الفنان محمد ثروت: أول ما يجني على المرء اجتهاده!

. مقابلة

يعد الفنان محمد ثروت من الأصوات المصرية المتميزة التي نالت اهتماما كبيرا من بين كبار الملحنين مثل محمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي وعمار الشريعي وحلمي بكر ومحمد سلطان والموسيقار محمد عبد الوهاب الذي احتضنه فنيا وتعلم في مدرسته الموسيقية ورافقه طويلا حتى رحيله، كما كان مقربا منه على المستوى الإنساني أيضا.

بدأت مسيرة الفنان محمد ثروت مبكراً بالمشاركة في برامج الأطفال، ومارس الفن قبل تخرجه من كلية الهندسة وارتبط اسمه في البداية بتقديم مجموعة متميزة من أغاني الأطفال منها: «حبيبة بابا رشا»؛ «منى يا منى»؛ «جدو عبدو»؛ «طيور النورس»؛ لينطلق بعدها في عالم الطرب مع كبار الملحنين الذين أثنوا على موهبته وغنى لهم عددا كبيرا من الأغنيات التي تضمنتها ألبومات شهيرة منها: «حلوين من يومنا»؛ «حاسب على قلبي»؛ «حياتي».

أثرى ثروت أيضا المكتبة الدرامية بـ "تترات" مسلسلات مميزة غناها بصوته وأشهرها "تتر" مسلسل «من الذي لا يحب فاطمة» و«مارد الجبل»، بالإضافة إلى خوضه تجربة التمثيل في بعض الأعمال منها مسلسل «الكهف والوهم والحب» و«هي وغيرها» و«الغفران» و«الطاووس»، وفيلم «للآباء فقط».

كما ارتبط اسم الفنان محمد ثروت بالأغنيات الوطنية الشهيرة التي كانت علامات مضيئة في كل مناسبة وطنية ومنها أغنية «مصريتنا» و«بلدي» و«مصر يا أول نور في الدنيا»، وهو ما تسبب في انتشار شائعة قوية باعتباره المطرب المفضل للقيادة السياسية آنذاك.

*       هل أنت راضٍ عن المناخ الفني بمصر؟

-       رضاي أو عدم رضاي لن يغير كثيرا في الأمر، لكني أعبر عن تقييمي للوضع أو المناخ الفني الحالي بمصر، وأنا أتكلم من منطلق أن مصر هي مصدر الإشعاع الثقافي والفني في المنطقة كلها، فهي الكتاب والقصيدة الشعرية، وهي النغمة والآلة الموسيقية، والثقافة الشعبية والجماهيرية، وهي كل شيء بتراثها وتراكمها الثقافي والفني.

 

