المقالات

كيف يشتغل المؤلف الموسيقي* (بتصرف)

. قرات لك

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل
 
الفارق كبير بين عمل موسيقي صادر عن "إلهام داخلي"، وآخر مصدره "إلهام خارجي".  من أجل بيان هذا الفارق أذكر أنني استمعت ذات يوم للثنائي الفرنسي الشهير في العزف على الغيتار: إيدا بريستي، وألكساندر لاكَويا، فقر في عزمي أن أؤلف لهذه الآلة مقطوعة في قالب "السيريناد".  فعلت ذلك، وأنا أعترف بجهلي التام لتقنياتها، كما أعترف بأن الموسيقى التي كتبتها لم تكن للغيتار بقدر ما كانت موسيقاي أنا وضعتها لها.  وحينما استمع لها العازفان المذكوران، فاجأتني "إيدا" بقولها: هذا عمل قابل لأن يعزف تَوّاً، فيما أردف رفيقها سائلا: هل أنت عازف غيتار؟ . إن هذا بالضبط هو مفهوم الصناعة الحِرَفية التي تحركها الضرورة التقنية، وذلك ما أسميته "الإلهام الخارجي".
أما بالنسبة للأعمال التي مصدرها "الإلهام الداخلي" فالأمر أكثر تعقيدا، فضلا عن أنه يتخذ طريقة غريبة إلى حد ما: بشكل مفاجئ تشع في أعماقي ومضة يصحبها في الغالب قبس نور داخلي، لا أدري مداه الزمني، فقد يكون عُشُرَ ثانية، وقد يكون أقل؛ ومهما يكن، فإني في هذه اللحظة "أصمم" العمل  ـ في مجمله ـ  وفق الصورة التي أرتضيها له.  وعندما أقول "في مجمله" فأنا أعني مجموع "النسب والمكونات" التي هي في التأليف الموسيقي على درجة قصوى من الأهمية.  ولا مجال هنا لمقارنة ما يصنعه المهندس المعماري بما يصنعه الموسيقي، ذلك لأن هذه "النسب" فيما يخصنا نحن الموسيقيين حتمية لا غنى عنها؛ ومن هنا ندرك سر تَفَرُّد الموسيقي من بين سائر الفنانين المبدعين باسم "المؤلف". وهو في الواقع أهل لهذه التسمية، باعتبار أن الموسيقى هي الفن الذي يستلزم القدر الأكبر من الدقة، سواء في ضبط العلاقة بين الأصوات، والذبذبات، وفي الطابع الصوتي، والأفكار، أو في ضبط علاقات النسب الزمانية البالغة الصرامة.
لقد كان جهد اهتمام المؤلفين في الفترة الكلاسيكية منحصرا في البحث عن "النسب" في حدودها الزمنية، ثم لما حلت الفترة الكلاسيكية أصبح كل شيء عند أصحابها "خارج النسب". أما أنا ففي اعتقادي أن كل عمل قمين بأن يحمل صفة "الجيد" يقتضي أن يؤسس في آن واحد على احترام النسب الزمانية، وعلى سائر وسائل التعبير الكامنة في تنوع درجات الشدة والنعومة، لما بينها جميعا من تبادل على مستوى التأثير.
وإذا كان صحيحا القول بأن لـ "لإلهام" قيمته التي لا تجادل، فإن من الصعب معرفة اللحظة التي تنبجس فيها شرارته: هل هي تلك التي تسبق الركون إلى النوم، أم التي ترافق لحظات الاستماع للموسيقى في حفل ما، أوفي حالة ركوب الميترو؟...
