صفوان بهلوان: أسعى للوصول بالموسيقى العربية إلى مناطق بعيدة وجديدة

. مقابلة

نضال قوشحة

صفوان بهلوان موسيقار ومطرب وعازف عود سوري، درس الموسيقى في سوريا ومصر وألمانيا. طوّع علوم الموسيقى الغربية بما يخدم الموسيقى العربية ووضع ألحانا أوركسترالية منها “البحّار والعاصفة” التي عزفتها أوركسترا برلين وقدّمت في العديد من دول العالم، إضافة إلى العديد من الألحان منها “زهرة الصبار” شعر مظفر النواب و”لنا الأرض” شعر محمد عمران و”يا شام” لسعيد العتيبة و”دوار يا بحر” زجل عبد السلام حجاب. كما قدّم ألحانا في العديد من الأعمال التلفزيونية.

عن تجربته الموسيقية الطويلة تحدّث الموسيقار والمطرب وعازف العود السوري فكان هذا اللقاء.

في موسيقى الفنان السوري صفوان بهلوان تشكيل بصري يلج بالمتلقي نحو فضاءات الفكرة، فيغدو الصوت للسامع صنوا للصورة في إدراكه ليكون أكثر إحساسا باللحظة الإبداعية.  يختزل في تصويره الموسيقي أبجدية البحر وتراتيل الشمس ليسكبها في ألحان أوركسترالية يرتسم فيها نبض الحياة بأدق تجلياتها. وهو الذي ولد وعاش في جزيرة أرواد السورية الهادئة التي لا تبعد عن الساحل الطرطوسي إلاّ قليلا.

عن جزيرة أرواد وعن البحر يقول صفوان بهلوان: "ولدت في جزيرة أرواد، حيث البحر المحيط بها من كل الاتجاهات، البحر بهدوئه وصخبه وحنانه وقسوته، عاش في داخلي وبه تعمّدت روحي. البحر كان كريما معي وأعطاني الكثير، وفي المقابل أخذ مني الكثير، أفقدني أحبة وأقارب وأصدقاء، وألهمني الحب والخير والعطاء، البحر يعيش في خيالي ووجداني في أبعد عمق وتفاصيله تحيط بي في كل جوانب حياتي."

وحول تأثير البحر بأجوائه وأصواته على نهجه في تأليف الموسيقى من حيث وضع صور للمعاني المراد تلحينها، يقول: “لا أرى أن مهمة المؤلف الموسيقي تنتهي عند حد وضع أنغام محددة للشعر الذي يراد تلحينه. بل إن الأمر أعمق بكثير، فالمطلوب وضع معادل موسيقي لهذا الشعر أو الزجل، فالشعر يحتوي بالضرورة على العديد من المعاني والتواترات النفسية والعصبية المختلفة، وهذا ما يجب أن يرصده اللحن ويخرجه بالطريقة الموسيقية المواتية لهذا الشعر بكل تفصيلاته.”

 

وضمن هذا الفهم يرحل الموسيقار السوري بعيدا جدا في فهم النص الشعري وتفكيك معانيه، ثم ينطلق في صوغ اللحن بما يتوافق مع ترجمة مشاعر القصيدة أو الزجل، وهو الذي يسعى في الأعمال التي يقدّمها، خاصة الأوركسترالية منها، إلى أن يقدّم تمهيدا موسيقيا مصوّرا يختصر معاني الشعر التي ستأتي، فالصورة الموسيقية هي الهدف الذي يسعى إليه في تكوينه لذائقة متفردة في الموسيقى العربية للوصول بها إلى مناطق بعيدة وجديدة.

قبل ما يقارب الثلاثين عاما، لحن صفوان بهلوان قصيدة “جبهة المجد” للشاعر العراقي الشهير محمد مهدي الجواهري التي ألفها عن مدينة دمشق، وهي قصيدة صعبة لحنا وكلمة، استعصت في تلحينها على عدد من كبار ملحني العرب، فوضع لها لحنا أوركستراليا مهيبا، سكب فيه كل طاقته.

 

وعن تلك التجربة يقول: “بدأت العمل على القصيدة وأنا أعي تماما حجم الشاعر الكبير الجواهري في تاريخ الشعر العربي الحديث، ولكنني أكملت المغامرة، ووضعت في اللحن قصارى طاقتي وعلمي الموسيقي، وكان لحنا قويا أدته حينها الفنانة ميادة الحناوي ولاقى رواجا كبيرا. سجلنا اللحن برفقة أوركسترا القاهرة، وكان عملا مضنيا وشاقا وشارك فيه مع الكورال ما يزيد عن مئة شخص. ومن هناك نجح العمل وصار من أكثر الأعمال التي تعرض على منابر الإعلام السوري، جزء منه أصبح شارة لنشرة الأخبار الرسمية على التلفزيون السوري لمدة ثلاثة عشر عاماً."