*       في رأيك ما الذي تسبب في انقطاع هذا التراكم؟

-       يبدو أن الناس غير منتبهين إلى أن هناك عبثا بهذا الوطن، فعلى سبيل المثال لا يمكن القول إن لدينا مسرحا جيدا أو أن السينما المصرية تعبر عن المجتمع المصري، وحتى المسلسلات التلفزيونية التي تدخل بيوتنا أصبحت، في السنوات الأخيرة، غارقة في أشياء لا تعبر عن قيمنا ولا مجتمعاتنا، وتعتمد على التركيز على أشياء قد تكون موجودة ولكن ليست بالشكل الذي يقدمونها به على الشاشة، ومن ثم لا يوجد مجال لظهور الأغنية المنشودة. كما أن شركات الإنتاج نفسها أحجمت عن الإنتاج، لأن وسائل التواصل الاجتماعي أثرت سلبيا على «العمل الفني» فلا يستطيع المنتج الحفاظ على حقوقه أمام سطوتها، ومن ثم أصبحت المسألة تعتمد على ضربة حظ بأن تتحول الأغنية إلى رنة تليفون (call tone) ناجحة أو على اليوتيوب وخلافه أو أي شيء من هذا القبيل، وبالتالي أصبح لأول مرة في تاريخ النجاح أن لا يكون مقترنا بالجودة، يعني: يمكن لأغنية هابطة بألفاظ سيئة وغير منضبطة من حيث التركيبة الفنية أن تحقق أرباحا وأرقاما خيالية بالملايين، بينما توجد أغنية جيدة على كل المستويات وتم بذل جهد كبير فيها ولا تنجح! وبالتالي يفكر المنتج كثيرا قبل إنتاجها «لأنه هينتج ليه؟» وسيكون أمام خيار صعب هل ينتج لفئة معينة أم ينتج عملا للفت نظر الناس أم يقدم عملا بجودة عالية!! وهي مسألة محيرة للمنتج.  في الماضي كانت الإذاعة والتلفزيون جهتين تتصديان لمثل هذه الظواهر من خلال حفلاتها الشهرية لاحتضان الفن الجيد ونشره بين الناس، أيا كانت تسميات هذه الحفلات.  وحتى الليلة المحمدية لم تعد مدرجة على خريطة الإذاعة والتلفزيون منذ ما يزيد على عشر سنوات رغم أنها ليست «سكة» الأوبرا بل أنا الذي وضعت فكرتها في أجندة الأوبرا وهي تختلف عن فرقة الإنشاد الديني الموجودة لديهم، فما أود قوله إنه تم العبث فعلا بفكر هذه الأمة وثقافتها وما زال العبث قائماً. وللأسف أنا لا أرى لها شكلاً.

 

*       وما رأيك في الظواهر الفنية العربية التي وفدت إلى مصر خلال الفترة الأخيرة؟

-       مصر كانت دائما تستقبل الفنانين العرب من كل مكان، فكلنا عرب وكلنا واحد ولكن المشكلة تكمن في أن أجهزة الدولة الرسمية ممثلة بالإذاعة والتلفزيون صارت غائبة، وأصبحت الفائدة المادية في المقام الأول وطغت بشكل كبير على حساب القيمة المعنوية.

 

*       إلى أي مدى أثر غياب ورحيل عدد كبير من العمالقة ورواد الفن على المناخ الحالي؟

-       لا، ليس لذلك علاقة لأنه موجود من فترة غير قصيرة. لقد قال لي الموسيقار محمد عبد الوهاب في أواخر حياته وكنت تلميذه الوحيد آنذاك، إنه كان يتعجب من الحال الذي وصل إليه الفن والثقافة في ذاك الوقت وكان مستاءً من ظواهر سلبية دخيلة على المجتمع المصري. وهو أمر يمتد إلى الساحة الأدبية أيضا؛ وعندما نلقي اليوم نظرة على ساحة الشعر والأدب فلا نجد شاعراً لافتاً للنظر، ولو كان من لفت للنظر يثار التساؤل: هل يلفت النظر بشعر يحمل قيما أدبية ورؤية أم اعتمادا على الجملة واستغلالا للأحداث والمعاناة والظواهر المصاحبة لذلك! وأظن الخيار الثاني هو الأقرب للواقع.  والمسألة اليوم تركزت في العزف على وتر ما يلفت النظر بصرف النظر عن تأثير رسالته الأدبية.

 

*       كيف ترى انعكاس المتغيرات السياسية والاقتصادية الحادثة في العالم على المناخ الثقافي والفني؟

-       مما لا شك فيه أن العشر سنوات الماضية حملت علامات فارقة في حياتنا واستهدافا للوطن. ومن يقول غير ذلك لا يدرك أو لا يريد أن يدرك هذه الحقيقة. وعندما ننظر للمنطقة من حولنا نحمد الله أننا اليوم بهذا الشكل وقادرون على التماسك ولدينا رئيس جمهورية يبذل الجهد الكبير للحفاظ على هذا الوطن أولا بالمحافظة على الكيان وثانيا بالانتقال بهذا الوطن إلى مرحلة أخرى اقتصاديا وعسكريا وسياسيا.