إنما مثل الإلهام كمثل بيضة آواها وَكْر، فهي تتطور تلقائيا ودونما حاجة إلى يَدٍ ترعاها؛ ثم ها هي ذات يوم "تُفَرِّخ" من تلقاء نفسها، فإذا بلغَتْ هذه المرحلة، وجدتُني أُقْدِمُ على الشروع في رسم التصميم العام للعمل الذي أريد إنجازه، فأفتح له ملفا خاصا، أقيد فيه الملاحظات والبيانات المتعلقة بالقيم الزمانية، وأضبط التدوين الجدولي للآلات الموسيقية، وأضع لهذا العمل عنوانا قابلا للتغيير في كل أن، ثم لا أفتأ - بعد ذلك - أحذف، وأضيف، وأشطب... وتمضي الأيام، فأعاود النظر بعدها في الملف، فلا يسلم من المفاجآت.
وبقدر ما يسجل تقدم العمل الموسيقي نحو الاكتمال والوضوح، يلاحظ أنه يتحول إلى مصدر إزعاج لا ينفك يؤرق المؤلف؛ ذلك لأنه يستوجب ضبط النفس بأكثر ما يمكن من الصرامة، أو بعبارة أخرى أن يُنَصِّب الموسيقي نفسَه "مؤلفا"، وفي ذات الآن "ناقدا" يقيِّم العمل الذي هو بصدد إنجازه. وهذا ما يشكل - أكبر صعوبة يواجهها.
بعد مرحلتي "الإلهام" و "الإعداد" تأتي مرحلة "الصناعة"، وهي التي عرَّفها المؤلف الموسيقي فَردي بقوله: إنها 99%  من العَرَق، وكثير من الألم من أجل أن يكون لكل علامة موسيقية، وكل إيقاع، وكل بُعد، مُبَرِّر سواء على المستوى التعبيري أو التقني.
ها هنا أكون في حاجة ماسة إلى الهدوء الكامل، وهو ما لا أجده إلا نادرا؛ على أني أكون في حذر شديد من نفسي عندما أستشعر بوادر الراحة، أو عندما ألاحظ أن العمل يجري في يُسْر، فأتوقف عنه تَوّا مخافة أن أسقط في شرَك السهولة. 
فإذا أيقنت من اكتمال العمل، عزفته ببطء شديد على البيانو كي أُسْمعه بنفسي وأطمئن إلى سلامته، إذ ليس لأحد أن يدعي امتلاك الموهبة إذا لم تكن لديه الشجاعة لإعادة النظر مجددا فيما ينجزه.
إن أعظم ما يفيد المؤلف الموسيقي هو أن يستمع لمؤلفاته من حين لآخر كي يختبرها.  أما أنا فأفضل أن أقوم بهذا الاختبار بحضور مستمعين، وحينها أجتهد في أن أنفذ إلى أغوار نفوسهم بغية أن ألمس مدى تجاوبهم مع أعمالي وهم ينصتون إليها لأول مرة، ثم من أجل أن أتبيَّن عناصر التأليف الأكثر تعبيرا عن منهجي في الكتابة، وأكشف عن الخصائص الأشد تمييزا لهذه الأعمال.
إن الموسيقي لا يؤلف -  في الواقع - إلا عملا واحدا يظل ينتشر عبر الزمن وهو يحمل أكثر من عنوان واحد، وإن أفضل أعمالي وأَحَّبها إلى نفسي لهو ما سأكتبه مستقبلا.            
____________________________
 

