تعليم آلات النفخ الغربية بالمعهد العالي للموسيقى بسوسة بين الموجود والمنشود

. مقالات

تعليم آلات النفخ الغربية بالمعهد العالي للموسيقى بسوسة بين الموجود والمنشود

سعاد رورو - المعهد العالي للموسيقى بسوسة

تعتبر المدرسة العسكرية بباردو من أوّل المدارس المتخصصّة في تعليم آلات النفخ الغربية في تونس، وقد تأسست على يد أحمد باي سنة 1838 حيث أنّه سعى إلى إنشاء فرقة موسيقية عسكرية وتكوين نواة أولى من العازفين التونسيين على هذه الآلات. ولهذا الغرض، تمّ الاستعانة ببعض أساتذة الموسيقى الذين وقع استقدامهم من إيطاليا وفرنساعلى وجه التحديد، خصوصا وأن تجربة هذين البلدين في هذا المجال قد بلغت أشواطا كبيرة. ومنذ ذلك العهد، أصبح تعليم الآلات الموسيقية الغربية يشهد تطورا ملحوظا بعد أن أخذ يستند إلى مناهج علمية ذات أهداف واضحة ومحددة.

ويمكن القول إن تجربة تدريس آلات النفخ الغربيّة قد تواصلت خصوصا بعد إحداث المعاهد العليا للموسيقى، بدءا بالمعهد العالي للموسيقى بتونس الذي تأسس سنة 1982 حيث وقع تدريس آلتي الأوبوا والساكسفون، انتهاءً بالمعهد العالي للموسيقى بسوسة الذي تأسس سنة  1999، والذي يمكن اعتباره من أهم المعاهد التي أولت تدريس هذه الآلات عناية فائقة.

وعليه، ارتأينا تخصيص موضوع بحثنا لتجربة المعهد العالي للموسيقى بسوسة في تدريس هذه الآلات، وعلى هذا الأساس تبرز التساؤلات الآتية:

-         ما هي أهم الخصوصيات المميزّة لتعليم آلات النفخ الغربية بهذا المعهد؟

-         وما هي أبرز الإشكالات التي مثلّت عائقا في سبيل تنمية قدرات الطالب التقنية والتعبيرية؟

مع تأسيس المعهد العالي للموسيقى بسوسة، تمّ الاهتمام بتدريس بعض آلات النفّخ الغربية. ومن بين المدرسين الأوائل الذين درّسوا هذه الآلات نذكر مدرّس آلة الفلوت إبراهيم الحنّاشي الذي قام بتدريس آلتي الفلوت والساكسفون، وبعده التحقت بالمعهد أستاذة الفلوت أووانا  "Owana" التي قامت بتدريس آلتي الفلوت والساكسفون.  وفي فترة لاحقة، التحق بها مدرّس آلة الكلارينيت بافلين بانايوتوف "Pavlin Panayotov" الذي بدوره درّس آلة الكلارينيت وآلة الساكسفون وآلة الترومبيت.  ورغم أن عدد الطلبة محدود ولا يعكس التطلعات المرجوة والآمال المنتظرة، إلا أنّ هذه المرحلة كان لها دور مهّم في إرساء تقاليد تعليم آلات النفخ الغربية بالمعهد.

ويمكن القول إن سنة 2004 كانت سنة فارقة في مجال تعليم هذه الآلات حيث أن المعهد شهد نقلة نوعية تمثلت في تزايد عدد الاختصاصات المرتبطة بهذه الآلات. فبعد أن كان هذا التعليم مقتصرا على اختصاصيْن اثنين متمثِّليْن في آلتي الفلوت والكلارينيت، أصبح هناك خمس اختصاصات في آلات الفلوت والكلارينيت والساكسفون والترومبيت والكورنو.

وحتى يكون المعهد مسايرا لتطور هذا الاختصاص ومساعدا في إكساب الطالب للخبرات والمعارف اللازمة المرتبطة بهذا التخصص، سعى إلى القيام بمجموعة من الإصلاحات من بينها:

-        خلق تخصصات معرفية وعلمية جديدة.

-        فتح شعب جديدة وخاصة في اختصاص "الموسيقى والأداء" والذي كان من أهم مخرجاته تكوين طلبة متّسمين بالكفاءة والمقدرة العالية في هذا التخصص.

