المقالات

هل كان فشل "كارمن" علة وفاة بيزيه؟ ) بتصرف(

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

في مساء اليوم الثالث من شهر مارس 1875 كان الباريسيون على موعد مع أوبرا "كارمن" للمؤلف الموسيقي الفرنسي جورج بيزيه (1838-1875).

يومها كان الباريسيون أيضا يعيشون في أجواء التحولات السياسية والاجتماعية التي تمخضت عن انتفاضة "كومونة" منذ 1871 - من جهة - وأفضت - من جهة أخرى- إلى ميلاد الجمهورية الثالثة وانطفاء جذوة الخلافات الملكية.

ويومها أيضا كان منتظرا من بيزيه أن يتحلى بشيء من الوقار الذي يتطلبه العهد الجديد؛ ويعني ذلك أن يبدي شيئا من المرونة أمام تدخلات بعض زملائه للتخفيف من غلواء المشاهد التي تخالف أعراف الأوبرا الفرنسيةويُخشى أن تكسر قيودها بما لم تألفه من قبل، هذه المشاهد التي يستبعد معها حدوث ابتهاج الجمهور المنشود بسبب كتابات مسرحية "كارمن" التي تطفح بالعاطفة الجياشة والحيوية المفرطة، وما فيها من برجوازية متكلفة، وكذا النقل المكشوف لصور الحياة العمالية ومعاناة الطبقات الدنيا في المجتمع.

هكذا إذاً ذهبت سدى محاولات المؤلفين الموسيقيين ميلهاك Meilhac وهاليفَي Halévy إقناع صديقهما بيزيه بالتخفيف من حدة الوطأة التي أودعها الكاتب الفرنسي "ميريمي" شخصية "كارمن"، فجاءت متسمة بالعنف العاطفي، والتوتر الدرامي مشحونة بالسخرية في أقصى صورها.

وأمام دهشة الجميع، رفض بيزيه إدخال أي تعديل على عمله، وهو الذي طالما أبان عن المرونة والاستجابة لما يرضي جمهوره؛ بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك فقال: إذا كانت "كارمن" البوهيمية لا ترضي رجال المال الذين فتحوا مكتب تذاكر العرض في شارع فافَارت ، فليتحملوا سوء العقبى، وما عليهم سوى أن يغيروا مسرح دار الأوبرا بغيره، وأن يخططوا لعروض زواج الشباب في مسارح الفَودفَيل.

بكل تأكيد، كان هناك شيء قد تغير في بيزيه. فماذا كان رأي إدارة دار الأوبرا في هذا الأمر الذي ينبئ بصاعقة وشيكة الوقوع في الكواليس؟ الواقع أن المدير السيد  دولوكل De Locle لم يكن مستقرا على قرار محدد، وحتى لو فعل فمن شبهالمؤكد أنه سيثير استياء زبنائه من المنخرطين: فإن هو اقترح رأيا جديدا أثار غضب القدماء من هؤلاء، وهز حجابُ الأوركسترا أكتافَهم تجاهلا، وقطّب المنشدون عبوسا، وأمسك الملقنون عن التلقين؛ وإن هو مال به الرأي إلى تقديم أعمال فنية بديلة سبق عرضها صاح الرواد القدماء: يا إلهي، لكم هرم هذا النوع من الأوبرا كوميك!

هكذا إذن، لم يكن لمدير المسرح أي أمل، بل لقد كان يرى أن هذا العمل الذي أنجزه بيزيه كسر طبلة أذنه، مثلما يرى أن موسيقاه مبهمة لا يكاد يعي منها شيئا. 

وهكذا أيضا، كان كل شيء جاهزا لفشل محقق، انطلاقا من الجمهور، إلى المدير والفنانين.

وبالفعل، فمنذ حلقات التدريب الأولى ظهر تمرد المنشدات بسبب إكراههن على تدخين السجائر الرديئة، لا سيما وأن أشد أعداء المغنين هو الدخان؛ وأما في قاعة العرض فقد فوجئ الجمهور، وساده نوع من الارتباك بسبب وحشية المشاعر الموصوفة، وبلغ الأمر في النهاية حد إثارة الحنق على "كارمن"، هذه الفتاة الغجرية المتعجرفة والمزهوة بجمالها، والتي سيؤدي بها إغواء الرجال إلى الموت المأساوي.  

لقد كان تفاعل الجمهور مع العرض دون المستوى المرجو، وذلك باستثناء المقدمة الموسيقية للفصل الثاني التي استعادها أكثر من مرة، وكذا اللحن الشهير لـ"مصارع الثيران"والخماسي الغنائي اللذين صُفق لهما بحرارة.