*         André Jolivet - propos recueillis par Henri Gaubert. Revue Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n° 35 fevrier 1957 pp 6-7  

 

آل شتراوس رفقاء الفَالس(*) بتصرف

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

خلال القرن التاسع عشر، عاشت عائلة ظلت وفية لنفس الأسلوب ولنفس الموسيقى، وتوارثت، على ما يبدو،ـ أسرار صناعتها.  إنها أسرة آل شتراوس.  كانت الفالس موطنهم، ألفوا منها المئات؛ فكم من قلب بها أرَّقوه، وكم من حب أشعلوا لَظاه، وكم من خطيب يَسَّروا له سبل الوصال، ثم لكم حفزوا ذوي الجرأة على الرقص المُوَقّع. وطوال السنوات الممتدة من  1810، وحتى 1900 كان آل شتراوس بحق ملوكالفالس، وما كان اختفاؤهم أبدا ليحجب خط النور الذي رسموه.

لقد دأب مؤرخو الموسيقى، الذين هم المسؤولون عن إبراز الحقيقة في صورتها الأكثر صرامة، على التغاضي عن ذكر أسماء آل شترواس؛ وحتى أولئك الذين ذكروهم فقد فعلوا ذلك بنوع من التسامح الخجول، كما لو كانوا يخشون من أن يسلبوا بعض المؤلفين الكبار جزءا من شهرتهم.  إنه وهم لا أساس له من الصحة، ذلك أن مقام آل شتراوس لم يمنع أبدا نبغاء الموسيقيين من إنجاز روائعهم، بل إن بعض هؤلاء كانوا يجدون في أنفسهم غضاضة من المجد الذي أدركه أولائك النمساويون.

كان فَاغنر شديد الإعجاب بيوهان شتراوس؛ وقد قال يوما: "إن مقطوعة واحدة من مقطوعات الفالس التي ألفها شتراوس تحوي من الموسيقى أكثر مما تحويه الأوبرات التي تؤلف اليوم". ولم يكن برامز أقل إعجابا، فقد قال ليلة تقديم أوبراه "سيد الغابة"     Der Wald-meister: "إننا لم نعد نكتب ـ بعد موزارت ـ عملا في مثل ما عليه موسيقى يوهان شتراوس من العذوبة والكمال والصفاء". ولا غرو، فلطالما عبر يوهان نفسه عن اعتزازه برائعته "الدانوب الأزرق".

لقد سبق أسلاف آخرون آل شتراوس إلى منح فن الفالس أسلوبا خاصا، وكان موزارت وبيتهوفن قد تمرسا في هذا النمط الدوار، ولم يستنكفا من أن يكتبا في إيقاعه أعمالا  للمجموعات الموسيقية الصغيرة التي تشتغل في مطاعم فَيينا.

ولسوف يواصل آل شتراوس الأربعة الولاء لهذه الديكتاتورية الساحرة، غير أن الأولين منهما ـ وإلى جانبهما "جوزيف لانير" (ت 1843) ـ سيجلبون للفالس الكسب الأوفر والثناء الأكبر.

جوزيف - يوهان شتراوس

كان جوزيف - يوهان شتراوس في مقدمة الفريق. ولد عام 1804 من أب يشتغل نادلا في حانة يسقي روادها كؤوس النبيذ على نغمات الموسيقى. وكان وهو صبي في الخامسة من عمره يعزف على الكمان أمام رواد الحانة، فيثير فيهم العجب بما أوتي من مهارة في العزف. هل سيكون موسيقيا؟ من المؤكد أن والده لم يكن يهمه من هذا الأمر شيء، مثلما أنه لم يكن يهمه أن يزيد ابنه من إقبال الزبناء على الحانة التي كان في وسعها أن تحميه من الجوع والعطش بما يهبه روادها.

ولم يكن الفتى يعبأ بتعنيفات والده؛ فلما كان ذات صباح غادر الحانة وفي رفقته كمانه، وراح ينتقل من حانة إلى أخرى يعزف لزوارها من محفوظاته من أجل أن يؤمن قوت يومه.

ولم يكن الفتى في حاجة إلى استجداء المستمعين، فقد كانت النقود الألمانية تتهاطل على الطبق الذي يبسطه بين أيديهم، سيما وقد كانوا يتأثرون بما جبل عليه من ظرف وجرأة وحيوية.

كانت هذه المهنة تؤتي ثمارها بشكل شبه مريح، بيد أن جوزيف يوهان لم يقتنع بها، فبين جوانحه تختلج طموحات أكبر. وما هي إلا أيام حتى أقدم مع بعض أصدقائه على تشكيل أوركسترا، حدد أسلوبها، وألهبها بنار حماسه؛ ثم ما هي إلا فترة قصيرة حتى كتب لها النجاح، وغدت فَيينا لا تكل من الإصغاء إليها باهتمام يتضاعف يوما بعد يوم.  لقد حل وقت المجد، ولن يفارقه أبدا.

