المقالات

الموسيقى الصينية - القسم الأول

. قرات لك

 

 الموسيقى الصينية - القسم الأول (بتصرف) (*)

 

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل 

 

في العصور القديمة، وحتى عهد كُونْفُوشيوس (551 - 479 ق م)، كانت الموسيقى حاضرة في سائر المراسيم الاحتفالية: سواء في المعابد حيث تقدم القرابين، أو في القصور خلال الاستقبالات الرسمية، أو في مشاهد استحضار الأرواح الطيبة بالطبيعة. وتشهد كل الوثائق على ارتباط الموسيقى في هذه الفترة بالمعطيات الفلسفية. 

 

ومع أننا نتوفر على "نشيد كونفوشيوس" ومقطوعات أخرى قليلة أدنى أهمية، فمن الصعب - إن لم يكن من المستحيل - تحديد الفترة التي وضعت فيها. 

 

وفي ما يلي لحن موسيقي تنسبه بعض الروايات إلى القرن الثاني قبل الميلاد، يحمل عنوان "موسيقى ملكية لدخول معبد كونفوشيوس"، وهو أشبه بالموسيقى الاستعراضية: 

 

 ويعتقد بعض الصينيين أن لحن "نشيد كونفوشيوس" ضارب في القدم، وأنه يعود إلى الفترة التي عاش فيها هذا الفيلسوف ذاته (أي القرن الخامس ق م). وفي هذه الحالة فهم يرون أنه تعرض لصنوف كثيرة من التغيير، وذلك في سياق موجات الدمار التي أعقبت وفاة كونفوشيوس وأفضت إلى سيادة ملوك حكموا البلاد، فأتلفوا سائر الآلات الموسيقية، وأحرقوا كل ما كتب حول الفنون، وضمنها الموسيقى. 

 

وفي مقابل ما ذهب إليه هؤلاء من القول بقدم "نشيد كونفوشيوس"، ترجح طائفة أخرى أنه وضع حوالي القرن الأول، وأنه ظل في منأى من أن تناله تغييرات هامة، وذلك بفضل الروح التقليدية المحافظة التي جبل عليها الصينيون.



ومهما يكن، فمن المجازفة الاطمئنان إلى كلا الرأيين، وذلك لانعدام ما يمكن أن نعتبره "تاريخا" للموسيقى الصينية. وإذا كان قد حدث في بعض الفترات من تاريخ هذا الشعب تطور في الفكر وفي الآداب، فذلك واقع لا مجال للشك فيه كما تشهد عليه بعض الكتابات الأدبية. أما ما يخص الموسيقى والتظاهرات المرتبطة بها - وهما في صدارة الطقوس الأساسية للحضارة الصينية - فهناك بكل تأكيد تخلف بَيِّنٌ كما سنرى وشيكا.



الموسيقى الدينية



لقد أتاحت لي مناسبات ميدانية أن أدون عددا جمّاً من المقطوعات الموسيقية من بينها أغاني دينية. ونضرب مثلا لها بالفقرة الخامسة من "نشيد كونفوشيوس":

 

 

 

 

ومع افتراض أن يكون هذا اللحن هو الأقدم حسب علمنا فسنقابله بلحن آخر سمعناه في دير "مِينْكَ - بِّو" خلال حفل "سِيَامة" الرهبان. وسنلاحظ ما بين المقطوعتين من شبه تتجلى مظاهره في بساطة اللحن، ونبله، وطابعه. 

 

وسوف تتجدد وجوه الشبه ذاتها مرة أخرى مع المغناة التالية التي دونتها في أحد أديرة "تْشِيشْيَا - صانْ"، لولا بعض الزخارف اللحنية التي تحجب طابعها الديني.


  

 

وننتقل إلى أغنية أخرى سمعتها في نفس الدير لنخلص إلى أن ما يغنى حاليا في سائر أديرة الصين أصبح ذا طابع غنائي أكثر منه ديني، لا نكاد نستثني سوى بعض الأغاني التي تنشد في مناسبات الاحتفال بـ "سِيَامَة" الرهبان. وفيما عدا هذه المناسبات، تكتسي الموسيقى في حلقات استحضار الأرواح ولحظات التضرع والابتهال طابعا جهنميا، فيأتي اللحن قصيرانوعا ما، تردده الأصوات والآلات الموسيقية معا، وتعيده مرارا وتكرارا. وهو ينطلق في حركة معتدلة السرعة، توقعه آلات النقر وأقدام شهود القُداس، ثم تتضاعف سرعته باستمرار إلى أن تتحول إلى ما يشبه العدْو السريع، حتى إذا أدركت ذروتها أخذ الحاضرون يهرولون وسط صخب الآلات وهتاف الحاضرين. 

