المقالات

افتتاحيات موزارت (بتصرف)

. قرات لك

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل

من المعلوم السائد أن جل المؤلفات ذات الطابع الغنائي يمهد لها بمقدمة يطلق عليها "افتتاحية"، الغاية منها وضع المستمع في أجواء الموسيقى دون عناء، وإعداده للتجاوب مع  المؤلف واستيعاب فكرته.وقد عرفت بعض الافتتاحيات شهرة واسعة من قبيل "خرساء بُّورتيسي" (La muette de portici) لـ دانييل أوبير Daniel Auber، و "نصابو نورنبيرغ" (The Mastersingers of Nuremberg) لـ ريتشارد فاغنر، و"ميراي" (Mireille) لـ شارل غونوCharles Gounod ، يعلن مؤلفوها من خلالها عن طبيعة السيناريو الذي اختاروه، ومن ثم نعتت هذه المعزوفات السمفونية بـ "وعاء الأنغام". 

أما افتتاحيات موزارت فيتعين أن نلاحظ ، قبل كل شيء، أنها لا تنبني على هذا النسق  في كتابتها، فقد منحها، وقبله بقليل المؤلف الموسيقي إبن مقاطعة بافاريا الألمانية كريستوف غلوك  Christoph Gluck، مفهومها شبه النهائي، ليس من حيث "القالب"، فقد سبق إلى ابتكاره المؤلف الموسيقي الإيطالي دومينيكو سكارلاتي Domenico Scarlatti، وإنما من وجهة نظر نفسية؛ وخير شاهد على ذلك افتتاحية  أوبرا "دون جيوفاني" (Don Giovanni).

لقد استطاع موزارت بالرغم من قصر سنه أن يكتب إحدى وعشرين افتتاحية، على أنه لا مجال إلى القول بأنه كان موفقا في كتابتها بأكملها، فقد كانت تلك التي وضعها وهو ما يزال في فترة اكتساب الخبرة بمثابة "المقبلات المشهية للطعام"، ومن ثمَّ جاءت أقرب إلى قالب السوناتة(sonata form).

أما الافتتاحيات التي وضعها في شبابه فهي بحق موسيقى قحة، غير أننا سنكون في حاجة إلى امتلاك طاقة كبرى من الخيال لنعثر فيها على أشياء لم تتضح صورتها لدى المؤلف نفسه، أو كما يقول المثل اللاتيني: "وفق مزاج المهندس" Fit fabricando faber))؛ وليس من المنطقي أن يشذ موزارت في تطوره عن المألوف، فالعباقرة ليسوا إلا بشرا، ومهما تكن درجة ذكائهم فإنها تخضع لسنن التطور العادية.

في ضوء هذا سيكون في وسعنا دونما تردد أن نرتب افتتاحيات موزارت في ثلاث محطات واضحة:

     1 ـ محطة التلمس أو اكتساب الخبرة.

     2 ـ محطة الافتتاحيات الموضوعية أو الذاتية.

     3 ـ محطة الافتتاحيات المعبرة.

محطة التلمس:

في سنة 1767 ألف موزارت كوميديا "آبولو وياسينتوس" (Apollo et Hyacinthus)، وهي أول عمل غنائي أنجزه، ومنذئذ أثبت توفره على مؤهلات خارقة في التأليف.  وفي الفترة ما بين 1767 و 1774 سيكتب عدة محاولات درامية كانت وما انفكت تشهد على طور "المرحلة الواعدة"، وشكلت في نفس الوقت إيذانا واضحا بما سينجزه  بعد سنوات قليلة من روائع من قبيل "دون جيوفَاني".