ويشاء القدر أن يلتقي الفتى في طريقه بملحن الفالس الرائع، والذي تهتز لموسيقاه مشاعر الناس؛ إنه جوزيف لانّير (Joseph Lanner) الذي يكبره بعامين. حرك هذا اللقاء في نفسه الإحساس بالرغبة في الكتابة تزداد اتقادا، فأقدم على تأليف معزوفات من الفالس صفقت لسماعها أوروبا بأسرها، فاستقبلته باريس عام 1842، واحتفلت به سائر مسارح فَيينا، وقلد بعد حين قيادة رقصات الباليه في البلاط الملكي. وهكذا، تحول هذا الذي كان بالأمس القريب مراهقا سوقيا يسلي زبناء حانة والده  إلى رمز للأرستقراطية الدولية ونُخب الشعب النمساوي.

كان لجوزيف ثلاثة أبناء؛ ولعله سيظل يذكر ذلك الأبوي العتيق الذي رسخ في الاعتقاد السائد أن الموسيقى، إنما هي ـ في حياة الشرفاء من الناس ـ طريق مسدود تتراكم عبره خيبات الأمل؛ ذلك أن سائر أبنائه الثلاثة يملأ نفوسهم حب الموسيقى والتوق إلى التفرغ لها.  أما جوزيف الابن الثاني الذي يحمل نفس اسم والده،  فقد كان يتوفر على ملكة  تفوق بكثير ملكة والده، وأما إدوارد الابن الثالث فهو الذي سيخلف شقيقه يوهان في قيادة الأوركسترا بعد وفاته.

وفي سنة 1849 توفي شتراوس الأب، بعد أن تراجع ذكره أمام صعود نجم ابنه يوهان.

يوهان شتراوس

ولد سنة 1825، وألف قرابة خمسمائة فالس، إلى جانب أوبريتات شيقة ألفها باقتراح من صديقه "أوفينباخ".  تهافتت مسارح أوروبا وأمريكا على موسيقاه. كانت ملكته الموسيقية فياضة، فهو يشتغل في كل مكان، فحيثما وافاه لحن دونه، سواء في المطبخ أو في المكتب، فقد كان له في كليهما بيانو، وحيثما واتته فكرة أو عنت له خاطرة اقتنصها وسجلها على الورق آنا وعلى المناديل آنا.

عرف كأبيه بدايات شاقة، وفيما كان والده يسعى إلى حمايته من تقلبات امتهان الموسيقى، وجد في أمه من شجعه بالبداهة على بدء التعلم، فالتحق بكاتدرائية درايشلير Drescler  لدراسة الهارموني، والكونتروبوان؛ وحدث ذات يوم أن أطلع أستاذه على فالس وضعها، ففاجأه بعبارات صاعقة شديدة الفظاظة قائلا: يا لها من قذارة، لقد كانت دروسي في الكونتربوان غير مجدية.

يومها، حوله الوالد إلى العمل بإحدى مصالح صندوق التوفير، فلم يطق الفتى ذلك، وقرر أن يهجر البيت العائلي،  تماما كما فعل والده من قبل مع جده.

في عام 1844 تقدم أمام الجمهور لأول مرة على رأس أوركسترا صغير، فاستعاد الجمهورُ لخمس مرات متتالية عزف إحدى معزوفات الفالس لما كانت عليه ألحانها من عذوبة ساحرة؛ إنها ضربة حظ بلغ بعدها الشهرة الواسعة، وغدت شعبيته مضرب الأمثال، وهو يومئذ في الثامنة عشر من عمره. وما نحسب إلا أنه استفاد من الحظوة التي اكتسبها والده عن جدارة بين الجمهور.

كانت رقصاته تنطق حيوية لا سبيل إلى مقاومتها. وكان اندفاعه يستفز نزعته السياسية، فلما كانت ثورة 1848 التي اضطرت متِّرنيخ Metternich إلى الاستقالة، وحملت إلى موقع السلطة الأمبراطور فرانسوا - جوزيف، هرع شتراوس ـ بدافع من تلك النزعة الثورية ـ إلى عزف "المارسييز" باعتبارها نشيدا تحريضيا. وهو إن لم يلجأ إلى الفرار كما فعل من قبله فَاغنر، فقد نبذته السلطة وأسرَّت له الضغينة رَدَحا  من الزمن قبل أن تسند إليه قيادة رقصات الباليه في البلاط الملكي خلفا لوالده.