كما وقع إيلاء اهتمام للأنشطة المكملة لبرامج التدريس والمتمثلّة في التربصّات أو الورشات الفنيّة، والتي تعتبر شكلا من أشكال البرامج التعليمية المكثّفة، والتي تهدف إلى تزويد المشاركين بالمعلومات والمعارف والمهارات والتقنيات والخبرات الفنية بصورة معمّقة، الأمر الذي يصعب القيام به في إطار السير العادي لحصص التدريس النظاميّة، وهو ما ساهم في تنمية ثقافتهم الفنية؛ ونذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر:

-        التربص الصيفي في أوت (أي آب/أغسطس) 2009 بمدينة المنستير.

-        التربص بالمعهد العالي للموسيقى بسوسة في تشرين الثاني/نوفمبر 2009 تحت إشراف المدرسين الأجنبيين أندرياس رامسيار "Andres Ramseier" و بربرا جوست "Barbara Jos".

-        التربص بالمعهد العالي للموسيقى بسوسة في افريل (أي نيسان/أبريل) 2011 تحت إشراف مدرّس آلة الترومبيت الفرنسي آرنو ميونيير "Arnaud Meunier".

-        تربص الأوركسترا السيمفوني للمعهد تحت إشراف الأستاذ شادي الڤرفي بمدينة الحمامات في شهر آذار/مارس 2011.

-        التربص مع الأوركسترا الإيطالي تحت إشراف الأستاذ فيليبو آرليا "Filippo Arlia" بالمعهد في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2014.

-        التربص مع الأوركسترا الفرنسي تحت إشراف الأستاذ بيير إيف غرونييه "Pierre Yves Gronier" بالمعهد في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2017.

وقد ساهم المعهد العالي للموسيقى بسوسة كذلك في تطوير واقع تعليم وممارسة آلات النّفخ الغربية بالبلاد التونسية، من خلال تخريج نخبة مختصة من الطلبة المتميزين الذين أصبحوا بدورهم أساتذة اختصاص في هذه الآلات سواء بالمعاهد العليا للموسيقى بسوسة وتونس وقفصة، أو بالمعاهد الموسيقية الخاصّة أو التابعة لوزارة الشؤون الثقافية في كل من سوسة والمنستير وتونس.

ومع كل هذا، يمكن القول بأنه على الرغم من كل هذه الانجازات والتطورات التي حصلت فإنّ تعليم آلات النفخ الغربية ما زال لا يعكس الآمال المنتظرة مقارنة ببقية الاختصاصات، وما زالت تعترضه عديد الإشكالات.

ولحصر هذه الإشكالات، قمنا بطرح أسئلة الاستمارة على الطّلبة الذين قضوا سنة وأكثر من سنة في دراستهم لآلات النفخ الغربية، واهتمّ الاستجواب بالنقاط الآتية:

1.    الفئة العمرية لعازف آلة النفخ الغربية:

من خلال البحث في نسبة إقبال العازفين على تعلّم هذه الآلات حسب الفئة العمرية، لاحظنا تفاوتا عدديا هاما، حيث أن نسبة المقبلين على تعلّم الآلة في الفترة العمرية المتراوحة بين عشر سنوات وعشرين سنة كانت تمثّل حوالي ضعفي نسبة الطلبة الذين أقبلوا على تعلّم هذه الآلات في سن يفوق عشرين سنة حسب ما هو مبيّن  في الرّسم البياني الآتي:

هذه النسبة تجعلنا نطرح السؤال حول مستوى الطالب الذّي أقبل على تعلّم هذه الآلات في سنّ مبكّرة بين 10 و20 سنة، وبين الطالب الذّي أقبل على تعلمها في سنّ تفوق عشرين سنة.

وقد أجمع معظم المستجوَبين على أنّ التعلّم في سنّ مبكرة يجعل الطالب يتقدّم بشكل جيّد على مستوى التّقنية والتحكّم بالآلة، على عكس الذّين يتعلّمون الآلة في سنّ يتجاوز عشرين سنة والذين يرتبطتقدّمهم وتحسّنهم في العزف بجهد إضافي في التدرّب على الآلة.

