المقالات

درس في العزف على البيانو (بتصرف) "+"

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل
تتمحور هذه المقالة حول رؤيا استحضر فيها راويها - واسمه آرشيبالد - روح الموسيقي الشهير فرانز ليست، وانخرط معه في حوار شكل في الواقع درسا في العزف على البيانو لقنه إياه وهو غارق في عالم الأحلام.
وينطلق آرشيبالد في سرد تفاصيل رؤياه، فيقول: كان شغفي بآلة البيانو كثيرا ما يدفعني إلى السير في طريق المغامرة، وبينما كنت ذات يوم أستمع بشغف لإحدى معزوفات فرانز ليست انتابتني رغبة جامحة في محاورته، ولكن، كيف لي أن أحقق هذه الرغبة، وأنا أجهل كيف يدير السحرة جداولهم. ساعتها تذكرت "استحضار الأٍرواح" وتبدى لي أن أجدى الوسائل إلى ذلك أن تبحث بواسطة التركيز الذهني عن حالة نفسية سابقة تلفي فيها نفسك بأعجوبة وأنت حي قبل قرن من الزمن بباريس في عام 1833، ثم ها أنت بعد لحظة سريعة في غمرة الحوار:
- أرجوك سيدي أن تنتظر قليلا، فسيصل السيد ليست بعد برهة. وما هي بالفعل إلا برهة حتى "فتحت الباب، وانتصب أمامي مشهد رائع، إنه مشهد الرجل الذي لم أر مثله قط في حياتي. قامة طويلة، وجسم نحيف للغاية، وجه شاحب، وعينان واسعتان في زرقة بحر عميق، ينبعث منهما بريق لامع يعبر عن المعاناة، لا يخفي صرامة المحيا، وخطوات محلقة تبدو وكأنها تنزلق على سطح الأرض حيث تضع بعنف عبء اشتغالها وقلقها". كان هذه العبارات الجميلة من إنشاء صديقة لي هي السيدة داكَولت D'Agoult استعادتها ذاكرتي، وقد كنت قرأتها سابقا، واستبد بي الماضي بعد أن رأيت ليست. لقد أصبح الخيال حقيقة.
- خاطبني المؤلف في صيغة السائل: أنت إذن مبعوث إليّ من لدن لاموني Lamennais؟ يا له من رجل عجيب. والسيددة داكولت، هي أيضا كانت تحترمه، ولكن، هناك أشياء تفرق بينهما، إنها مسألة ظلال تعبيرية لا ريب. ثم زاد قائلا: لست أدري ما يدفعني إلى أن أتحدث معك في هذه الأشياء. دعنا منها، ولنعد إلى الواقع، هل سبق لك أن عزفت كثيرا على البيانو؟
- أجبته في خجل: نعم.
- هذه معزوفة لـ موسيليس Moscèles. هل تستطيع عزفها؟ إن هذا المؤلف من أصدقائي . وكثيرون هم أعدائي أيضا، غير أنهم لا يهمونني؟
شرعت في العزف على البيانو مدفوعا بلطف الموسيقار الكبير. وكنت في عزف الحقول الأولى من المقطوعة مترددا. ها هنا استقام ليست واقفا، وأحسست بنظره متجها نحوي. وفي حركة بطيئة أشعل سيجارة، وأمسكها بلطف عند أطراف أصابعه، ثم همس قائلا: اِستمرّ في العزف، اِرتَخِ، هكذا، نعم، كن عاديا، أكثرَ حُنًوّا، استسلم لسر حلم جميل، هذا أحسن، لقد بدأت آلتك تترنم، لا تنس أنها كائن حي، عاملها كصديق أو كقريب، عزفك مرضٍ سيدي.
- أرشيبالد.
- نعم، ولكنك لا تستخدم بما يكفي طاقاتك البدنية. إن الآلات التي نستخدمها اليوم تختلف عن تلك التي كنا نستخدمها قبل خمسين عاما. إن وظيفة اليد على لوحة المفاتيح قد تغيرت بشكل جذري، مثلما تغيرت وضعية الأصابع عليها. في عهد جان سيباستيان باخ، هذا الموسيقي الفريد، وصديقنا جميعا، لم تكن تقنية العزف الخفيفة تستلزم القوة، ولم تكن النغمة يومئذ تصدر إلا بضغط الأصابع وهي تتزحلق على المفاتيح مع الإبقاء عل اليد منحنية برفق وهدوء. فلما جاء هايدن وموزارت أصبح العزف - تحت تأثير مدرسة فَيينا - أكثر عمقا مع هومّيل، Humel ؛ ثم لما ظهر كليمانتي Clémenti وكرامير Cramer وتشيرني Czerny برزت محاولات التجديد. ومع كل هذا، فإننا ما زلنا أكثر تشبثا بأسلوب العزف على الكلافَسان أو البيانو فورتي. يجب عليك التحرر، ولتعلم أنك ستجد صعوبة في عزف مؤلفاتي إذا استخدمت هذا الأسلوب. أنظر، من الضروري أن تستخدم إلى أقصى حد ممكن الطاقات التي يمنحنا إياها معصم اليد والذراع والساعد والكتف.ذلك أن الذراع المتحرك المرن يقود اليد، فيما ترتكز القوة على الظهر والكتف، وبذلك تصبح اليد والأصابع في وضع عال وسليم. لاحظ - أيضا - أنه قد يحدث أن أعزف بمعصمي مخفوضة أسفل لوحة المفاتيح معيدا بذلك الصلة مع الطريقة التقليدية لعازفي الكلافَسان الفرنسيين والألمان. خلاصة القول إن على عازف البيانو أن يكون على معرفة عميقة بكثير من تقنيات العزف على هذه الآلة، وأن يعمل على تكييفها مع المؤلفات التي يؤديها.
- أستاذ، أستاذ، كيف بلغت هذه الدرجة من الإتقان؟.
- لقد يسر الله لي الموهبة؛ هذا واضح، ولكنني أشتغل كثيرا. ثم إن البيانو بالنسبة لي بمثابة الفُلك للبحار، وبمثابة الفرس للفارس العربي، بل هو أكثر من ذلك، إنه كلمتي، وحياتي. إنه المستودع الأمين لكل ما يخامر عقلي في أيامي الأشد حرقة من شبابي. فيه تكمن سائر رغباتي، وكل أحلامي وأفراحي وأحزاني.