ما انفكت شهرة يوهان تزداد اتساعا، حتى أصبحت أغانيه مما يترنم بها الحوذي وهو يحث الخيل على السرعة.  إنها شهرة تجاوزت مدار فيينا، وغدت معها حواضر أوروبا الكبرى تتنافس في استقدام شتراوس وجوقه، وتتباهى باحتضانهما. وشَّحه نابليون الثالث، وقدم في أمريكا وحدها عشرين عرضا، جمع أحدها عشرين ألف مشارك بحضور مائة ألف من المستمعين.

لقد ظل يوهان أثيرا بين مواطنيه في فَيينا، ولا أدل على ذلك من الاحتفال الفخم الذي أقيم بدار الأوبرا الملكية عام 1894 بنماسبة مرور خمسين عاما على بدايته الفنية. وفي الخامس والعشرين من أكتوبر 1899 وافته المنية، فبكته فيينا بدموع الأسى، وهي التي تغنى فيها بألحان الابتهاج وعذوبة الحياة.

________

 

*Paul Le Flem، Revue Musica، Pub mensuelle، imp Chaix St، Paris، janvier 1957، pp 2 – 5.

افتتاحيات موزارت (بتصرف)

. قرات لك

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل

من المعلوم السائد أن جل المؤلفات ذات الطابع الغنائي يمهد لها بمقدمة يطلق عليها "افتتاحية"، الغاية منها وضع المستمع في أجواء الموسيقى دون عناء، وإعداده للتجاوب مع  المؤلف واستيعاب فكرته.وقد عرفت بعض الافتتاحيات شهرة واسعة من قبيل "خرساء بُّورتيسي" (La muette de portici) لـ دانييل أوبير Daniel Auber، و "نصابو نورنبيرغ" (The Mastersingers of Nuremberg) لـ ريتشارد فاغنر، و"ميراي" (Mireille) لـ شارل غونوCharles Gounod ، يعلن مؤلفوها من خلالها عن طبيعة السيناريو الذي اختاروه، ومن ثم نعتت هذه المعزوفات السمفونية بـ "وعاء الأنغام". 

أما افتتاحيات موزارت فيتعين أن نلاحظ ، قبل كل شيء، أنها لا تنبني على هذا النسق  في كتابتها، فقد منحها، وقبله بقليل المؤلف الموسيقي إبن مقاطعة بافاريا الألمانية كريستوف غلوك  Christoph Gluck، مفهومها شبه النهائي، ليس من حيث "القالب"، فقد سبق إلى ابتكاره المؤلف الموسيقي الإيطالي دومينيكو سكارلاتي Domenico Scarlatti، وإنما من وجهة نظر نفسية؛ وخير شاهد على ذلك افتتاحية  أوبرا "دون جيوفاني" (Don Giovanni).

لقد استطاع موزارت بالرغم من قصر سنه أن يكتب إحدى وعشرين افتتاحية، على أنه لا مجال إلى القول بأنه كان موفقا في كتابتها بأكملها، فقد كانت تلك التي وضعها وهو ما يزال في فترة اكتساب الخبرة بمثابة "المقبلات المشهية للطعام"، ومن ثمَّ جاءت أقرب إلى قالب السوناتة(sonata form).

أما الافتتاحيات التي وضعها في شبابه فهي بحق موسيقى قحة، غير أننا سنكون في حاجة إلى امتلاك طاقة كبرى من الخيال لنعثر فيها على أشياء لم تتضح صورتها لدى المؤلف نفسه، أو كما يقول المثل اللاتيني: "وفق مزاج المهندس" Fit fabricando faber))؛ وليس من المنطقي أن يشذ موزارت في تطوره عن المألوف، فالعباقرة ليسوا إلا بشرا، ومهما تكن درجة ذكائهم فإنها تخضع لسنن التطور العادية.

في ضوء هذا سيكون في وسعنا دونما تردد أن نرتب افتتاحيات موزارت في ثلاث محطات واضحة:

     1 ـ محطة التلمس أو اكتساب الخبرة.

