لندن تحتفي بأسطورة الغناء المصري: أم كلثوم

. مقالات

هبة الكيال




مساء الاثنين 16/3/2020، اصطف المئات من سكان لندن، بمن فيهم العديد من عرب الشتات القاطنين في المدينة، خارج مسرح البلاديوم الشهير، بحماسٍ شديد لحضور العرض العالمي الأول لأم كلثوم والعصر الذهبي: مسرحية موسيقية، وهي موسيقى على الطراز الغربي عن حياة وموسيقى الأسطورة الموسيقية المصرية الراحلة.
ربما أظهر العديد من الحاضرين فضولاً بقدر ذلك الذي انتابني لمعرفة ما إذا كان أي تكيّف موسيقي لحياة أم كلثوم وموسيقاها يمكن أن ينجح في نقل جزء من جاذبية المطربة الراحلة وصداها الموسيقي. ففي النهاية، كانت تلك امرأة تقدّم حفلاتها الموسيقية في الخميس الأول من كل شهر بشكل يؤدي إلى إخلاء شوارع وميادين العالم العربي وتجمّع الناس حول أجهزة الراديو للاستماع لها.
كانت رواية المسرحية مثيرة وجذّابة في نقلها لنضال أم كلثوم والعقبات التي تغلبت عليها لتطوير حياتها المهنية. ومن الجوانب الأكثر نجاحًا، أن المسرحية الموسيقية نسّقت قصة حياتها، وربما يكون هذا السبب الذي ساهم في نجاحها لدى الجماهير غير العربية، إذا ما تم نقل هذا العرض لعرضه لمدة ليلة واحدة في نيويورك أو تمت برمجته لفترة أطول في لندن.
تسعى منى خاشقجي، مؤلفة العمل ومنتجته، وهي سعودية تقيم في لندن وترعى فنون العالم العربي، من خلال هذه المسرحية الموسيقية لمد الجسور بين الموسيقى العربية الكلاسيكية ورواية القصص المعاصرة، وتطمح لجعل موسيقى أم كلثوم أكثر إرتباطًا بالجمهور الأصغر سنًا. من الملاحظات الشخصية في تلك الليلة، أرى أن مسرحية خاشقجي الموسيقية نجحت في إنشاء قاعدة جماهيرية جديدة للكثيرين مثلي – ممّن كانوا على علم بتاريخ وموسيقى أم كلثوم، ولكنها فشلت في فهم ما جعلها مميّزة. لقد كانت الأغاني المكتوبة والمؤدّاة قبل ولادتي آسرة، ولا تزال كلماتها عن الفقدان والحب والأمل ذات صلة.

صعود من خلفية متواضعة
أصبحت أم كلثوم، المولودة عام 1898 في بلدة صغيرة في دلتا النيل، ظاهرة إقليمية. إذ لُقّبت باسم “الهرم الرابع” في مصر، ولم تلعب دورًا في جهود الرئيس جمال عبد الناصر الحربية ضد إسرائيل في عام 1967 فحسب، بل أصبحت أيضًا واحدة من الأفراد القلائل الذين تسلقوا للصعود في سلّم طبقات مصر الاجتماعية الصارمة ليَتساووا مع الطبقة الأرستقراطية في البلاد قبل الانقلاب العسكري عام 1952.

 




