحقيق التعايش وقبول الآخر وتقوية روح التعاون والتفاهم ... ويعتمد المنهاج الدراسي على صنافة القيم التي تم إعلانها كمرتكزات ثابتة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ووضحها الكتاب الأبيض وهي كما يلي :

قيم العقيدة الإسلامية.

قيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية.

قيم المواطنة.

قيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية.

لكل مجتمع منظومة قيم تنسجم مع هويته الحضارية وتاريخه. ومنظومة القيم الكونية محصلة الفكر الإنساني والتجربة الإنسانية على كوكب الأرض، حيث لا يكاد يختلف عليها الإنسان في شتى أنحاء المعمور بالرغم من الاختلاف الثقافي والديني والحضاري. وتظهر هذه المنظومة من خلال تطور البيداغوجيا الحديثة المذهل، من نظريات للنمو والتعلم والتربية بدءا من السلوكية إلى الكفايات فالإدماج وصولا إلى "بيداغوجيا المعلوميات" كما يسميها محمد خرباش في مقالة له حول تكنولوجيا الإعلام والتواصل في التدريس والتعلم بالعدد الثالث من مجلة دفاتر التربية والتكوين التي يصدرها المجلس الأعلى للتعليم، مرورا بمعطيات هائلة في علم النفس التربوي وسوسيولوجيا التربية كالبنائية والفارقية ودينامية الجماعات والقياس السوسيومتري... كلها تحرص على ترسيخ القيم التي يحتاج إليها الإنسان الكوني المنشود في المستقبل، المتجاوز لهمجية أجداده الذين تسلطوا على الطبيعة والبشر، وصار الإنسان في حاجة إلى ثقافة للتسامح والاعتراف بالآخر وقبول الاختلاف والحرية واحترام الطبيعة والبيئة... منها:

-       تنشئة المتعلم على احترام تعاليم دينه، وحب وطنه، والاعتزاز بأمته وبمقوماتها الحضارية

-       تربيته على الشعور بالمسؤولية  والإخلاص في أداء واجبه

-       غرس حب النظام واحترام القانون في نفسه

-       تنشئته على حب العمل وإتقانه

-       تربيته على الاجتهاد والمثابرة واعتماد الوسائل الشريفة لفرض الذات والوصول

-       تنشئته على الاعتماد على النفس والاستقلالية في الرأي

-       تنمية روح التعاون والتآزر والتضامن لديه في العمل الجماعي

-       ترسيخ روح التسامح في نفسه بتنشئته على احترام ثقافة الغير وخصوصياتها وقبول الانفتاح عليها.

٭مدخل التربية على الاختيار: تحقق التربية الموسيقية مدخل التربية على الاختيار من خلال ما تثيره في نفس المتعلم من فضائل وميولات إيجابية وعبر مساهمتها الفعالة في تقوية شخصيته وتحقيق استقلاليته في التفكير واتخاذ القرار. إن التربية على القيم والاختيار واتخاذ القرار لا ينفصلان عن بعضهما البعض في المنهاج الدراسي المغربي،باعتبارهما يستهدفان بناء الذات في كليتها وشموليتها. فالاختيار واتخاذ القرار في مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض، وبصفة خاصة الوثيقة الإطار، يهمان عدة جوانب مرتبطة بالمتعلم في علاقته بذاته وبالمحيط.  وذلك أن بناء ذات المتعلم يستلزم التوازن النفسي والاجتماعي والعاطفي والسلوكي. كما يستوجب كل هذا، فضلا عن ذلك، التربية على الاستقلالية، والوعي بالواجبات والحقوق الفردية والجماعية والتحلي بالمبادرة وتحمل المسؤولية... ويرتبط هذا الجانب بقيم المواطنة المسؤولة والفاعلة؛ تتجلى التربية على الاختيار واتخاذ القرار في العلاقة مع الغير متمثلة في احترام الرأي المخالف والتسامح والعمل الجماعي، والانخراط في المشاريع الفردية والجماعية؛ إن التربية على الاختيار واتخاذ القرار تستهدف تكوين مواطن مسؤول متضامن مدافع عن القضايا التي تهم الجماعة كالقضايا البيئية والوطنية، مواطن متشبع بقيم الواجب والاحترام والتسامح... الخ.