 

 

.  

 ونعرض في ما يلي نموذجين من ألحان الموسيقى الجنائزية أحادية النغم، ونجهل مدى قدمهما، تؤديهما مجموعة من الطبول (كُوَانْ- تْزُو) المعدنية يحاكي رنينها الحاد صوت الكلارينيت

 

 

 

 

 

وعلى أي حال، ومهما يبدو هذا الأمر مثيرا للعجب، فإننا حينما نعرف آداب السلوك الصيني فسندرك حتما أن هذا النوع من الأغاني يستجيب بأمانة للروح، إن لم نقل لشروط المناسبة الصحية. إنه نوع من الرقصات التي تؤدى في حالات الحداد، رقصات متوثبة، الغاية من ورائها تهدئة روع المحزون، والتخفيف من كربه، واستعادة قواه البدنية.

الموسيقى الحميمة

يوجد صنف من الموسيقى الصينية أوشك على الضياع، وهو موسيقى الحجرة،، أو بعبارة أخرى الموسيقى الحميمية. ويبدو أنها نشأت خلال فترة حكم سلالة "هان" (من مشارف القرن الثاني قبل الميلاد إلى عشرينيات القرن الثاني بعد الميلاد) التي نشطت فيها الآداب والفنون.

لم تكن هذه الموسيقى خاضعة للقوانين الصارمة التي تحكم موسيقى المراسم الدينية، وإن تكن مستوحاة منها لدوافع فلسفية. وقد مارسها المثقفون خاصة، فكانوا يعزفونها بمفردهم، أو بحضور الخاصة من أصدقائهم ممن ينصتون إليها في أجواء مفعمة بالخشوع والتأمل. ألحانها موسومة بالجلال، تؤديها العيدان في بطء وتثاقل، والنايات في سلاسة ورشاقة.

لا مكان للرمز ولا للولع في هذه الموسيقى، فهي تتطور مثل غيوم العطر في جو هادئ، عطر رقيق ولطيف، يخترق سامعه ببطء، وبثبات. إنها محملة بسائر أنواع التعبير الموسيقي، غاية في الرقة، شديدة الحميمية. وهي إلى ذلك ذكية، بل على درجة كبرى من رهافة الذكاء، تحدوني إلى مقابلتها - إذا صح القول - بموسيقى المؤلف الكبير: ديبوسي. وفي هذا الصدد، فقد سألت ذات يوم مثقفا صينيا أقام بأوروبا مدة طويلة - وكان كثير التردد على المسارح وقاعات العروض - عن العمل الذي كان يستأثر باهتمامه، فأجاب: إنه "أوبرا بِّلِيَاس" Pelléas.

ومن أجل إدراك وفهم هذه العلاقة الحميمية القائمة بين نوعين من الموسيقى على ما بينهما من بعد الشقة، نقدم فقرة من مقطوعة موسيقية لآلة العود المأثورة عند المثقفين، وهي مقطوعة تريد التعبير عن مشاعر فتاة ريفية تستمتع بجمال الطبيعة أثناء غسل الملابس في ماء النهر، في عز فصل الربيع، وقد أزهرت الأشجار، وانطلقت العصافير محلقة تشق الفضاء.

  

لقد أصبح من النادر في الوقت الحاضر سماع العزف على آلة العود في سائر أنحاء الصين، حتى قيل إن عدد عازفيها لم يعد يتجاوز الثلاثة أو الأربعة. وقد يكون هذا صحيحا، فهي في الواقع تترفع عن العامة من الناس، وتختص بالحكيم الذي أصبح قلبه من الصفاء بمثابة المرآة الصقيلة، وغدا قادرا على أن يعكس رقة الصوت في أسمى درجات الصفاء، علما أنه لا سبيل إلى الحصول على الصفاء المنشود إلا بامتلاك قلب نقي لا يتحدث إلا في صمت، ولا يكشف عن مشاعره إلا في أجواء التأمل في المجالس اليقظة.

ولقد بدأت الموسيقى الصينية الحميمية في التدهور بعد أن فتحت الصالونات أبوابها أمام الموسيقيين، وغدت تُعزَف فيها ألحانٌ أقل نقاء، إلى جانب أغاني شعبية من قبيل أغنيتي "شينغ" و "وِييْ"؛ ومهما تكن القيمة الفنية لهذه الأغاني، فإن المثقفين يدينون افتقارها إلى الأوتودوكسية، وينددون بها باعتبار أنها تضر بالروح الصينية. 

_________________________

(*) Eleuthère Lovreglio: Revue Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n° 42 Septembre 1957 pp 10 – 12.

 

.