الفنان القدير عبد الله الميرزا "طحنون" يتحدث عن ذكريات الزمن الجميل

. مقابلة

حوار: محمد علي المهندي

الفنان والموسيقي عبد الله ابراهيم محمد الميرزا عاشق الموسيقى والفن منذ الصغر، شارك في أول مسلسل قطري باسم "عائلة بو طحنون" أذيع في اذاعة قطر عام 1968 م من تأليف مجموعة الشباب القطري في فرقة الأضواء، شارك في تمثيل عدد من المسرحيات والتمثيليات، وتم اعتماده مطرباً في الإذاعة وغنى عدداً كبيراً من الأغاني الوطنية وأغاني الأطفال والرياضة ولحن له عبد الرحمن الغانم وحسن علي ووليد عبد الله وغيرهم. اشتهرت أغنيته "القيناوي" وذاع صيتها وشهرتها في الوطن العربي، كما ترأس إدارة مركز الفنون الموسيقية التابع لوزارة الثقافة، فتح قلبه وغصنا في أعماق ذكرياته وأخرجنا منها كنزا من حديث الذكريات.

الجسرة محل ولادتي ونشأتي

كانت ولادتي في منطقة الجسرة في عام 1957م، ذلك الفريج الجميل الذي يعج بالحركة والنشاط وتجمع أهل قطر بالقرب من البحر، ويقع بين ميناء الدوحة الذي كان يكتظ بالسفن وبين سوق واقف الشهير في قطر، كانت البيوت جميلة ومتلاصقة وتحسسك بالدفء والحميمية وبالمحبة والمودة وكان كل يساعد الآخر، ويسكنها أغلب تجار قطر وفيها أهم الإدارات السابقة مثل دائرة المعارف وبيت الشركة والبنوك ومستشفى الولادة القديم وبيت المعتمد البريطاني.  ترعرعت ونشأت فيها.  وبعد أن أصبح عمري "16" سنة انتقلنا لمنطقة "مشيرب"، ودرست القرآن عند المطوعة السيدة الفاضلة زوجة المؤذن الذي كان يؤذن في جامع الشيوخ، وكان يسكن في بيت الشركة عند بيت بن جلمود ولم يكن في تلك الفترة كهرباء.

وأذكر كنا صغاراً وندرس في الليوان مختلطين بنات وبنين أقارب ومن نفس الفريج ،ونذهب لها بعد صلاة العصر، وإذا أخطأت يا ويلك ستضرب بالخيزرانة التي طولها متر ونصف، وكنت في الصباح أدرس في مدرسة خالد بن الوليد الابتدائية القريبة من القسم الداخلي، وكان يدرسني الستاذ المربي الفاضل عبد الحميد الصديقي أطال الله في عمره، في الصف الأول والثاني، وقد واجهت صعوبات حيث لم تكن لديّ الرغبة في الدراسة، كنت أحب اللعب ولكن بعد ذلك تأقلمت وركبت الباص المدرسي الجميل، وكانوا يصرفون لنا وجبة فطور نستأنس عليها، وكذلك راتبا وكسوة الشتاء والصيف، وهذا شجعني ورغبني في مواصلة الدراسة، وكنت أحب المشاركة في النشاطات المدرسية، وشاركت في الأشبال والكشافة وكنت مهتماً بأن أضرب على الطبل.

في قطر الإعدادية كانت لدينا طاقة جبارة

درست المرحلة الإعدادية في مدرسة قطر الإعدادية بجوار مستشفى الولادة (حمده) سابقاً  كنا شبابا متوقدا حماسة ونشاطا وحيوية وكانت لدينا طاقة إيجابية وكنت أشارك في التمثيليات التي تقيمها المدرسة في احتفالاتها ونشارك مع فرق كرة السلة وكرة القدم في المدرسة ولدينا ملاعب جميلة ولها مدرجات، وكنا سعداء عندما نذهب في رحلة مدرسية أسبوعية إلى مناطق قطر للتعرف عليها، ثم انتقلت لمدرسة الدوحة الثانوية القسم الأدبي وأول مرة يدرسوننا اللغة الفرنسية في المدارس، بعد التخرج من الثانوية تم منحي بعثة إلى مصر لدراسة الموسيقى هناك، ولكن رفض والدي ذلك في تلك الفترة خوفاً عليّ من الاهتمام بالفن وترك الدراسة من واقع خبرته، وذهبت إلى أمريكا ودرست ثلاثة أشهر ولكن مرض الوالد ثم وفاته هو سبب تركي الدراسة والعودة للدوحة لمساعدة العائلة، واشتغلت في التلفزيون كمخرج وقمت بتنفيذ العديد من البرامج الدينية والثقافية والمنوّعات، ثم تركت التلفزيون ودخلت سلك العسكرية في فرقة موسيقى الجيش واستمررت حتى تقاعدي عن العمل.