٭مدخل بناء الكفايات: منذ كتابنا "مدخل إلى التربية الموسيقية" الصادر سنة 2001، حاولنا ومن خلال البحث أن نساهم في صياغة الكفايات النوعية والعرضانية لمادة التربية الموسيقية، بالأسلاك الثلاثة (ابتدائي وإعدادي وثانوي)، انطلاقا من حد الكفاية الموسيقية باعتبارها "مستوى عال من الأداء. تظهر من خلال الإنجاز performance"، حيث يكون المتعلم أمام وضعية مركبة، تتطلب منه إدماج مكتسباته من أجل إيجاد حل لها. فيستنفر من أجل ذلك معارفه وخبراته وتجاربه ويعبئها. ويسخر لهذا الغرض مجموعة من القدرات capacités  التي تتوزع انسجاما مع أبعاد الشخصية الثلاث : المعرفي، الحس-حركي، الوجداني إلى : قدرات معرفية، قدرات مهارية وقدرات وجدانية. ولا تبنى الكفاية الموسيقية إلا عبر صيرورة تعلمية طويلة ومعقدة تتدخل فيها عدة عوامل ذاتية، لها صلة بالذكاء الموسيقي والدينامية النمائية- التعلمية. وموضوعية لها علاقة بظروف التعلم والتربية الموسيقية الأسرية والمجتمعية المحكومة بطبيعة المجتمع وثقافته الموسيقية.  وتنقسم الكفايات إلى نوعين رئيسين: كفايات نوعية وكفايات عرضانية.نبينها كما يلي:

٭    الكفايات النوعية (الخاصة): هي الكفايات الخاصة التي ترتبط ببعدين لتكوين شخصية المتعلم، البعد المعرفي، والبعد المهاري الحس- حركي. والبعد الوجداني. فهي كفايات معرفية وكفايات تقنية مهارية وكفايات وجدانية. مع وجود ترابط وثيق بينها بالرغم من هذا الفصل المنهجي.

1.    كفايات معرفية :  لها صلة بالبعد المعرفي وتخص التمكن من المعارف والمفاهيم الموسيقية، تمكنا نظريا عمليا عبر قدرات تظهر في الإنجاز ومن خلال أنشطة أساسية كالغناء والعزف والاستماع والإبداع. بمعنى أنها كفايات مرتبطة بالممارسة الموسيقية العملية.  فالمفاهيم المتعلقة بالتعدد الصوتي Polyphonie مثلا كالمسافة اللحنية والمسافة التوافقية والانسجام والطبقات الصوتية والطابع الصوتي... لا يدرسها الطالب كمعارف مجردة وإنما هي في صميم الممارسة والتطبيق من خلال دروس نظرية الموسيقى والقراءة الصولفائية والتداريب المنتظمة في إطار الفرقة أو الأداء الفردي.  ونفس الأمر ينطبق على كل المفاهيم والمكتسبات النظرية من قبيل التعبير والأسلوب والمقام وطبيعته والانتقالات المقامية والمسافات والإيقاعات البسيطة والمركبة والقوالب الموسيقية...إلخ. ومن ذلك:

بناء المفاهيم واكتساب مصطلحات اللغة الموسيقية وتوظيفها توظيفا صحيحا

توسيع الثقافة الموسيقية العامة بالتعرف على أبرز مراحل تاريخ الموسيقى وكبار المؤلفين وأهم أعمالهم.