لأول مرة في لندن، يقدم عرض مسرحي غنائي عن أم كلثوم على مسرح البلاديوم الشهير.
بعد أن أغرم بها عامة الناس والنخب على حد سواء، استمدت أم كلثوم شعبيتها من صوتها الكونترالتو، أكثر الأصوات النسائية عمقا وندرة، الفريد وكذا من الطريقة التي قدمت من خلالها عروضها بقوة عاطفية طوال مدة الأغنية، والتي يمكن أن تستمر من 45 دقيقة إلى ثلاث ساعات. أسلوبها الفريد في الغناء المتكرر وترديد المقطع نفسه، ولكن بإعطائه طابعًا موسيقيًا مختلفًا في كل مرة يعني أن الأغنية لم تكن أبدًا فعلًا بسيطًا من التكرار بل كانت أداء متغيرًا باستمرار، يتغير ويتكيف مع الظروف العاطفية للمطربة. لم تغنِ عن الحب فقط، بل غنّت عن السياسة الوطنية والشؤون المجتمعية والأمل بمستقبل أفضل لمصر والعالم العربي ككل. وبتغطية سياستها من خلال الاستعارة والتلميح الغنائي لم تكن موسيقاها حول مصر فقط، بل تناولت مواضيع أكثر شمولاً وعالمية.
تروي مسرحية خاشقجي الموسيقية قصة صعود أم كلثوم منذ سنواتها الأولى عندما كانت تتنكر كصبي في طفولتها وترافق والدها، وهو شيخ متدين، إلى القرى المجاورة لأداء الأغاني والأناشيد الدينية. كان صوتها قويًا وجميلًا جدًا، وتم تشجيعها على التوجه إلى القاهرة للغناء في وقت كانت فيه مهنة الغناء للمرأة أمرًا مستهجنًا. تسرد المسرحية الموسيقية تفاصيل النضال العاطفي لوالد أم كلثوم، الشيخ إبراهيم، لقبول مثل هذا الاقتراح لابنته، وتجسّد شخصيته التغييرات العظيمة التي كانت ستؤثر على مصر في قبول امرأة مثل أم كلثوم ليس للغناء فحسب، بل للعب دور أكبر كقائدة فكرية في السياسة والمجتمع العربي، ولاسيما في ما يتعلق بقضية فلسطين.
رفع مستوى الهوية واللغة العربية
لم يكن صوتها ببساطة السبب في بروزها، بل نوعية الأغاني التي اختارت غناءها، إذ تعاونت مع بعضٍ من أشهر الشعراء وكتاب الأغاني في مصر. تُبرز المسرحية علاقتها بأحدهم، الشاعر أحمد رامي. مثّلت أعمال أم كلثوم علاقة تتطور باستمرار بين الموسيقى واللغة والشعر، وقد جلبت اللغة العربية الكلاسيكية إلى الصدارة بالنسبة للكثيرين في وقت كانت فيه الأميّة مشكلة متفشية في مصر. حيث ساعدت في رفع مكانة اللغة العربية مع دخول العالم العربي عصر ما بعد الاستعمار وأصبحت اللغة وسيلة لتأكيد الهوية الوطنية وبالتالي الذات الشخصية.
أبرزت المسرحية العروض الموسيقية التي قدمتها أم كلثوم في الخارج، وأبرزها حفل موسيقي في باريس عام 1967 حيث طلبت ضعف ما تتلقاه إديث بياف وتبرّعت بالمال للجيش المصري بعد هزيمة 1967. وتسببت مواقفها الوطنية مثل هذه في تعالي صياح وتصفيق الجمهور في لندن.
بحلول نهاية المساء، أصبح الأداء مثيرًا للحنين إلى المشاعر العربية التي وحدت جماهيرها ذات مرة، وخطر لي ذلك، أنه وإن كان قد يكون تافهًا، ليس لأن العالم العربي لم يعشق أحدًا بشكل لا لبس فيه مثل ما أحب شخصية أم كلثوم. يمكن القول أن محمد صلاح أصبح بطلاً إقليمياً لبروزه في صفوف عالم كرة القدم – لكن أليست مسائل القلب أكثر عالمية من حب مهارات كرة القدم؟

 

أبرز نقاط العرض
تلعب ثلاث ممثلات دور أم كلثوم في مراحل مختلفة من حياتها. إذ جسّدت لبنى القنطار، وهي مغنية أوبرا سورية، دور أم كلثوم في سنواتها الأخيرة، فيما لعبت ياسمين عودة دور أم كلثوم الشابة وهي تنتقل من الريف إلى القاهرة، وكان الأداء الأكثر إثارة لسناء نبيل، حفيدة شقيقة أم كلثوم، البالغة من العمر 17 عامًا، والتي برزت خلال أدائها في برنامج Arabs Got Talent قبل عامين.

