التراث الموسيقي بالخليج العربي يتميز بالثراء

. مقالات

سمية تيشة

يعد الخليج العربي تاريخيا من أغنى المناطق موسيقيا في شبه الجزيرة، حيث يتميز بثراء موسيقي، أدى إلى بروز عدد كبير من الموسيقيين والمطربين، وأنواع موسيقية لا تكاد تُعرف خارج نطاق هذه المنطقة، كما يلوح خطر فقدان بعض هذا التراث إلى الأبد، إن لم يتم تسليط الضوء عليه بشكل مكثف.
وتسلط موسوعة جارلاند الضوء على أن "المنطقة أنتجت فيضًا من أنواع الأغاني" ويعود ذلك إلى كثافة الغوص بحثًا عن اللؤلؤ، والتجارة البحرية مع مناطق وبلاد بعيدة مثل الهند وأفريقيا وفارس، والصلات التجارية مع المناطق الداخلية في جزيرة العرب، حيث أدت هذه العوامل إلى تكوين وتحفيز ثقافة موسيقية ثرية ومتشعبة وكان ذلك قبل اكتشاف النفط، أي قبل أربعينيات القرن العشرين.
ومن جانبها، تحوي مكتبة قطر الرقمية التابعة لمكتبة قطر الوطنية، عددا من الدراسات حول "أنواع الموسيقى في المنطقة الجغرافية العليا من الخليج العربي"، قام بإعدادها رولف كيليوس، أخصائي موسيقى الشعوب واستشاري متاحف ومُنتج إعلامي، حيث يستعرض من خلالها أكثر أنواع الفنون الموسيقية انتشارًا بمنطقة الخليج.
التراث الموسيقي
يتطرق كيليوس، للأنواع الموسيقية قائلًا: "يمكننا تقسيم أنواع الفنون الموسيقية الرئيسية وفقًا للبيئة الطبيعية - أي الأرض والساحل على وجه التحديد - حيث يعيش الناس، بالإضافة إلى أصول الموسيقيين، وعلى الرغم من الاختلاف التام للبيئات والمؤثرات، توجد حلقة وصل وهي بشكل رئيسي أهمية الصوت، والنمط المتشابك اللافت للنظر، والاستخدام المكثف والمبدع للشعر؛ ونظرًا لوجود الكثير من أنواع الفنون الموسيقية، سيتم الوقوف على أهم الأنواع فقط، ولذلك - على سبيل المثال - كثيرًا ما قام المطربون والعازفون للفن الموسيقي المستمد من البحر بتقديم موسيقى ذات جذور متأصلة خارج نطاق الخليج ايضًا، وإذا كانت موسيقى المنطقة الجغرافية العليا من الخليج العربي تكاد تكون مجهولة خارج نطاق المنطقة، فإن الممارسة الموسيقية للعازفات والمطربات تعتبر أكثر خفاءً. وكان للنساء في الماضي والحاضر مهارة كبيرة جدا في الغناء وقرع الطبول، خاصة أثناء حفلات الزفاف وفي المجتمعات التي تقيم على الساحل؛ وعلى سبيل المثال، ذكرت ليزا أوركيفيتش عدة أنواع موسيقية تشارك فيها النساء بالرقص وعزف الآلات.
الفن البحري
وأضاف كيليوس: "يصف باحث الفن البحري بول روفسينج أولسن وأولريش فاجنر موسيقى صيادي اللؤلؤ بأنها "أكثر الإبداعات الموسيقية تطورًا في المنطقة" ولا يقتصر الفن البحري - وهو الموسيقى المرتبطة بالصيد والبحث عن اللؤلؤ والتجارة البحرية - على كونه أكثر الفنون الموسيقية تعقيدًا في المنطقة، بل يضم أيضًا أهم مجموعة من الأنواع الموسيقية، ويقسم معظم الباحثون هذه الأنواع إلى أغاني العمل وموسيقى أوقات الفراغ التي تسمى الفجيري، وتتكون موسيقى العمل والفجيري من أنواع فرعية وأغان عديدة ومختلفة، وعلى سبيل المثال، كان كل عمل يؤدى على القارب - مثل رفع المرساة - يتطلب أغنية وإيقاعا بعينهما، ومن ثم كانت الذخيرة هائلة. ومع زوال مهنة صيد اللؤلؤ واستخدام المراكب الشراعية اختفت الكثير من الأنواع أو ندر تقديمها، وكان الفجيري يقدم في بداية موسم صيد اللؤلؤ وختامه وعلى السفن التجارية الكبيرة وفي الدار (قطر) أو الديوانية (الكويت)، ولا يزال هذا التقليد مستمرا على يد أحفاد البحارة، حيث يحصل ذلك حاليًا في غرف مخصصة لذلك في البيوت الخاصة". ويوجد نوع فن موسيقي آخر يسمى "الصوت" ظهر في المراكز الحضرية الساحلية الصغيرة مثل الكويت، وهو في الأساس فن موسيقي حضري يجمع بين مؤثرات مجتمعات البدو والصيد من ناحية والموسيقى الواردة من مناطق أخرى من ناحية أخرى.