قصة انضمامي لفرقة الأضواء

اشتركت في التمثيل وكان وقتها عمري صغيرا جداً، وقد شاركت مع فرقة الأضواء الموسيقية التي أسسها عبد العزيز ناصر وجاسم نعمة وإسماعيل خالد وعبد الرحمن الغانم ومحمد عنبر في عام 1966، ويقع مقر الفرقة في بيت بالجسرة يتكون من غرفتين وهي بيوت مستأجرة من الشيخ محمد بن جاسم آل ثاني وزير الكهرباء والماء السابق رحمه الله بعد مصلى العيد بالجسرة.

وأذكر في عام 1967 قام الموسيقىر عبد العزيز ناصر بتجميعنا وكنا نحن مجموعة من صغار الفريج أذكر منهم عبد المنعم الجيدة وعبد العزيز المطوع ومحمد الجيدة وخالد الجيده وليد الباكر وأنا، وكان يعطينا بعد صلاة العصر دروسا تعليمية في الموسيقى والصولفيج، والهدف احتواؤنا من اللعب في الشارع وشغل وقت فراغنا بما يفيدنا.  وتعلمنا أساسيات الموسيقى، وبعد ذلك فاجأنا بأن طلب إلينا الاستعداد للمشاركة في الاحتفال بمرور سنة على تأسيس الفرقة، وكنا فرحين في يوم الاحتفال حيث سنتقابل مع الجمهور ونصعد خشبة المسرح، وبالفعل قدمونا في الفقرة الأولى وقدمنا فاصلا موسيقيا نال استحسان الجمهور، ثم بدأت الحفلة بتقديم أغنيات ومنولوج كان يقدمه عبد الرحمن درويش ، وفاصل تمثيلي كوميدي مدته نصف ساعة، وأغاني شعبية وتتواصل السهرة.

ومع مرور الأيام ترك الشباب الفرقة وجلسنا فقط أنا والمرحوم عبد العزيز المطوع ، وبدأ الموسيقىر بتعليمنا العزف على الكمانجه وبدأنا نتقنها وعزفنا مع الفرقة ونجحنا في مهمتنا، ثم انتقلنا لمرحلة أخرى وهي العزف على العود وأول أغنية عزفناها هي "البوشيّة" لأنها سهله تعزف على وترين ، واستمررنا في تعلّم العزف على العود مع الفرقة ونشارك في حفلات السمر والأعراس والمناسبات ، كان عدد من المطربين أذكر منهم المرحوم فرج عبد الكريم والمرحوم سالم تركي وعلي ثاني يغني أغاني كويتية والفنان إبراهيم علي متخصص في فن الصوت الشعبي، وعبد الحليم محمد من عمان متخصص في أغاني عبد الحليم حافظ وغيرهم .

وبعد أن ترك أغلب الأعضاء الفرقة بسبب سفرهم لتكملة الدراسة بالخارج أو انضمام العازفين لفرقة الإذاعة، قررنا إضافة المسرح إلى الفرقة لاستمرارها، وقدمنا عدة مسرحيات وتمثيليات من خلال فرقة الأضواء المسرحية وأذكر في السبعينيات شاركت في تمثيل مسرحية "الأهبل" وكذلك مسرحية الأطفال "حسن وفرارة الخير".