 

*       هل تعتقد أن الفترة الحالية بعد تلك السنوات العشر التي أشرت إليها هي الثمرة الأفضل بعد ثورتين للشعب المصري؟

-       ما أريد قوله إن مصر كانت تتعرض ومنذ فترة طويلة لأشياء خطيرة ولكن في هذه الفترة ومع كل هذه التحديات فإن هناك حالة من حالات الصحوة والجد والاجتهاد يجب مقابلته منا جميعا بشكل إيجابي.  لقد كنت معاصرا للفترة الماضية وعانينا خلالها أزمات كبيرة جدا منها أزمة البنزين والكهرباء وغيرها وتم حلها. وكذلك هل يشعر أحد أن مصر صار فيها شبكة طرق لم تكن موجودة قبل 30 سنة؟ للأسف لم يأخذ ذلك حظه من الاهتمام المطلوب، ومن ثم فكل هذه الإنجازات يجب إبرازها.

 

*       هل يرجع ذلك لغياب دور النخبة؟

-       قد يكون ذلك أحد الأسباب، فأحيانا نجد أشخاصا يتكلمون ولا قيمة لهم والأهم من تلك الصفوة الأجهزة الإعلامية التي يفترض أنها تضيف بريقا لكل إنجاز يحدث لتعريف الناس به وبحجم التطوير الذي يحصل بين مرحلة وأخرى. لكن للأسف أرى أن أشياءَ إيجابية تمر مرور الكرام دون التركيز على وجودها أو فاعليتها أو حتى التطرق لتأثيرها على حياتنا. والأمر يتطلب تعاونا من الجميع لأن الوطن الكبير على هذه المساحة الكبيرة من الأرض لن يبنى بمفرده. وأعتقد أنه لا يبنى بالسياسة فقط وإنما بالاقتصاد أيضا الذي يقود السياسة، ولذلك عندما تقول أميركا كلمة فإنه يسمع لها لأن اقتصاداً قوياً يكمن وراء سياستها وهو كلمة السر.

 

*       بالمناسبة، ما رأيك في الأغاني الوطنية الخاصة بهذه الأيام؟

-       لا أعرف ولا علاقة لي بها!

 

*       كنت أكثر مطربي جيلك قرباً من موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ولحن لك عددا كبيرا من الألحان. كيف جاءت علاقتك به؟

-       تعرف علي في نشيد الأرض الطيبة مع مجموعة الفنانين الذين ذكرتهم، فبدأت ألفت نظره في المقطع الذي شاركت به في النشيد.

 

*       ما الذي لفت نظر الموسيقار عبد الوهاب إلى صوتك؟

-       كان يلفت نظره نبرة الصوت التي لها شخصية لأنه لم يكن يحب التعامل مع مطرب ليس له صوت واضح، وبعد نجاحي في أغنية «بلدي» كلمات الأبنودي وألحان جمال سلامة طلبني وقدم لي أغنية «مصريتنا حماها الله» وصورت الأغنية وقدمتها في حفلات كثيرة وحققت نجاحاً كبيراً. وقدمت بعدها أغنيات كثيرة من ألحانه مثل «عينيا السهرانين» و«الحرية» و«عاشت بلادنا» و«يا حياتي» وغيرها الكثير وهكذا كانت كل أغنياتي على نفس المستوى ولكنهم على رأي المثل البلدي «ما لاقوش في الورد عيب قالوا أحمر الخدين!!». وقالوا عني «نجح بالسلطة»!

 

*       ما أهم نصائح الموسيقار عبد الوهاب لك و لا تنساها؟

-       كان دائما ينصحني بالاهتمام بالفن وحسن الاختيار من أجل رفع مستواه والعناية بكل مقومات العملية الفنية. وفي نفس الوقت كانت له طلبات معينة من كل فنان يعمل معه وهي أن لا يدخن ولا يسهر ولا يتعاطى مشروبات روحية، وأن يحترم نفسه بتصرفاته، ويحافظ على صورته أمام الناس، ويضع مجتمعه نصب عينه.

