المقالات

الموسيقى الصينية (تتمة) - "الموسيقى الشعبية"

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل
مما يلفت النظر أن المرء كلما حاول الاندماج في حميمية الشعب الصيني، أدرك مدى تذوق هذا الشعب للموسيقى وتعلقه بها. وإذا كانت الموسيقى لا تلقن للصينيين في المعاهد والمؤسسات، كما كان شأنها في العهود الغابرة، فإن عامة الناس يمارسونها بدافع من نزواتهم، لا ينفكون عن الغناء واللهو، بدءا من المتسول الذي يستجدي الصدقات، إلى الحمال في عمله الشاق، والبائع المتجول، والعامل، والتاجر في متجره، وهم يفعلون ذلك في سائر المناسبات من أجل التسلية واللهو آنا، والتباهي بسلعهم تارة، والسخرية من الجار طورا.
لقد كانت أجود العروض التي أتيح لي أن أشاهدها خلال الفترة التي قضيتها بالصين عامي 1932 و1933 تلك التي تقام بحواضر الصين الكبرى كشنغاي، وكُونْتايْ، وهُونْكُونْغْ. ووسط أمواج بشرية تسير في كل اتجاه، ترتفع صيحات الباعة المتجولين، يرافقها ضجيج الأجواق الشعبية التي يشاهدها المرء من شرفات المتاجر الفاخرة، وتمتزج بها أغاني البوذيين الذين يزيد الجوق المرافق لموكبهم صخبا على خصب.
إنه بحق مشهد أخاذ، هذا الذي تبدو فيه الفتيات الصينيات وقد ارتدين أقمشة حريرية لامعة، وجلسن في استرخاء على الوسائد، تحملهن عربة مزدانة بفوانيس مشكلة الألوان.
وتتكون المادة الموسيقية لأغاني هؤلاء الفتيات من ألحان شعبية قديمة، معظمها من مقاطعات الصين الشمالية، وهي ألحان قام بعض الموسيقيين الحاليين بتحديثها أو إعادة توزيعها.
المسرح الغنائي بالصين
يرتبط المسرح الصيني بالموسيقى الشعبية بشكل طبيعي. ويعتبر "البانتوميم" أٌقدم أنواع التمثيل في هذه البلاد، وهو التعبير بالحركات الإيمائية عن حالة ذهنية بطولية أو دينية أو فلسفية، يكون الرقص فيها ذا طابع طقسي إلى حد الغموض، ويحتل موقعا بارزا، فتراهم يرقصون عند احتضار ملك أو وزير، أو عند قبر بطل شهيد، أو ميلاد طفل، أوفي استمطار السماء، واستحضار الأرواح للاستعانة بها على التواصل مع القوى الخفية بغية اكتساب مزيد من الحيوية أوالنفوذ السحري.
وعندما أسس المسرح على المستوى الرسمي اتجه بعض المؤلفين الموسيقيين إلى تأليف أعمال خاصة به؛ وقد بلغ عدد هؤلاء الثلاثين على عهد دولة "يُووِينْ" في القرن السابع عشر، وكانت لهم حظوة كبرى في محافل الملوك.
كان اختيار موضوعات المسرحيات وألحانها من اختصاص "مجلس إدارة"،كما كانت أكثر الألحان قبولا لديها تلك التي تنتمي إلى مقاطعات الصين الشمالية بحجة أن أمهر المغنين هم المنتمون إليها.
ومن العادات السائرة أن يعمد المؤلف إلى تطعيم عمله الجديد بألحان يقتطعها من مؤلفات موسيقية سابقة، الأمر الذي يتاح معه سماع اللحن الواحد في أكثر من عمل موسيقي.
وللأوركسترا في المسرح دور كبير، فهو يخلق الجو النفسي الذي يناسب عقلية الصيني، مستعينا بالإيقاعات المتنقلة بين البطء والسرعة، وبتقطيع أواخر الجمل الغنائية وفق نسق "الغناء المرنم" في الأوبرا.
ولا بد لي في النهاية من الاعتراف بأن سماع الموسيقى الصينية لأول مرة يثير الدهشة والاستغراب أكثر مما يحرك الاهتمام؛ غير أننا مع مرور الوقت نقف ـ حتما ـ على مواطن الجمال والسحر فيها، مثلما ندرك كم هي مهيبة إيقاعاتها البطولية، واحتدامات صنوجها، ورشاقة لوازمها، وروعة أنسجتها وهي ترسم منحنيات صوتية لتحط ـ بعد هذا ـ على نغمات يتأرجح فوقها صوت المغني على مهل استعدادا للانطلاق من جديد. كل هذا له سحره الخاص، وهو سحر لا علاقة له ـ طبعا ـ بمجالات انفعالاتنا نحن الأوروبيين.

مترجم بتصرف عن:
Eleuthère Lovreglio: Revue Musica, Pub. mensuelle, imp. Chaix.

 

.