امتلاك القواعد الموسيقية والقدرة على تطبيقها

2.    كفايات تقنية مهارية : يرتبط هذا الصنف من الكفايات الموسيقية بالبعد الحسي – الحركي. ويستهدف تطوير القدرات المهارية كالقراءة الصولفائية من خلال الدروس المتدرجة في القراءة الإيقاعية. والتنغيم من خلال تمارين التنغيم المكتوبة وفق منهجية متدرجة أيضا. والتنويط من خلال الإملاء الموسيقي والغناء والعزف والاستماع والإبداع وتقنيات كل منهما. ومن أمثلة هذا الصنف من الكفايات: 

تربية السمع عن طريق الإملاء الموسيقي والإنصات إلى الأعمال الموسيقية وتحليلها

تقوية مخارج الحروف وتحسين النطق

  تنمية القابلية للاستمتاع بالموسيقى وممارستها

القدرة على تشخيص المعاني بالنطق والإيماء والحركة خلال أدائه الصوتي

تقوية الذاكرة الموسيقية عن طريق حفظ الأعمال الموسيقية

3.    كفايات وجدانية: لها علاقة بوجدان المتعلم وأحاسيسه وشعوره، ويستهدف هذا الصنف من الكفايات تطوير قدرات داخلية كالحس الجمالي والإبداعي وتقوية الذاكرة، وحب الحياة والجمال  والخير والإقبال عليها بكل إيجابية. ويظهر هذا الصنف من الكفايات في: 

القدرة على الشغف بالجمال الموسيقي

ترقية الذائقة الموسيقية الجمالية             

  تنمية القابلية للاستمتاع بالموسيقى وممارستها

تنمية روح الابتكار

تقوية الذاكرة الموسيقية عن طريق حفظ الأعمال الموسيقية

تقوية الاستعداد للتشارك والتعاون في العمل الموسيقي

٭   الكفايات العرضانية (الممتدة): تعتمد التربية الموسيقية الحديثة على الطرائق البيداغوجية الفعالة Méthodes actives  في تحقيق عملية إدماج التعلمات ضمن صيرورة التراكم الكمي والنوعي للمكتسبات وبناء المفاهيم وتطوير القدرات من أجل تكوين الكفايات وتثبيت القيم الأساسية التي يحتاج إليها الناشئ في بلورة شخصيته.  الكفايات الممتدة العرضانية أو المستعرضة هي ترجمات مختلفة لـ compétences transversales) لها علاقة وطيدة بالتربية الموسيقية، ونجد منها: كفايات استراتيجية، كفايات منهجية، كفايات تواصلية، كفايات تكنولوجية، كفايات ثقافية.

1.    الكفاية الاستراتيجية: تطور الموسيقى وبشكل دقيق مفهوم الزمن عند الطفل وتعمق وعيه بالمكان باعتبارها تقوم بالدرجة الأولى على عنصرين أساسيين: الزمن Temps والمسافة Intervalle. فإدراكه القيمة الزمنية للنوتة سواء أكانت صوتا أو صمتا وتحديد تموقعها في المقام الموسيقي بصيرورة تعلمية متدرجة من العام إلى الخاص، من الكلي إلى الجزئي، من البسيط إلى المركب، يراكم لدى الطفل بشكل كمي ونوعي تعلمات قائمة على استهداف القدرة على الدقة في تحديد مفهوم الزمن والمسافة اللحنية والتوافقية وطبيعة المقام، معرفيا ومهاريا وبالتالي يمتد أثر هذا التعلم إلى تكوين قيمة وجدانية يتمثلها المتعلم في سلوكه. ويحاول أن يطبقها ويستفيد منها في حياته.  تتمثل من خلال الوعي والتموقع في الزمان والمكان واحترام الحدود مع الآخر والتكيف مع المؤسسات المجتمعية ومع البيئة وتعديل السلوك الاجتماعي من موقع فاعل إيجابي يساهم في رقي المجتمع.