 

*       هل حقا أن الشاعر عبد الرحمن الأبنودي هو الذي اكتشف موهبتك وأنت طالب بالمدرسة؟

-       بالفعل كان هناك أحد بلدياته هو الذي عرفني عليه وكنت في السنة الثانية بالمرحلة الثانوية وسمعني الأستاذ الأبنودي وأثنى على صوتي، وعندما احترفت كان هو صاحب ثالث أغنية في حياتي اسمها «أمي»، وبعدها قدمنا معاً عدداً كبيراً من الأعمال الغنائية منها «بلدي»، «كل بلاد الدنيا جميلة»، «مصر يا أول نور في الدنيا شق ظلام الليل»، «قطر المحطة»، «ورق الشجر»، «مشكلتي مش انتي»، «على مهلي»، «يا ليالي»، «هاكتب جواب لحبيبي وأقوله»، «بلد الحبايب»، وغيرها الكثير.

 

*       ما الكيمياء التي جمعت بينكما لتقديم هذا الكم الكبير من الأعمال؟!

-       اقتربت منه ومن حياته جدا جدا، ودخلت أعماقه فعلا، ولو كنت سمعت كلامه كنت قدمت أغاني أضعاف هذا العدد، فكان يعرض عليّ أغنيات كثيرة جداً قبل أن يقدمها لأي أحد ولا أعرف السبب الذي جعلني وقتها لم أكن متحمساً لها وهو الشيء الوحيد الذي ندمت على عدم إتمامه، ربما لم يكن لدي اهتمام إنتاجي، ليس المال فقط، بل أقصد المنظومة الإنتاجية ككل.

 

*       ما ذكرياتك عن مرحلة العمل مع هاني شنودة وعمار الشريعي؟

-       مع هاني شنودة قدمت أغنيات الأطفال الشهيرة مثل «حبيبة بابا رشا» و«جدو علي» و«منى»، ومع عمار قدمت عددا كبيرا من الأعمال وكلها كانت فترة جميلة حافلة بأعمال «شبهنا»، صحيح كان هناك صراعات لكن لم تكن طاغية كما هو الحال الآن.

 

*       هل تعرضت لمواقف خذلتك أو مؤامرات في حياتك؟

-       لم أفكر طوال عمري في هذه الأمور لأني أدرك أن هناك آية قرآنية تقول: «فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» ولو فهمها الإنسان جيدا سيتقبل كل الأشياء.

 

*       هل استشعرت الجحود والخذلان من بعض الناس خاصة في المواقف الصعبة التي مررت بها في السنين الأخيرة؟

-       أبداً لم يفرق «معايا» هذا الأمر ودائما أقول لنفسي «ما تتعشمش قوي» لأن العشم الزائد في أي شخص وفي أي شيء يجعل الإنسان معرضا للإحباط!

 

*       كيف اكتسبت هذه المناعة الذاتية؟

-       بأنني لا أتعشم إلا في وجه الله فقط لأنه عندما يعطي فليس له سبحانه وتعالى مصلحة في هذا العطاء فهو غني حليم على عكس البشر، فأي شخص سيعطيك لا بد أن يكون له شكل من أشكال المصلحة إما بالتفضل أو المعايرة، ومن ثم أعمل وفق مبدأ «اطلبوا الأشياء بعزة نفس، فإن الأمور تجري بمقادير».

 

*       ما الذي دفعك للتفكير في خوض مجال العمل الخيري مبكرا وأنت في قمة شهرتك من خلال المشروع الإنساني «مؤسسة ثروت» الخيرية؟

-       والدي ووالدتي رحمهما الله كانا السبب في هذا المشروع والحمد لله أنه الآن موجود على أرض الواقع وأصبح لنا عدة فروع ومنافذ ومزرعة على أرض سيناء، وأرجو من الله أن يتقبل منا هذا العمل الخالص لوجهه تعالى، وأن يتعامل المجتمع مع هذه الأعمال الاجتماعية بشكل واقعي أفضل، بما يساهم في تحسين الاستثمار في الموارد البشرية الموجودة في هذه المشروعات.

المصدر: مجلة المجلة

.