انضمامي للتمثيل في الإذاعة

بعد افتتاح الإذاعة في عام 1968 تقدمت فرقة الأضواء بطلب لمدير الإذاعة طاهر الشهابي وذلك من أجل تقديم مسلسل قطري لأول مرة يذاع في شهر رمضان المبارك، وبعد الموافقة بدأ فريق العمل القطري المكون من إسماعيل خالد وجاسم النعمة وعبد الرحمن درويش وحسن حسين وعلي عبد الرحمن ومحمد مرحب وعبد العزيز ناصر وعبد الرحمن المناعي ثم انضم لهم أحمد عبد الملك وغيرهم ، أذكر كانت الاجتماعات متواصلة من أجل كتابة وتمثيل المسلسل ومدته ربع ساعة ويتكون من (30) حلقة لعرضه في شهر رمضان المبارك، وكانوا يعملون بمقر الفرقة بجد وهمة ونشاط وحماس وكأنهم خلية نحل يسابقون الزمن من أجل إنهاء المسلسل.

وقد اختارني المرحوم الفنان إسماعيل خالد في عام 1968 لكي أقوم بتمثيل دور طحنون في تمثيلية "عائلة بطحنون" وهو أول مسلسل قطري يذاع في إذاعة قطر حيث يشارك في التمثيل نخبة من الممثلين القطريين والمؤلفين كلهم قطريون من فرقة الأضواء وتعالج قضايا المجتمع في تلك الفترة وأخرجه المخرج والمذيع زيدان ياسين (الله يرحمه)، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر المرحوم الفنان إسماعيل خالد والفنان محمد مفتاح وعبد الرحمن درويش وحسين جاسم وبعض الأصوات النسائية القطرية، وتكمن القصة حول عائلتين متجاورتين هما عائلة بوطحنون وعائلة بوحمود وتحدث بينهم مناوشات وكانت القصة محبوكة وجميلة وينتظرها الجمهور في موعدها بفارغ الصبر خاصة أنها تذاع في شهر رمضان بعد الإفطار مباشرة، وتجد الجمهور ينتظرونها بلهفة يتجمعون حول الراديو لسماع التمثيلية وحققت نجاحاً كبيراً خلال السنة الأولى، وفي السنوات اللاحقة الأربع التي قدم خلالها المسلسل الرمضاني تغيّر بعض الممثلين وبعض المؤلفين ، وقد شاركت في جميع السنوات لأنني أحد أفراد الأسرة.

ضربوني بقوة حتى بكيت!!

ومن طرائف المسلسل أنني كنت صغيرا وكان يحملني المخرج زيدان ياسين من أجل أن أصل للميكروفون ثم يرميني وهكذا وكانت مواقف جميلة وممتعة، وفي بعض الأحيان يحضرون لي كرسيا لكي أقف عليه، ولن أنسى موقف(الضرب)، لقد كنت أتألم كثيراً من الضرب لأنهم يضربونني ضربا مبرحا وحقيقيا لكي أبكي وليس تمثيلا، وكنا نسجل في اليوم حلقتين ونبدأ عملنا بعد الغداء ونمثل حوالي خمس ساعات ولا نشعر بالتعب، وبعد تسجيل الصوت يقوم المخرج زيدان ياسين بإدخال المؤثرات الصوتية وأذكر كانت الإذاعة تصرف لي مكافأة قدرها حوالي (500) ريال عن الحلقات التي سجلتها ويعطوننا شيكا مسحوبا على البنك وكنت صغيراً جداً ولا أعرف كيفية التصرف فكنت أعطي الشيك للفرقة لكي تصرفه لنا.

 

 

شاركت في الغناء مع المجموعة

وعند افتتاح الإذاعة وحاجتها إلى الأغاني الشعبية القطرية قام المرحوم الموسيقىر عبد العزيز ناصر بتطوير الأغاني الشعبية من أجل نشر التراث وبدأ بأغنية " العايدوه " ثم "القرنقعوه" وسجلت في إذاعة قطر وقد شاركت وأنا صغير مع مجموعة الكورال في هذه الأغنيات وحققت نجاحاً كبيراً، ثم استمر الموسيقىر في تطوير أغنية "أم الحنايا" و"النافلة" وسجلهما في مصر.

دخولي عالم الغناء

كنت أمارس هواية الغناء منذ الصغر مع فرقة الأضواء وتعلمت عزف العود والكمان والضرب على الإيقاعات ، فكنت أغني في حفلات السمر بالكشافة وفي الرحلات مع الشباب، كما كنت أشارك في الغناء في مناسبات الأفراح، وفي حفلات فرقة الأضواء الموسيقية، وفي عام 1976 تم اعتمادي مطربا رسميا درجة ثانية في الإذاعة من قبل اللجنة المشرفة على اعتماد المطربين، ولحن لي الملحن عبد الرحمن الغانم ثلاث أغنيات من التراث وأغاني عديدة وكذلك الملحن حسن علي (رحمه الله) وكذلك لحن لي الملحن وليد عبد الله، وقد سجلت أغاني وطنية ودينية ورياضية وغزلية وغيرها.

