المقالات

فوريه (Faure) ضحية العصور الحديثة (بتصرف)

. قرات لك

 

وردت على مجلة Musicaالصادرة في تشرين أول/أكتوبر 1955 من إحدى قرائها الأسئلة الثلاثة الآتية:

1)    كيف تفسرون ندرة تسجيلات "موسيقى الحجرة" لـ" غابرييل فوريه"، ولاسيما "الخماسي الأول"  Premier Quintette  الذي لم يسجل قط؟ 

2)    لماذا لم يقدم "رباعي" سيزار فرانك أبدا للجمهور، بينما تتحدث عنه الكتب باعتباره عملا فنيا رائعا يضاهي سمفونية نفس المؤلف وخماسيه؟

3)    لماذا يجري باستمرار عرض السمفونيات الثلاث الأخيرة لتشايكوفَسكي، بينما لم تعرض قط السمفونيات الثلاث الأولى؟

وقد تصدر للإجابة عن هذه الأسئلة أحد قراء المجلة هو Gaston Gunst أستاذ بالمدرسة الوطنية بمولهاوس Mulhouse، فوافى المجلة بالورقة الآتية:

تبدو ملاحظات السائلة دقيقة للغاية، وهي تستحق التجاوب معها. وبعيدا عن كل ادعاء بالعثور على "مفتاح اللغز"، أود أن أقترح بعض الأفكار التي قد تشكل إجابات جزئية على واحد أو أكثر من الأسئلة الثلاثة المطروحة. 

الفكرة الأولى:

في البدء، أشير إلى أمر حدث بمناسبة تنظيم الأسبوعين التجاريين بمدينة باريس، وهو إقدام أحد جامعي الأسطوانات القديمة على بيع مجموعة كبيرة من التسجيلات بثمن زهيد. وأثناء النظر في أكوام المبيعات أدهشني أن يتوارد من بين تسجيلات 78 لفة القديمة اسم غابرييل فوريه أكثر من مرة، فيما لم يرد إلا تسجيل واحد  لفاغنر به بعض التشقق؛ حينها أدركت أنه ليس هناك من مبرر للكساد الذي ناب تسجيلات فوريه إلا أن تكون لصاحبها حاليا قيمة متدنية في سوق التجارة، وذلك بالنظر إلى أن شركات إنتاج الأسطوانات تضع في صدارة اهتماماتها بيع بضاعتها؛ وهذا مر طبيعي، معناه أنها تنظر إلى مدى قابلية  البضاعة للبيع وليس إلى قيمتها الفنية. 

وفي وسع هذه الشركات أن تنتج بالأحمال ما تشاء من الأعمال الموسيقية وهي في تمام الاطمئنان من قبيل "غييوم تيل" و"متعة الحب" (Plaisir d'Amour)و"رقصات البوليرو" لرافَيل، ولكن عندما يتعلق الأمر بـ "فوريه" فهي تتخذ الحذر، إذ من الواضح أن هذا الموسيقي الفرنسي أصبح خارج نطاق "الموضة". وسبب ذلك في رأيي راجع إلى أنه غدا ضحية العصور الحديثة.

علينا أن نسجل في البدء أن موسيقى الحجرة فقدت قيمتها بكل أسف لدى الجمهور الواسع، هذه الموسيقى الأكثر نقاء وصفاء والتي تستوجب من أجل فهمها وتذوقها كثيرا من التركيز والتأمل. وإن من حقنا أن نسأل: هل ما زلنا في عصرنا المتسم بالقلق قادرين بما يكفي على إدراك وفهم دقائق التعبيرات الموسيقية المشبعة بالشعر والجمال الساحر؟   

لقد أصبح الجمهور في الوقت الحاضر يفضل المجموعات الأوركسترالية الكبرى ذات التأثير المباشر والتي لا تتطلب تركيزا ذا بال.  إنه في حالة من الدوار، وقد غدا ثَمِلاً بالصخب الصوتي بدل أن ينصت إلى ما تبوح به ثلاثة أقواس أو أربعة.  إننا نعيش في قرن الضجيج، وفي وسعي أن أستشهد بجملة من الظواهر والأعراض تهيأ لي أن أسجلها خلال لقاءاتي مع الشباب.  ومما لا ريب فيه أن هناك نفورا من طرف الجمهور إزاء موسيقى الحجرة (مع استثناءات قليلة) وبالذات بالنسبة لـ "فوريه".

أليس "فوريه" هو من كان يأخذ بالألباب، ويحمل المستمع لعالم الحلم بامتياز؟  لقد فقدنا اليوم الإحساس بالشاعرية.  وإذا ما وجهنا اهتمامنا إلى إصلاح الوضع فعلينا أن نبدأ أولا بإحياء فن "الفوغا" أو "رباعيات بارتوك".