الفن البري
يسلط كيليوس، الضوء على الفن الموسيقي المستمد من البر قائلاً: "فيما يخص الفن الموسيقي المستمد من البر، تفرق ليزا أوركيفيتش بين مؤثرات مجتمعات البدو والحضر، ولا تزال العرضة نوع الغناء الراقص السائد الذي تؤديه معظم القبائل في المنطقة، أما الآلات الموسيقية فهي الطبل البحري والطار، وشهدت الرقصة الحربية القديمة في المنطقة الساحلية تعديلاً بسيطًا حيث يعتبر تعبير الرقصة أقل شراسة مقارنة بمناطق غير ساحلية في الخليج، وتعلق أجراس صغيرة على حواف الطار يصدر عنها صوت إضافي، وتشير كلمة الربابة إلى النوع والآلة، وهي آلة صغيرة مقوسة ذات وتر واحد لها جسم رنان مغطى بجلد الماعز أو الذئب، وينشد المطرب الشعر مصحوبًا بعزفه على هذه الآلة، وعلى الرغم من اعتبار هذا النوع عادة نوعا بدويا تقليديا، إلا أنه يعتبر كذلك جانبًا من التراث الثقافي في الحضر".
وأضاف: "على الرغم من امتداد جذور من يقدمون هذه الأنواع - مثل الليوة والهبان والطنبورة - إلى ثقافات شرق أفريقيا وبلاد فارس، إلا أنهم أصبحوا ضمن الثقافة الإقليمية للخليج، ولاحظ المؤلف أن بعض عازفي الخليج لا يزالون حتى يومنا يقدمون هذه الأنواع في مقدمة جلسات تقديم فنهم البحري و"الصوت" أو في ختامها في "الدار" أو "الديوانية" أو المجلس أو أمام الجمهور، ويمكننا أن نعزو أصل الليوة إلى ساحل شرق أفريقيا، خاصة تنزانيا وكينيا، أما الطنبورة فيمكننا أن نعزوها إلى جنوب مصر والسودان، كما يمكن أن نعزو الهبان إلى الساحل الإيراني، ونادرًا ما تقوم المجتمعات التي ترجع أصولها إلى أفريقيا أو بلاد فارس بتقديم هذا الفن الموسيقي، وعند تقديمه يكون ذلك دائمًا في جلسات خاصة ضمن أنشطة مؤلفة من بعض الطقوس او تتعلق بجنوح القارب عند الإبحار، ويشير اسم الطنبورة إلى الآلة الرئيسية وهي عبارة عن قيثارة مثلثة، كما يشير كذلك إلى نوع الفن الموسيقي"، موضحا أنه في الوقت الحالي، يحافظ خاصة في الكويت على هذه التقاليد الموسيقية في جلسات خاصة في الديوانية أو الدور ومفردها دار عبر فرق، وعن طريق الاستماع لتسجيلات قديمة تم إنقاذ معظمها من أسطوانات الشيلاك.
نقلاً عن "الشرق"

 

.