وعن تأطير هذا العمل ضمن شكل غنائي عربي معتمد باعتباره يختلف عن الموشح والمونولوج أو الطقطوقة، يتابع: “هذا العمل تحديدا كان متفردا بصيغته التي خرج عليها، فهو خارج هذه التصنيفات كلها، هو قصيد سيمفوني، لم يتم الاشتغال عليه عربيا من قبل، احتوى لغة موسيقية شرقية بحتة من خلال وجود آلات شرقية أصيلة كالعود، إلى جانب توزيع موسيقي أوركسترالي عميق. في العمل روح خاصة وعمل صادق نال الكثير من الجهد، لكنه في النهاية وصل للناس بشكل صحيح تماما، وصار من الأعمال الخالدة.”

موسيقى الفنان السوري صفوان بهلوان تقدم شكلا من التشكيل البصري الذي يلج بالمتلقي نحو فضاءات الفكرة.  وعن حال الموسيقى العربية التي تقدّم الآن على المستوى العربي، وكيفية تفاعلها مع الحال الراهن، يقول بهلوان: "الموسيقى والفنون عموما هي انعكاس عن الواقع الذي يعيشه مجتمع ما في زمن وظرف محدّدين، والجميع يعلم أن واقع الأمة العربية الآن ليس جيدا، بل ومتهاو نحو انحدارات كبيرة، والفنون ومنها الموسيقى لن تخرج عن هذا المنحى، لذلك غابت الموسيقى العلمية المطوّرة التي كنا بحاجة إليها، حلت محلها موسيقى سريعة لا تقدّم فنا حقيقيا ولا تحمل سمة التحديث والتطوير، همها الأول هو تحقيق ما أمكن من الانتشار السريع الذي ينتهي بعد أيام”. ويسترسل قائلا “الوضع حاليا مأزوم والموسيقى كذلك. سابقا كان لدينا حالة فنية مزدهرة وجدت فيها قامات فنية عملاقة تنافست لتقديم فن أصيل ومطوّر للعقل والذوق الفني الجمعي، وقدّمت فنا بعيدا عن حالة الطرب التخديري التي يلجأ البعض إليها في أعمالهم المبنية على الاستسهال في تأليف الألحان وعدم البحث في المعاني العميقة للقصائد الملحنة، فتكون النتائج أعمالا مكرّرة تخاطب رغبة بعض الشرائح في الاستزادة من أشكال فنية محددة لا تقدم إلاّ حالة واحدة متكرّرة من التواصل الإبداعي مع الأغنية."

يمتلك الفنان صفوان بهلوان العديد من المشاريع الفنية التي سبق وأن ألّفها للأوركسترا منذ سنوات، بانتظار فرصة مناسبة لتقديمها إلى الجمهور العريض. وهي مشاريع تستلهم من التراث المعرفي والحضاري العربي لتشكّله في حركة موسيقية متطوّرة، تحاكي الزمن المعاصر بروح التراث، منها مشروعه الكبير “أوغاريت” وكذلك “أذان إبراهيم” الذي يعرض فيه حالة مختلفة من التراث الديني الموسيقي والغنائي بدءا من الأذان وصولا لتكبيرات العيد التي يردّدها المسلمون في صباحات عيدي الفطر والأضحى.

وعنهما يقول: “في أوغاريت أذهب بعيدا جدا في تكوين الحضارة في منطقتنا، إلى الأبجدية الحضارية الأولى التي أحدثت قفزة نوعية في تاريخ الحضارة الإنسانية، لتقديم حالة فنية مختلفة وعميقة. وفي أذان إبراهيم ألج مساحة التراث الموسيقي الديني، خاصة في تكبيرات العيد، القائلة ‘الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله..’ من خلالها وضعت صيغة أوركسترالية عملاقة، فيها استخدام لآلات نفخية ذات صوت عال وكذلك طبول ضخمة وكورال كبير. وفي هذه الصيغة ستكون التكبيرات الموجودة في وجدان العرب أصلا كترنيمات بسيطة، مقدّمة بصيغة جديدة وحافلة بالقوة والأصالة والهيبة. آمل أن تتحقّق الفرصة لعرضها بالشكل الأمثل.”

ويضيف: "أذان إبراهيم، هو عمل مستوحى من الآية القرآنية القائلة (وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)، أحاول من خلاله أن أظهر سماحة الدين الإسلامي وعمقه والغاية منه بواسطة الموسيقى”.

المصدر: جريدة العرب القطرية

.