لقد عاد المستقبل ملكا لعلماء الرياضيات، أما الشعراء من جنس "فوريه" فحظهم ابتسامة ساخرة، وأما الفنانون وناشرو الأسطوانات فهم قبل كل شيء تحت رحمة الفئات العريضة من الجمهور، لا أقلية العارفين منهم؛ ومن هنا لم يبق أمامنا إلا الأمل في أن تنبثق "مرحلة" جديدة يحدث معها تطور في مفهوم الذوق؛ وأنا واحد من هؤلاء الذين يتطلعون إلى هذه الأمنية، وإن يكن من المؤكد أنها بعيدة الأمد.  

الفكرة الثانية

يصنف علماء الموسيقى الأعمال الموسيقية وفق عصورها. وهم يقيِّمونها بحسب قيمتها التاريخية، وأثرها، وأهميتها في تاريخ الموسيقى. أما جمهور الناس فلا يهمهم في شيء هذا التصنيف التاريخي، فهم يحتكمون إلى معايير غير التي يحتكم إليها العلماء المنظرون. ويحملنا هذا على التمييز بين نوعين من القيمة: القيمة التاريخية الموزيكولوجية (القطعية نسبيا)، وقيمة الجمهور (النسبية). وذلك ما قد يساعد على تفسير غياب "رباعي" سيزار فرانك في برامج العروض الفنية، بالرغم من نعته في المصادر المكتوبة بالعمل الرائع. وبقطع النظر عن بعض الأعمال الفائقة بما فيه الكفاية والقادرة على التصدي لسائر تيارات "الموضة"، فقد يحدث أن يرضى الجمهور عن بعض الأعمال فيما يرفض أخرى هي قطعا الأفضل. فلماذا إذن؟ لعل مفتاح هذا اللغز أن يكون كامنا في أعماق اللاوعي الإنساني.

لا ريب أن عازفي الأوركسترا يتحملون نصيبا من المسؤولية في هذا النطاق؛ ذلك أنهم قادرون على فرض أو إعادة فرض بعض الأعمال الفنية، ولاسيما إذا كانوا من ذوي المهارة الراسخة في العزف. غير أنهم في الغالب يؤثرون الانزواء في حيز ضيق من الأعمال التي أنهكها الاجترار طالما أنها "آمنة"، وما دامت تضمن لهم النجاح وتكفيهم عناء البحث عن غيرها.

الفكرة الثالثة

أما بالنسبة لسمفونيات تشايكوفَسكي الثلاث الأولى فيتعين الاعتراف بأنه لا تعارض في شأنها بين موسيقيي الأوركسترا وعلماء الموسيقى، بل إن هؤلاء لا يتحدثون عنها إلا لماما. فهل يعني هذا أنها ذات قيمة متدنية؟  ليس ذلك مؤكدا. فحتى وقت قريب كانت سمفونيتا شومان الثانية والثالثة تعتبران أيضا غير قابلتين للعرض.  أما بالنسبة لشوبرت فلم يكن مقبولا من أعماله غير "السمفونية الناقصة"، فيما كانت سمفونياته الباقية بمثابة سقط المتاع. غير أن هذه المؤلفات استعادت رونقها ومكانتها بفضل بعض قادة الأوركسترات، وهي اليوم في طور الحصول على رضى الجمهور.

لقد شهدت باريس مؤخرا حدث الاحتفاء بأوبرا Eugène Onéguine (قصيدة شعرية من نظم الشاعر الروسي بوشكين) التي إن لم تكن على مستوى كبير من الروعة فهي على الأقل في مستوى القبول بسبب ما تحتوي عليه من ألحان جديرة بأن تضاهي "الفالس" و"البولونية" اللتين دخلتا بكل أسف إلى مجال "موسيقى المنوعات". وليس ببعيد أن تفاجئنا   ذات يوم فرقة سمفونية جريئة بإعادة الحياة إلى سمفونيات تشاكوفسكي الثلاث، لاسيما وأن الظرف غدا ملائما بعد أن فتحت أوبرا "أوجين أونيكَين" السبيل إلى الظهور.

وفي وسعنا ـ بعد هذه الإجابة الوجيزة عن الأسئلة الثلاثة المطروحة ـ أن نخلص إلى خلاصة فحواها أن "العمل" الموسيقي لا يعني مجموعة من الرموز يطلق عليها اسم "المدونة"؛ فهو من أجل أن يكون "تأليفا"، ومن أجل أن يكون "موسيقى" يحتاج إلى أن يتجدد خلقه باستمرار، وإلا، فسيصبح موضع التأويلات المادية المتقلبة النزوات. تصوروا كم هو طويل ذلكم الوقت الذي تقضيه روائع المؤلفين من أمثال باخ وشوبرت طي الصناديق  في انتظار أن تجد طريقها إلى الأسماع.  غير أنه مهما يكن واقع هذه الروائع اليوم، فإن من حقنا عقد الأمل على أن تعيد إليها الأجيال القادمة ما تستحقه من إنصاف، وما ذلك إلا لأن الأذواق والعادات مهما تغيرت، فإن القلب لا يتغير. وصدق بتهوفَن عندما قال: إن عملا نابعا من القلب لَحَرِيٌّ بأن يعود إليه عاجلا أو آجلا.

.