2.    عدد ساعات التدرب على آلة:

من خلال الاستجواب، تبيّن أنّ 22% من الطلاب يخصّصون ساعتين فما فوق يوميّا للتدرب على الآلة، وأنّ 78% منهم يخصّصون ساعة أو ساعتين فقط في الأسبوع، ممّا يجعلنا نستنتج أنّ الوقت المخصّص للتدرب على الآلة لا يمكّن من الوصول إلى مستوى مرضٍ، خاصّة للذين شرعوا في تعلّم الآلة بعد الالتحاق بالمعهد العالي للموسيقى، وكانت أسبابهم في التقصير على مستوى التدرب كما يلي:

-        ساعة لدرس الآلة مع الأستاذ في الأسبوع غير كافية خاصة لطالب أصبح يمارس الآلة بعد الالتحاق بالمعهد العالي للموسيقى.

-        البحث المتواصل عن دقّة الدرجات دون مشرف للإصلاح يجعله ينفر من التدريبات.

-        عدم امتلاك الآلة للتدرب خارج المعهد.

-        عدم توفّر الوقت للتدرب نظرا لكثرة المواد المبرمجة الأخرى.

 

3.    المناهج البيداغوجية المعتمدة في تدريس هذه الآلات:

نتيجة لعملنا الميداني، استخلصنا أنّ مناهج تدريس هذه الآلات تعتمد بالأساس على التقنيات الغربية وذلك من خلال تدريس الطّالب مختلف الأنماط الموسيقية الكلاسيكية في مختلف عصورها. ومن جهة أخرى، تدرّس هذه الآلات بأسلوبها المستخدم في موسيقى الجاز، ولكن كمادّة اختيارية.

وقد تبيّن من خلال الإحصاء أنّ 67 % من الطلبة يعزفون رصيد الموسيقي الكلاسيكية فحسب، وأن 33% منهم يعزفون بالإضافة إلى ذلك موسيقي الجاز. وتجدر الملاحظة أن الامتحانات الأساسية تؤدّى وجوبا من خلال معزوفات من الرصيد الكلاسيكي دون غيره، ويبقى العمل على رصيد الجاز اختياريا ومقصورا على الطلبة المتقدمين في هذه الآلات.

4.    العزف في إطار مجموعات: 

إن ممارسة الطالب لآلته الموسيقية في إطار مجموعة تمكنه من تطبيق وتوظيف كلّ مكتسباته، وتجعله يسعى للتقدم في الأداء باستمرار.  وحسب الاستمارات التي قمنا بتوزيعها على الطلاب، لاحظنا أن أغلبهم ينتمون إلى مجموعات موسيقية تنشط داخل المعهد أو خارجه كما هو مبيّن في الرسم البياني الآتي:

 

 

إلا أن هذه المجموعات التي توظّف فيها آلات النفخ الغربية قليلة وغير متنوّعة، فالطالب داخل المعهد يمكن له ممارسة آلته إمّا في الأركسترا السيمفوني، وإما في مجموعة الجاز، وتنتهي مشاركته في هذه المجموعات بانتهاء السّنة الجامعية.  وبالنسبة للمجموعات التي ينتمي إليها الطالب خارج المعهد، فهي مجموعات ليست مستمرّة في عروضها، فعملها مرتبط بالمناسبات الاحتفالية، ونادرا ما توظّف فيها هذه الآلات.

5.    الصعوبات التقنية التي يتعرض لها الطالب عند العزف على آلته:

يتعرّض طلاب آلات النفخ الغربية لعدّة صعوبات تقنية عند ممارسة آلتهم، وتختلف هذه الصعوبات من طالب إلى آخر، وبشكل واضح بين الطلبة الذين عندهم دراية بالآلة قبل الشروع في دراستها بالمعهد والذين درسوها بالمعهد.  وتبين من خلال محاورتنا للطلاب الذين مارسوا آلتهم قبل المعهد أنهم وجدوا صعوبات في تقنية التنفس، والمساحة الصوتية، والتدرج من الشدّة إلى الخفوت، والدرجات المنفصلة والمترابطة، وعدم تمكّنهم من التقيد بالنص الموسيقى في بعض الأحيان. أمّا بالنسبة للطلبة الجدد في الآلة، فيمكن تلخيص إجاباتهم في أنّ الصعوبات تشمل جل تقنيات العزف لأنه حسب رأيهم وتجربتهم، يجب تخصيص أكثر من ساعة دراسية في الأسبوع لأن الطالب في المراحل الأولى من التكوين يحتاج لتوجيهات المدرس باستمرار حتى يتمكن من تقنيات العزف على آلته.