مهرجان الشباب العربي وأغنية مغربية ألهبت حماس الجماهير!!

أذكر، تم اختياري ضمن الوفد القطري المشارك في مهرجان الشباب العربي الذي أقيم في المغرب في عام 1979، وكان معي "حسين جاسم" وقدمت على مسارح الرباط أغنيات عديدة، وفي الحفلة الأخيرة قدم الشاب حسين جاسم أغنية أم كلثوم "دارت الأيام" وعزفت له على العود وتفاعلت معها الجماهير المغربية الذواقة، ثم جاء دوري وكنت حافظا أغنية مغربية "العيون عينية" سمعتها بالصدفة في إذاعة مونت كارلو لفرقة جيل جلاله المغربية ، وعندما بدأت في العزف والغناء فوجئت بوقوف الجماهير المغربية والغناء معي وقد ألهبت هذه الأغنية مشاعر وحماس الجماهير وكنت سعيداً بهذا التفاعل، وأكملت الأغنية وسط عاصفة من التصفيق، وبعد انتهاء الوصلة جاءني أحد السفراء خلف الكواليس غاضباً وقال لي لقد أحرجتنا لماذا اخترت غناء هذه الأغنية بالذات ألم تعرف أنها "سياسية" واعتذرت له لأنني بصراحة لم أكن أعرف مغزى الأغنية، وبعد انتهاء الوصلة جاءتني الجماهير خلف الكواليس وهنأتني وأخذوا عنواني وأرسلوا لي الورود وأشرطة وهدايا تذكارية وتم التقاط الصور التذكارية واشتهرت هناك من خلال هذه الأغنية .

حكاية قصة أغنية "القيناوي"

أما قصة أغنية "القيناوي" فلها حكاية غريبة فخلال تواجدنا في مهرجان الشباب العربي بالمغرب كان يتردد علينا في مقر السكن بعض الشباب المغربي من محبي الفن ويعزفون ويغنون معنا، وأسمعني أحدهم أغنية لفرقة ناس الغيوان وهي "آه يا وينه وين" وأعجبتني الأغنية وفي اليوم الثاني أحضر لي كتيبا فيه الأغنية وأغان أخرى، وحفظت الأغنية ودمجتها مع أغنية ثانية وهي " الغيناوي " والأصل في الأغنية هي أغنية " زار"، وكان اللحن بطيئا في بدايته ولكن أدخلت عليه الإيقاع السريع الذي يتناسب مع أذواق الجماهير وغنيتها في الحفلات وحققت نجاحاً كبيراً.

أما كيف تم تسجيلها في التلفزيون، فقد كان تلفزيون قطر يستعد للاحتفال بمناسبة استقلال قطر في 3 سبتمبر من عام 1981 م وتمت دعوتي لتقديم أغنيتين وطنيتين لأنني كنت مسجلا مطربا درجة ثانية. أما المطربون المسجلون درجة أولى فيقدمون ثلاث أغان وطنية، وكان تلفزيون قطر قد استعان بالمذيع الكويتي ماجد الشطي لتقديم فقرات الحفل، وقد دعانا المطرب علي عبد الستار على عشاء في منزله احتفاء بالشطي وكنا نحن الفنانين ندندن على العود وغنيت أغنية " القيناوي" وأعجبت ماجد الشطي وقال لو غنيتها في التلفزيون ستضرب وستكون أفضل من أغنية "بتروح لك مشوار" اللي غناها غريد الشاطئ، وقال سأتحدث مع مدير التلفزيون بهذا الخصوص وبالفعل جاء بالموافقة، وسجلتها مع أعضاء الفرقة ونجحت بتضافر جميع الجهود، وقد تم اعتمادها من وزير الإعلام قبل بثها، وعندما عرضت في التلفزيون حققت نجاحاً كبيراً وما زالت شهرتها كبيرة، وللتاريخ والحقيقة لم أتقاضَ عنها أجرا لأنهم قالوا أنت مطرب درجة ثانية ومحسوب لك أغنيتين فقط !!.

.