ومن جهة أخرى تساعد قدرات التموقع التي طورها المتعلم في سيرورته التعلمية – النمائية، على تشرب مفاهيم التربية الموسيقية وقيمها. وتقبل الاندماج ضمن جماعة القسم في درس الصولفيج والغناء الجماعي أو العزف ضمن فرقة موسيقية، والتكيف مع الآخرين أفرادا ومجموعات. وقد ثبت من خلال تجربة التربية الموسيقية أن الحالات التي يظهر فيها واضحا ضعف القدرة على التموقع، سرعان ما يبدي أصحابها استعدادات هامة للتعلم والاندماج ضمن الحدود الدنيا لظروف ممارسة تربية موسيقية ناجحة.

2.    الكفاية المنهجية: من الجدير بالذكر أن الموسيقى تنهض برمتها على المنطق الرياضي، كما ترتبط بالعلوم خاصة بالفزياء وباللغة، ولها نظام رمزي خاضع لمنطق دقيق وصارم، يجعلها تتمتع بالطابع العلمي. ومن ثم فإن الكفاية المنهجية ذات صلة عميقة بالتربية الموسيقية لكونها تستهدف الرقي بالعمليات العقلية والتمكن من التفكير المنطقي السليم وممارسة الاستدلال واكتساب منهجية العمل وتنظيم التكوين الذاتي. وترتبط بالقدرات الفكرية كالقدرة على فهم الظواهر والوضعيات والقدرة على التحليل والتركيب وحل المشكلات والقدرة على التطبيق الخلاق للقواعد..

3.    الكفاية التواصلية: يستطيع المتعلم أن يبني مكتسباته الموسيقية معرفيا ومهاريا ووجدانيا، بالارتكاز على رصيده من الكفاية التواصلية، بحيث يتمكن من توظيف مختلف مكونات وقواعد التواصل، سواء أكان هذا الرصيد لغويا أو رمزيا، مما يمكنه من بناء وتطوير كفاياته الموسيقية باعتبارها أيضا شكلا من أشكال الخطاب التواصلي الفني، ينهض على نظام خاص من القواعد والرموز يعتمد على الشفهي (قراءة، تنغيم، غناء) والمهارة اليدوية (العزف) والكتابي (تنويط المدونات).

يكتسب الطفل من التربية الموسيقية قواعد التواصل الجيد والسليم مع الآخرين من خلال اكتساب ملكة النقد والنقد الذاتي. وعبر تعلم الإنصات وتمييز الأصوات المتعددة والطابع الصوتي لكل مصدر صوت موسيقي. وتَشَرُّبُ قيم قبول الآخر والاعتراف به وبحقه في الاختلاف. وتعلم الصبر وانتظار الوقت المحدد بدقة للمشاركة بالوصلة الفردية ضمن العمل الجماعي. كما يطور تعامله وعلاقاته الاجتماعية من خلال بنائه لمفهوم التعبير الموسيقي والحرص على وضوح الفكرة لديه وأثناء طرحها في عملية التواصل.

4.    الكفاية التكنولوجية: تستهدف هذه الكفاية تطوير القدرة على استخدام التكنولوجيا الحديثة في التربية الموسيقية، خاصة التقنيات والطرق الجديدة التي يوفرها الحاسوب والانترنيت، في البحث عن المعارف النظرية ومعالجتها وحفظها واستثمارها. والاستفادة من تقنيات الهندسة الصوتية المتطورة، وبرامج التكوين الذاتي وتسجيل ملفات الصوت والصورة، علاوة على برامج التنويط والإبداع الموسيقي الإلكتروني واستخدام الآلات الموسيقية المتطورة.

5.    الكفاية الثقافية: يتمكن المتعلم بالوصول إلى اكتساب هذه الكفاية بالانفتاح على الثقافة من موقع تميزه في مجال الموسيقى. فمن جهة يبني رصيدا ثقافيا هاما في الموسيقى النظرية معمقا بتجربته الدراسية العملية، يقوم بإغنائه عبر تطويره وتوظيفه واستثماره في البحث والعرض والمشاركة مع الآخرين والتمرن على المناقشة الجادة والبناءة. ومن جهة ثانية يرتبط تفكيره بآفاق واسعة تتصل بمختلف فروع الثقافة والفن وقضايا التغيير المجتمعي. ويكتسب عمقا فكريا وبعد نظر.