ولسوء حظ العرض فقد أخطأ ضارب الطبول في حساب المازورات، فأوقع نقرتين عنيفتين على الطبلة الكبيرة في عز حركة "البيانيسّيمو" من غناء "آريا ميكاييللا" ، الأمر الذي زاد في تعكير أجواء العرض، وإنهائه في شيء من استخفاف الجمهور، هذا الجمهور الذي  غاب عنه أنه كان أمام عمل موسيقي عظيم ومؤهل ليحتل في المستقبل مكانة مرموقة ضمن حوليات المسرح الغنائي.

أسدل الستار بعد نهاية الفصل الرابع من المسرحية، وغادر الجمهور القاعة، ووجد بيزيه نفسه في رفقة  صديقيه ميلهاك وهاليفَي، يسيرون في صمت كل إلى بيته.  كانت ملامح الانهيار العصبي بادية  عليه، وهو الذي بذل قصارى جهده في مسرحية استقبلها الجمهور ببرودة كارثية بحجة أنها عمل مبتذل ومخل بالأخلاق.

وما أن أشرقت شمس اليوم الموالي حتى كانت الصحف تحمل أخبار حفل يوم 3 مارس 1875.  كان صاحبنا يعرف جيدا هؤلاء السادة "الصحافيين"، ويعرف أيضا أنه لا أمل في أن يجد في مقالاتهم ما يخفف من حزنه؛ أما السيدة كَالّي- ماريي Mme Galli-Marié، بطلة دور "كارمن" فقد كان حظها من الصحافة التنويه برشاقتها، وجرأتها المغرية، وانعراجات صوتها. 
وقد كان الصحافيون الأكثرُ تسامحا يرون أن عمل بيزيه كانت تشوبه الإطالة والإطناب وضبابية الألحان، فيما كان الكورال مضطرباً.
وسيتاح لنا من خلال الآتي أن نشكل فكرة واضحة عما كتبه النقاد بخصوص بيزيه: 
يقول هنري لافَوا Henri Lavoix في نشرة الإلوستراسيون L'Illustration: لكم تحتاج هذه المؤلفة إلى النظام والتخطيط والوضوح. أما بول دو سان فَيكتور Paul de Saint-Victore فهو يعلن عبر صحيفة لو مونيتور    Le Moniteurفي لهجة انتقامية حانقة: "إن السيد بيزيه ينتمي إلى هذه الطائفة الجديدة التي يقوم مذهبها على تقويض الفكرة الموسيقية بدلا من شد وثاقها. وبالرغم من كونه اتخذ من "فاغنر" مصدر استلهامه، فقد جاءت زخارفه الموسيقية عتيقة الطراز، فيما ألحانه عفّى عليها الدهر، والغناء تحول إلى صدى شاحب تحت هيمنة الأوركسترا. 
ثم إن بيزيه في رأي بعض النقاد جاهل لصناعته، فيما هو عند آخرين عالم بها فوق الحد. يقول الملحن الفرنسي أوسكار كوميتان Oscar Comettant في صحيفةلو سييكل  Le Siècle: لم يعد السيد بيزيه في حاجة إلى شيء يتعلمه مما يجري تدريسه، غير أن عليه  - لسوء الحظ - أن يخمن أشياء كثيرة لا يجري تدريسها؛ ومن أجل أن يصبح مؤلفا موسيقيا مسرحيا فعليه أن ينسى الكثير مما تعلمه.
وتبقى المقالة التي نشرها أدولف جوليان Adolphe Jullien بحق الأشد قساوة وإحباطا لصديقنا بيزيه، حيث يقول: من المهم في الواقع بالنسبة لـ"كارمن" أن نشير هنا مرة أخرى إلى أن بيزيه انساق مع ركوب المنحدر الطبيعي الملائم لعبقريته، وأنه - للمرة الثانية في حياته - بعد "لارليزيينL'Arlésienne  أهمل، عن طواعية، إرضاء الجمهور، وتعمد التخلي عن التنازلات التي كان معتادا عليها حتى الآن، ومن ثم، فلا عجب أن تكون  "كارمن" العمل المعبر بأمانة وصدق عن بيزيه بنسبة مائة في المائة. 
ويختم أدولف جوليان انتقاداته قائلا: لقد توهم الموسيقي بيزيه بمنتهى السذاجة أن كتابة مقاطع ماجنة وأغاني سهلة التذكر كانت كافية له للفوز بمدائح أصر غالبية النقاد على حرمانه منها.
والحق أن أوبرا "كارمن" شكلت بعد "الآرليزيين" نموذجا سليما لتحرر بيزيه؛ إنها تحليق حر في جو خاص بها؛ فيها تخلى الملحن أخيرا عن الإرضاءات، وأصبح لديه من الجرأة ما يفي بالتعبير عن نفسه وفق ما يمليه قلبه ومزاجه الخاص، وينسجم مع المغزى العاطفي لوجوده. ومع ذلك يأبى واحد من أشرس النقاد إلا أن يتصدى له بشدة ليلومه على جرأته التي اعتبرها نكوصا وتراجعا إلى الوراء، هذه الجرأة التي - حسب  جوليان أودولف نفسه - سبق لبيزيه أن أظهرها في "صيادو اللؤلؤ" و"فتاة بيرث الجميلة" و"جميلة". 