أحسست بأن ساعة ابتعادي عن البيانو قد حانت، فقد تلاشى "ليست" المعلم أمام "المؤلف" الموهوب الرائع. جلس أمام البيانو، وشرع في ارتجال مقطوعة موسيقية. كان البيانو يترنم تحت أنامله، كان يرتجف. كانت تعتريه حالات متقلبة:
أحيانا يتقلص جسمه حينما يكون التعبير دراميا، تصفعه قوة العزف التي تنفلت من بين يديه كومض البرق. يبدو رأسه محفوفا بالشعر وقد انسدل إلى الوراء كثيفا. وتبدو عيناه مغمضتين على حقيقة حلم عميق.
وأحيانا أخرى تبدو فيها الأنامل وكأنما تنقر أقراص البيانو بالأظافر وفق سلوب مدرسة فَيينّا العتيقة وهي تعزف الفقرات الحساسة والمرصعة.
ثم أحيانا أخرى حينما ينبعث الشدو من طبقة البيانو الوسطى ترافقه "آربيجات" غريبة في الطبقة الحادة تدعمها توزيعات هارمونية خفيضة، فينخفض معصماه، وتبدو أصابعه وكأنما تلامس العاج بنعومة جناح طائر.
قطع ليست حلمي قائلا: اسمع، هذه طريقتي في العزف؛ لقد فتح بَّاغَانيني عينيّ حقا، ولكن يبدو أنني ذهبت إلى ما هو أبعد منه، إذ على الرغم من الصعوبات التي تكتنف أعماله، فإن موسيقاي تبقى طبيعية. وبروح ملؤها الرهان يلجأ "ليست" في عزفه إلى أساليب جهنمية من قبيل "ازدواجية النغمات" doubles notes، ومؤثرات الأبعاد، وقفزات جريئة تنبعث من نغمات خفيضة هارمونية يتردد رجعها عبر نغمات عليا حادة يجري نقرها بسهولة كبرى يتخللها الكريشاندو، والعزف باليدين معا. وهكذا يتحول البيانو تحت سلطانه إلى أوركسترا، وتتحرك شخوصه الخيالية في مشهد "دراماتوجي".
وفجأة صاح ليست مبتسما: لكن، أين أنت يا أرشيبالد؟ عد إلى جانبي.
- عفوا سيدي، ولكن فنك...
- نعم، فني يقودك بالرغم منك لأنني أغذيه، ليس فحسب بالموسيقى، ولكن أيضا بفكر كبار الفنانين من الشعراء، والروائيين، والمسرحيين، والرسامين: شكسبير، دانتي، غَوته، شيللر، هونَو... هؤلاء هم أساتذتي. وعلى كل حال، فليس لأحد أن يدعي أنه قادر على امتلاك مستمعيه إذا هو لم ينخرط باستمرار مع هؤلاء الذين يغذون الروح، وفيما دون ذلك سيبقى مجرد مهرج لا يستحق لقب الموسيقي. أما البيانو فهو في نظري يحتل المرتبة الأولى في منظومة الآلات الموسيقية، هو أكثرها ثقافة وأكثرها شعبية. وهو مدين في كل ذلك للقوة الهارمونية التي يمتلكها، ثم لقدرته على التركيز وامتلاك الفن بأكمله. إن ما أعشقه في البيانو هو هذه القدرة على العمل. وإذا قدر لي يوما أن أتجه إلى وضع مؤلفات سمفونية فلن أنساه، فهو الصديق الذي آوي إليه في لحظات الكآبة والضيق.
- عفوا سيدي آرشيبالد، لقد أهملت الدرس، فهلا عدت إلى البيانو؟

لم يكن لي بد من أن أختفي بسرعة، إذ كيف لي أن أجرؤ على الاستمرار في إزعاج رجل على هذه الدرجة الكبرى من الإنسانية. وما هي إلا برهة حتى وجدت نفسي فوق بساط غرفتي وقد أفقت من غيبوبة سعدت خلالها بلقائي مع "فرانز ليست" واستماعي له وهو يلقي عليّ درسه الثمين.
---------------------------


+ Max Pinchard. revue Musica Pub mensuelle, imp Chaix St Paris.

 

.