يتبين مما سبق أن التربية الموسيقية ليست هدفا في حد ذاتها، أي أن التلاميذ لا يسعون من ورائها كلهم إلى تعلم الموسيقى ليصبحوا موسيقيين، مثلما لا يصير مهندسا بالضرورة كل من يدرس الرياضيات، لكنهم يحتاجون إلى التربية الموسيقية ليطوروا بمساعدتها ذكاءاتهم وليكتسبوا القيم السامية، وليهذبوا سلوكهم وليبنوا تلك القدرات التي ليست خاصة بالموسيقى بل ترتبط بكل المواد الدراسية أو بالأحرى بالحياة كلها، والتعلم من خلال الموسيقى يتيح القدرة على التحليل والتركيب والفهم والتذوق والاستنتاج والاستقراء وفهم المنطق الداخلي الخاص بالظاهرة التي تواجه المتعلم أثناء وضعيات التعلم. ويحتاج تطوير هذه القدرات التي نعبر عنها بالكفايات العرضانية الممتدة إلى بقية المجالات إلى قدر هام من الكفاية النوعية للموسيقى خاصة نحوها وقواعدها اطلاعا وتطبيقا، قراءةً وفهماً وعزفاً وغناءً...

وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن الحياة المدرسية تكون حتما عقيمة من دون أنشطة تربوية ثقافية وترفيهية، وجافة ضحلة في غياب أنشطة موسيقية تأتي نتيجة الدراسة النظامية لمادة التربية الموسيقية؛ ولا يمكن للأندية التربوية في إطار الأنشطة الموازية أن تعطي أكلها الجيد في هذا المجال إلا على أساس دراسة الموسيقى كبقية المواد الأخرى في الفصول الدراسية الاعتيادية. ويصعب أن تحظى التربية الموسيقية بالاهتمام اللازم من طرف المتعلمين والآباء على حد سواء، ما دامت مادة دراسية ثانوية وغير إجبارية ومُعامِلُها بسيط في حال احتسابها في التقويم. ولذلك لا يحس بقيمتها أحد ولا يعيرها اهتماما إلا القليل ممن شغف بها خارج أسوار المدرسة. ولذلك لا بد أن تكون التربية الموسيقية مادة دراسية أساسية يطالَبُ بها جميع التلاميذ في جميع الأسلاك الدراسية من الأولي إلى العالي وفي جميع المؤسسات التعليمية من دون استثناء.

ولذلك نرى أن تدريس مادة التربية الموسيقية يجب حصوله وفقا للبرنامج الرسمي، مع مراعاة الحاجة التربوية إلى تمرير وتعليم القدر اللازم من القواعد الموسيقية إلى جانب أنشطة التذوق والتحليل الموسيقي وأنشطة الإنشاد والعزف، على أنه من اللازم العودة إلى اعتماد الكتاب المدرسي للتربية الموسيقية رسميا وتقويمه تقويما علميا دقيقا قبل أي تأليف جديد، وضرورة تحلي المدرسين بالاجتهاد وعدم التقيد الحرفي بالكتاب. ولأجل تحقيق أهداف المنهاج من خلال التربية الموسيقية لا بد من تعميمها في التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي والثانوي في أفق تعميمها في التعليم العالي، وعدم حرمان أي مدرسة منها، وجعل التربية الموسيقية مادة إجبارية وذات مُعامل هامٍّ من شأنه أن يعطيها المكانة التي تستحقها في التعلم والتقويم وفي الأنشطة الموازية على حد سواء.

                 


 



[1] باحث مغربي في علم الموسيقى

.