صحيح أن موزارت ألف "آبولو وياسينتوس" وعمره لا يتجاوز السنة الحادية عشرة، وألف أوبريت بوف(كوميدية)"باستيان وباستيين" (Bastien und Bastienne) وعمره 12 سنة، وكتب "حلم سيبيون" (Scipio's Dream) وعمره 16 سنة، ومع ذلك فإن مقدمتي المعزوفتين الأوليين أقرب في بنائهما لقالب "ألّيغرو سوناتين" (Allegro de sonatine)، وإن تكن ثانيتهما خاصة تشهد على نكهة تجمع بين السذاجة والعذوبة. وعلى كل حال فقد كانت ملامح التطور بينة في افتتاحيات موزارت لهذه الفترة، وإن لم تكن ثمارها قد نضجت بعد.

 

المحطة الانتقالية:

لم يعد موزارت في هذه المرحلة طفلا، فقد كبر واختمرت تجربته وأصبح عمله أكثر اكتمالا وتحررا. وقد جاءت افتتاحياته  لتكشف بجلاء عن الخطوات العملاقة التي خطاها، وهي، وإن لم تبلغ بعد مرحلة النضج الكامل، فإنها تكشف عن موسيقي واع بفنه محب له ملم بأسراره، يملك من  المعرفة نصيبا وافرا.

لنترك جانبا بعض أعماله المتواضعة مثل "ثاموس، ملك مصر" (Thamosm King of Egypt) و"زايد"

 (Zaide) اللذين لم يكتب لهما افتتاحية، ولنوجه النظر إلى أعمال موزارت التي تعكس روح المؤلف من قبيل "الوصية الزائفة"  (La Finta Gardiniera)، و "إيدوميني ملك كريت" (Idomenée, re di Creta)، و"عفو تيتوس" (La clémence de Titus)؛ هذه الافتتاحيات التي نسميها "ذاتية" ـ على الرغم مما قد يبدو في هذه  التسمية من ادعاء، لم تعد سوناتات حقيقية بالنظر إلى انتهاء فترة الشباب، مثلما أنها لم تبلغ بعد درجة تؤهلها لتشكيل مقدمات درامية طريفة حيث تبدأ الحركة في النماء؛ على أن هذه المعزوفات السمفونية تمهد بشكل طبيعي وشبه عقلاني للتصميم الأدبي.

عندما ألف موزارت رائعته الغنائية الأولى "الوصية الزائفة"، التي هتف لها جمهور ميونيخ في 1775، كان على يقين بضرورة التفكير في محتوى الأوبرا وتطورها العام، بيد أن افتتاحيتها لم تكن سوى حركة من سوناتة شبه مغفلة هي عبارة عن "ألّيغرو" (allegro) لا يخلو من ألق الألوان والحيوية والغزارة.

ومن جهة أخرى فإن المقدمتين الآليتين لكل من "ملك كريت" و"تيتوس أمبراطور روما" على درجة كبرى من الفخامة والاحتفالية، تتجلى خاصة في جملة لحنية بهية، ولا سيما في حقولها الثلاثة الأولى، والتي يزيدها روعة  جان شانطافوان قائد الأركسترا وعاشق موزارت، وهو يتوسل في لطف بالـ "أناكروز" في أسمى معاني السيادة والسمو. 

ومن اللافت للنظر أن موزارت استعمل في عزف افتتاحية "ملك كريت" لأول مرة مجموعة من آلات الكلارينيت التي لم يسبق لأوركسترا سالزبورغ أن استخدمها؛ وقد وجه موزارت لوالده خطابا عبر فيه عن منتهى سعادته بهذا الاكتشاف الجديد. 

 

المحطة الثالثة ـ الافتتاحيات المعبرة:

ها نحن أدركنا الافتتاحيات الكبرى التي أسميناها الذاتية أو المعبرة حيث يركز موزارت من خلال بعض المقاطع اللحنية القوية على بلورة الفكرة الرئيسة للدراما. ولأنه يستبعد كل الجزئيات غير الضرورية، فهو يتيح للمستمع القدرة على أن يستوعب بسهولة نسيج المعزوفة وتطورها ونموها. من هنا سيكون في وسعنا القول دونما أي جدال بأن موزارت أبدع نمطا جديدا من الموسيقى لا ريب أن لويجيو كيروبيني (Luigi Cherubini) ولودفيغ فان بيتهوفَن (Ludwig van Beethoven) هما وريثاه المباشران.