في خضم هذه الحماقات المؤسفة تطفو إشارة مواساة، إنها مقالة الإطراء التي أنشأها الكاتب والمؤلف الموسيقي إرنيست ريير  Ernest Reyer أشاد فيها بأوبرا "كارمن"، وأبدى ثقته في مؤلفها قائلا: "كارمن" لم تمت.
وإذا كان ريير محقا فيما قال، فكم كانت كثيرةً الصفعاتُ التي تلقاها بيزيه، والإهانات التي تحملها، والمظالم والشتائم التي تعرض لها! سيقول قائل: إنها سنة الحياة، ولا سيما حياة المؤلفين الموسيقيين، طبعا، غير أنها كانت بالنسبة لبيزيه تعني الموت الوشيك.
هل كان موت بيزيت نتيجة فشل "كارمن"؟
في اليوم الثالث من شهر يونيو 1875 لفظ بيزيه نفسه الأخير عن سن السابعة والثلاثين. كان ذلك بعد انصرام ثلاثة أشهر بكامل أيامها. يومها زعم البعض أن فشل "كارمن" هو الذي أودى بحياته، ثم شاع بعد أيام أن هذا الفشل لا علاقة له بموت المؤلف، ليتبين أن معرفة الحقيقة ليست بالأمر الهين. 
وقبل كل شيء، يجب الاعتراف بصدق بأن "كارمن" لم تكن قطعا "خيبة" بالمعنى المسرحي للكلمة، فقد ظلت لافتات إشهارها منشورة لفترة من الزمن حتى بعد وفاته؛ وفي حوار أجري في وقت متأخر مع السيدة "كَالّي - ماريي" مبدعة دور البوهيمية صرحت أن الجمهور كان يبدو باستمرار وديا، ولو أنه انزعج من نهاية العمل المأساوية، مضيفة قولها: كنا نعلم أننا لم نمثل أبدا في قاعة فارغة، وأن إيرادات العروض إن لم تكن ممتازة فقد كانت على الأقل مشرفة.
وأعظم من شهادة السيدة كَالّي أن أوبرا "كارمن" استمر عرضها بباريس سبعا وثلاثين مرة خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من حياته، أي بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع، وأن عددا من كبار المؤلفين الموسيقيين واظبوا على مشاهدتها أكثر من عشرين مرة، وفي مقدمتهم ديبوسي، وسان سانس، وتشايكوفَسكي، وبراهمز، واعتبروها أجود أوبرا ألفت منذ الحرب الفرنسية الروسية.
وبعيدا عن تهويل اللحظات الأخيرة من حياة بيزيه، لا نرى بدا من القول بأنه كان للفشل دور في التأثير على الحالة النفسية والصحية لهذا الرجل ذي القامة القصيرة، مثلما أننا لا نقصد أنه كان سيعمر طويلا لو لم ينتقد أدولف جوليان أوبرا "كارمن".  ومع ذلك نعتقد أنه لا مجال للشك في أن النصيب الأكبر من المسؤولية يتحملها النقد الجارح الذي واجه بيزيه وهو تحت عامل الإرهاق من ساعات العمل الطويلة التي كان يقضيها في مكتبه، مثلما  يتحملها الجمهور. وهنا تكمن مآسي الفن، فقد مات موزارت ضحية البؤس والحرمان، مثلما مات بيزيه ضحية التجاهل والألم. 
ومن الأكيد أن صاحبنا استقبل بشجاعة راسخة في أكثر من مرة إخفاق أعمال كان يستجدي فيها الاستحسان، ويبحث عن النجاحات السهلة، كما كان يغالط نفسه ويخادع العبقرية التي تسكنه؛ ولكنه ربما كان من حقه - في هذه المرة - أن يسمح له بجني ثمرة قواه الحية، لا سيما وقد أبدى كامل الإخلاص بخصوص الموسيقى، كما كان صادقا مع نفسه. 
لقد لفظ بيزيه نفسه الأخير والسيدة "كَالّي ماريي" تبسط أوراقها في مشهد المهربين وهي تردد: "الموت...الموت...أبدا الموت". كان ذلك بالضبط في اليوم الثالث من حزيران/يونيو    1875.
نعم، مات بيزيه، وفاته أن يرى كيف تحقق تنبؤ تشايكوفَسكي الذي كان شديد الثقة بأن "أوبرا كارمن" ستصبح الأكثر شعبية في العالم!

 

.