المقالات

نزهة برفقة بيلا بارتوك* (القسم الثاني) - بتصرف

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

لقد بلغ بارتوك منتهى التحرر مع "الكونشرتو الثاني للبيانو" (1931) الذي تنطلق فيه  "الخامسة" لتعبر عن فرحة عارمة عبر كتابة انسيابية مشرقة دياتونية صرفة، تلتحم فيها أصوات الأبواق الصاخبة، والألحان الأخاذة، والكتل المدوية المتصادمة، والإيقاعات المتسارعة مما يذكرنا بإيقاعات الزنوج البدائية، ويمنحنا أنشودة نابضة بالحياة ذات دينامية نادرة المثال.

ننتقل الآن للحديث عن مغناة "الأداجيو" الشعرية وهي في حلة فنية ثرية يخيم عليها حضور مستمر للطبول، وتتكشف في ذات الوقت عن الطبيعة الغنائية للسوناتة.

تعترض هذا "الأداجيو "حركة "البريستو" متألقة قوية الشبه ب"كونشرتو" رافَيل، لتعلن من خلال فقرة انتقالية عن الأسلوب الشفاف والبراعة الفائقة للـ"كونشرتو الثالث المكتوب للبيانو".

تسجل غنائية "الكونشرتو الثاني" و "الرباعي الخامس" أسمى ما يمكن أن يمنحه الإحساس بنشوة الإبداع. على أن سنوات الاختبار والمعاناة على وشك أن تلفه ليصبح وجوده أكثر شقاء وإيلاما بسبب ظهور النازية، واندلاع الحرب، وتعرضه للنفي، ثم للمرض والموت. وفيما كان أسلوبه في طريقه إلى الاكتمال، كانت مؤلفاته ـ هي أيضا ـ لا تتوقف عن التطور، غير أنها لن تصادف الحظ إلا لماما، أو بالصدفة؛ وبدل أن يحافظ على حيويته وهي في قمة تدفقها، وعلى ثقته الهائلة في الوجود، فإنه يوشك أن يصبح على درجة كبرى من التشاؤم لولا أنه يستمد من عبقرية شعبه نوعا من التفاؤل والثقة في الحياة.

إن سمة الحزن التي تطبع حركة "الفوكَ" التي يفتتح بها عمله "موسيقى للأوتار والإيقاع وألة سيليستا" (1936) تحمل بالفعل ظلال الحرب والموت. وهذا التوهج الشاحب لآلة السيليستا يلمع في سماء ملبدة. وليس هناك شيء يثير الإعجاب أكثر من مسار هذه الأصوات التي تبحث عن ذاتها في شعاب يلفها الضباب.

وإذا كانت الصدفة قد شاءت أن تحمل آلة الكسيلوفون في حركة "الأداجيو" كل هذه الأصوات الجافة والمتصادمة، فإن بارتوك سرعان ما سيعود في الحركتين المواليتين ليواجه عتمتها ويبدد تذمرها من خلال ما بثه فيهما من ألحان مشرقة الأضواء يتجلى فيها لأول مرة التعايش المثالي بين الفلكلور وبين قوالب الكتابة الكلاسيكية في كامل صرامتها.

وعلى الرغم من تشابه التوزيع الآلي بين "السوناتة المكتوبة لآلتي بيانو والإيقاع" (1937) وبين معزوفة "موسيقى للأوتار"، ومن قرب العهد بين تاريخ تأليفهما، فإن الأولى تنتمي إلى مجال مغاير، فيما تبدو الثانية واقعة تحت سيطرة الإيقاع، صعبة، وأحيانا متشنجة. كما أن البحث المخبري والجهد التقني يختفيان فيها أمام السحر الذي يأخذ بألبابنا عند سماعها. من ثم يرى ـ على حد قول آنطوان كَوليا ـ أن التيمات الفلكلورية التي وجدت  وتمت المحافظة عليها نقية لم تعد سوى قطع دموية علقت في غابات وعلى مكاوي إيقاعات الهلوسة والتناسق القاسي بوحشية عجلى، عنيدة، ومتنوعة لتصبح شيئا لم يعد له من اللحن الميلودي غير الاسم.

يسجل "كونشيرتو للكمان"(1937ـ1938)عودة بارتوك إلى مجال التأليف للأوركسترا. فلقد آن لعمله المتواصل منذ خمسة عشر عاما أن يؤتي أكله لتصبح لديه ملكة لا تضاهى من الثراء والمرونة. وهو بالنسبة لفقرة الصوليست لم يستطع التخلص من تأثير الأسلوب الغجري؛ بل إنه استمد منه بعض خصوصيات تقنياته الجهنمية، بيد أنه في مقابل ذلك انطلق يحلق بالكونشرتو عاليا، ويمجد خلفية الميلودية الهنغارية التي طالما حجبها.     

وسوف يتحقق حلم قديم طالما راوده، وهو لقاء الشرق والغرب عن طريق ضخ دم جديد ذي سمات شعبية في القوالب الكلاسيكية؛ كان ذلك في معزوفته "موسيقى للأوتار" حيث تم اللقاء على نحو لافت للنظر، ليس من أجل تمجيد الفلكلور ولكن من أجل أن يكون تعبيرا عن الذات وعن المشاعر الإنسانية  في ذات الوقت.       

خلال فصل الصيف من سنة 1939 كتب بارتوك في مصطافات "لا كَرويير" آخر أعماله الأوروبية: "ديفَيرتيمينتو للأوتار" و"الرباعي السابع".

وتمضي أربع سنوات على هذا التاريخ، تشتعل الحرب إثرها، فيفر بارتوك إلى الولايات المتحدة حيث يصيبه المرض. وفي غمرة الضيق الذي أصبح يعاني منه يتوصل بطلب من سيرج كوسيفَتسكي يعيد إليه بعضا من الانتعاش. وفي هذه السنوات التي يكتنفها الصمت ينبجس عمله العظيم كالطود الشامخ، والذي ليس في الوسع أن نختزل الحديث عنه في سطور.

وستتوالى بعد ذك أعمال متفرقة وهو في منفاه: سوناتة للكمان وحده كتبها بطلب من "مينوهان Menehin، ثم "كونشرتو للآلتو"، ثم "كونشرتو للأوركسترا"، وأخيرا "الكونشيرتو الثالث للبيانو"، وقد رسم فيه صورة رجل متحرر، وأودعه صفحة في منتهى الاسترخاء وأوج النقاء عز أن يكون لها نظير في سائر أعماله الموسيقية

_______________

 *Jacques Lonchampt: Revue Musiva - imp. chaix. Paris no 24 Mars 1956. pp 10 -13

 

 

.