 



أصبحت أم كلثوم، المولودة عام 1898 في بلدة صغيرة في دلتا النيل، ظاهرة إقليمية. إذ لُقّبت باسم "الهرم الرابع" في مصر. (الصورة: ويكيميديا كومنز)
اختتمت القنطار العرض بأداء أغنية “ألف ليلة وليلة” المحبوبة كثيرًا مثل أم كلثوم بالضبط، وخلال ذلك منحتنا أداءً لا يُصدّق لأغاني أم كلثوم ومهارة أداء أم كلثوم كامرأة.
ومع ذلك، لم يطغَ أداؤها الفني على فن نبيل، التي تمكنت من غناء عدة طبقات ليس مع النطاق الصوتي والدقة الرمزية لجدتها غير المباشرة فحسب، ولكن مع جو من التواضع والحلاوة التي قابلت بها الجمهور.
لم أستطع تفادي تذكر شيء أخبرني به الصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل مرة عن شخصية أم كلثوم. فعلى الرغم من شهرتها وطبيعتها الواثقة من نفسها أمام الجمهور، وصفها هيكل بأنها “خجولة بشكل لا يطاق، مع خوف من المسرح كان يصيبها بالشلل قبل العرض”. تمكنت نبيل من تذكيرنا ببعض هذا الخجل المتواضع.
كان أداء نبيل مدهشًا وسُرياليًا. فما المدى الذي يمكن للمرء فيه الاقتراب من التاريخ؟ في الواقع، قريب جدًا. بدا الجمهور وكأنهم يجلسون في رهبة وهم يحاولون فهم ما كان يحدث. كان الأمر كما لو أن أم كلثوم قد قامت من بين الأموات، لقد كان هناك قوة أداء لا تعتمد على الألعاب النارية أو فرق كبيرة من الراقصين. مع تركيز الانتباه على الموسيقى الصرفة، كل نغمة أُدِّيَت جعلت الجمهور ينتظر لمعرفة مدة استمرارها – وفي حالة نبيل، تم غناء كل عبارة في اللحظة المناسبة بالضبط، مما أدى إلى خلق توتر عاطفي مع لون صوتي ثابت لا يتزعزع حتى يعتقد المرء أنه ليس في الإمكان حمل ذلك أكثر. لكن، لم تكن هذه حالة تقليد غير خيالي بل بالأحرى تكريم استمر من خلال شخصية نبيل أيضًا.
تألّف طاقم الممثلين من ممثلين ومطربين عرب من ذوي الخبرة في كل من أوروبا والشرق الأوسط. وشملت العروض المبهرة تلك الليلة العروض التي قدمها أسامة كيوان، وهو مغني سوري أدى بعض الأغاني، ربما للتخفيف من الضغط الصوتي على المطربين الرئيسيين وربما لإبراز اتساع إخراج مسرحية أم كلثوم الموسيقية وتصوير كيف يمكن للأغاني أن تتلاءم مع التفسيرات والأصوات الأخرى.
لقد قيل إنه ليس في إمكانك تقدير موسيقى أم كلثوم حتى تقع في الحب. أعتقد أنه لا يمكنك تقدير موسيقاها إلا إذا شعرت بخيبة أمل – وهناك الكثير مما يمكن أن يخيّب الآمال اليوم في العالم العربي. ففي الوقت الذي تبدو فيه أوضاع الشؤون السياسية والاقتصادية قاتمة، ربما يكون هذا تذكيرًا بأم كلثوم وفترة ينظر إليها على أنها حقبة ذهبية من القيادة والإمكانات التي اهتمّ بها الجمهور. مما لا شك فيه أنه تمثّل أيضًا في الموسيقى والترفيه الممتازين. آمل أن ينجح هذا العرض في السفر إلى مسارح في أماكن أخرى.

نقلاً عن الفنار للإعلام
 

.