 

6.    رأي الطالب في المنهج المعتمد في تدريس آلته:

نلاحظ من خلال الرسم البياني الآتي أنّ محتوى برنامج تدريس آلات النفخ الغربية دون مستوى طموحات الطالب بنسبة 67%، وقد علق عديد الطلاب أن تعليم هذه الآلات يشكو من عدة نقائص ولا يساير طموح الطالب المتقدم في العزف على آلته.

 

7.    رأي الطالب حول النقائص التي يشكو منها تعليم آلات النفخ الغربية بالمعهد:

 

 

 

حسب النّسب التي تحصلنا عليها أعلاه، نلاحظ أن 50% من الطلاب يجدون نقائص على المستوى البيداغوجي في تدريس هذه الآلات، وذلك نتيجة لعديد النقائص التي يمكن تلخيصها في:

-        قلة الأساتذة المتخصصين في تدريس آلات النفخ الغربية،

-        مرور الطالب خلال فترة تكوينه على يد أكثر من مدرّس،

-        صعوبة التواصل اللغوي أحيانا بين المدرّس والطالب مما يعيق إيصال المعلومة،

-        عدم وضوح معالم المناهج المعتمدة لتدريس هذه الآلات، وهو ما يؤثر سلبا على تكوين الطالب من الناحيتين التقنية والتعبيرية،

-        عدم توفر منهج بيداغوجي واضح ومبني على أسس علمية وموضوعية في بعض التخصصات والذي من شانه وضع برنامج دراسي مضبوط يتماشى مع الفترة الزمنية لتكوين الطالب.

 ويرى 33% من الطلبة المستجوَبين أنّهم يجدون صعوبات على المستوى التطبيقي نتيجة عدم قدرتهم على اقتناء الآلة، وقلة الآلات الموسيقية الموضوعة على ذمتهم بالمعهد (آلة أو آلتان فقط لجميع الطلبة)، وكثرة المواد الدراسية، وضغط التوقيت الدراسي، وهو ما نتج عنه عدم إيجاد الوقت اللازم للتدرب، وعدم توفّر أطر لممارسة هذه الآلات باستمرار.

ومن جهة أخرى، بيّنت الاستجوابات أنّ نسبة 17% من الطلبة يعانون من نقائص على المستوى التقني، وتضمّ هذه الفئة بالخصوص الطلبة الذين بدأوا  في ممارسة الآلة بعد التحاقهم بالمعهد.

التوصيات

ومن خلال ما تقدم، ورغم هذه الإشكالات، يمكن القول إنّ تعليم آلات النفخ الغربية يعتبر مكسبا للمعهد العالي للموسيقى بسوسة. وعلى هذا الأساس، ووعيا منا بأهمية تعليم هذه الآلات، وسعيا لتطوير مستوى التكوين  والنهوض به، نقترح ما يلي:

-        وضع منهجية واضحة وبرنامج دراسي محدد يتماشى مع الفترة الزمنية لتكوين الطالب.

-        ضرورة إعادة النظر في محتوى ومناهج تدريس هذه الآلات حيث أن المدوّنات والتمارين الموسيقية الموجودة غير مسايرة للمحيط السمعي للطالب.

-        إعادة إحياء أوركسترا المعهد وتأسيس أوركسترا لآلات النّفخ، عِلماً أنّ ممارسة الآلة في إطار مجموعة تدعم وتطور مستوى الطالب في العزف، وتجعله يسعى للتقدّم باستمرار.

-        إنجاز تربصات خارج البلاد التونسيّة ليكتسب الطالب الخبرات اللازمة من خلال الاحتكاك بعازفين من مستوى مرموق.

 

وفي الختام، لا يمكننا إلا أن نكون متفائلين بمستقبل أفضل رغم كلّ النقائص والصّعوبات التي تعترض التكوين الموسيقي في هذا المجال.

.