في افتتاحية "اختطاف في السراي" (The Abduction from the Seraglio) نتوقع بكل تأكيد طبيعة الدراما التي سيوظفها موزارت، إذ لا مجال للشك في أنها قد بنيت على الأسلوب الكلاسيكي للسوناتة، فجاءت أقسامها على النحو التالي: "بريستو" (presto) ـ "آندانتي" (andante)، "بريستو"، بيد أنه إذا كانت سرعة الحركتين  الأولى والثالثة توحيان بأجواء الحياة التركية التي أصبحت خاضعة لذوق العصر، فإن الحركة الثانية تنبئ باللحن الذي سيؤديه مغني التينور وشيكا في أول مشهد  من الفصل الأول.

وتأتي افتتاحية "زفاف فيغارو" (The Marriage of Figaro) لتعلن منذ البداية عن فكرتها الرئيسية، فمع شيء من إعمال التخيل الجريء سيكون في وسعنا أن نلاحظ وجود خطوط لحنية وبعض الأصداء لحركة "البريستو" المتالقة. وهي وإن تكن غير مقنعة  فإن الناشر يدرك تمام الإدراك عند سماع الافتتاحية  أن "اليوم المجنون" (La folle journée)ـ وهو الاسم الفرعي للعمل ـ سيفي بوعده.

أما افتتاحية أوبرا "دون جيوفانّي" التي تعتبر دون منازع قمة روائع موزارت، فهي تحدد بشكل جلي طبيعة هذه الأوبرا ذات النفس المأساوي والمضطرب. وقد جاء في المقالة  التي أنشأها غونو (Gounod) بعنوان "دون خوان لموزارت" ما يلي: "إن التآلفات الأولى،  بقوتها وجلال إيقاعها المتأخر النبر (syncopé)، ترسخ السلطة المهيبة والرائعة للعدالة الإلهية المقتصة من الجريمة. فبعد المازورات الأربع الأولى ـ التي يكسوها الصمت مزيدا من الرهبة عبر المازورتين الثانية والرابعة ـ تنطلق تعبيرات هارمونية ذات طبيعة مرعبة وكأنها مشهد شبح.

ها هنا ينطلق الألِّيغرو في حيوية خارقة وثابة تبعث على الدوار، يسبقه صخب للأبواق سيتجدد في الخاتمة، اتخذه "لوبوريللو" (Leporello) خادم "دون جيوفاَني" وسيلة لسرد فتوحاته الغرامية ومطية عابرة نجد نظيرتها في افتتاحية "كوزي فان توت" (Così fan tutte) التي ألفها موزارت في خريف 1789.

هذه الافتتاحية  بدورها تشكل إحدى روائع موزارت. وقد صدرها بعزف قصير على الأبواق،  يتلوه عزف منفرد على آلة الأوبوا، ثم حركة البريستو المرحة في لحن موسيقي على درجة كبرى من البراعة والبهجة ترجعه سائر آلات الأوركسترا الواحدة تلو الأخرى ويتخللها من حين لأخر عزف جماعي (tutti) مرح.

  

الصفحة  الأولى من مدونة افتتاحية "كوزي فان توت"

     

وخلاصة القول فلقد برهن موزارت عن عبقريته وهو ما يزال طفلا عندما كتب أولى افتتاحياته على نسق السوناتة، فجاءت سهلة تعبر عن أحلام الشباب؛ حتى إذا بلغ المرحلة الثانية اقترح مشروعا ظل هو وحده من يقدر على رسم تصميمه، ثم لما أدرك المرحلة الثالثة جعل من الافتتاحية نمطا مبتكرا في التأليف ظلت فكرته الرئيسة حاضرة باستمرار في ذهن المستمع الواعي؛ وبذلك شكلت افتتاحيات موزارت حدثا مشهودا في تاريخ الدراما الغنائية.   

.