     2 ـ محطة الافتتاحيات الموضوعية أو الذاتية.

     3 ـ محطة الافتتاحيات المعبرة.

محطة التلمس:

في سنة 1767 ألف موزارت كوميديا "آبولو وياسينتوس" (Apollo et Hyacinthus)، وهي أول عمل غنائي أنجزه، ومنذئذ أثبت توفره على مؤهلات خارقة في التأليف.  وفي الفترة ما بين 1767 و 1774 سيكتب عدة محاولات درامية كانت وما انفكت تشهد على طور "المرحلة الواعدة"، وشكلت في نفس الوقت إيذانا واضحا بما سينجزه  بعد سنوات قليلة من روائع من قبيل "دون جيوفَاني".

صحيح أن موزارت ألف "آبولو وياسينتوس" وعمره لا يتجاوز السنة الحادية عشرة، وألف أوبريت بوف(كوميدية)"باستيان وباستيين" (Bastien und Bastienne) وعمره 12 سنة، وكتب "حلم سيبيون" (Scipio's Dream) وعمره 16 سنة، ومع ذلك فإن مقدمتي المعزوفتين الأوليين أقرب في بنائهما لقالب "ألّيغرو سوناتين" (Allegro de sonatine)، وإن تكن ثانيتهما خاصة تشهد على نكهة تجمع بين السذاجة والعذوبة. وعلى كل حال فقد كانت ملامح التطور بينة في افتتاحيات موزارت لهذه الفترة، وإن لم تكن ثمارها قد نضجت بعد.

 

المحطة الانتقالية:

لم يعد موزارت في هذه المرحلة طفلا، فقد كبر واختمرت تجربته وأصبح عمله أكثر اكتمالا وتحررا. وقد جاءت افتتاحياته  لتكشف بجلاء عن الخطوات العملاقة التي خطاها، وهي، وإن لم تبلغ بعد مرحلة النضج الكامل، فإنها تكشف عن موسيقي واع بفنه محب له ملم بأسراره، يملك من  المعرفة نصيبا وافرا.

لنترك جانبا بعض أعماله المتواضعة مثل "ثاموس، ملك مصر" (Thamosm King of Egypt) و"زايد"

 (Zaide) اللذين لم يكتب لهما افتتاحية، ولنوجه النظر إلى أعمال موزارت التي تعكس روح المؤلف من قبيل "الوصية الزائفة"  (La Finta Gardiniera)، و "إيدوميني ملك كريت" (Idomenée, re di Creta)، و"عفو تيتوس" (La clémence de Titus)؛ هذه الافتتاحيات التي نسميها "ذاتية" ـ على الرغم مما قد يبدو في هذه  التسمية من ادعاء، لم تعد سوناتات حقيقية بالنظر إلى انتهاء فترة الشباب، مثلما أنها لم تبلغ بعد درجة تؤهلها لتشكيل مقدمات درامية طريفة حيث تبدأ الحركة في النماء؛ على أن هذه المعزوفات السمفونية تمهد بشكل طبيعي وشبه عقلاني للتصميم الأدبي.

عندما ألف موزارت رائعته الغنائية الأولى "الوصية الزائفة"، التي هتف لها جمهور ميونيخ في 1775، كان على يقين بضرورة التفكير في محتوى الأوبرا وتطورها العام، بيد أن افتتاحيتها لم تكن سوى حركة من سوناتة شبه مغفلة هي عبارة عن "ألّيغرو" (allegro) لا يخلو من ألق الألوان والحيوية والغزارة.

ومن جهة أخرى فإن المقدمتين الآليتين لكل من "ملك كريت" و"تيتوس أمبراطور روما" على درجة كبرى من الفخامة والاحتفالية، تتجلى خاصة في جملة لحنية بهية، ولا سيما في حقولها الثلاثة الأولى، والتي يزيدها روعة  جان شانطافوان قائد الأركسترا وعاشق موزارت، وهو يتوسل في لطف بالـ "أناكروز" في أسمى معاني السيادة والسمو. 

ومن اللافت للنظر أن موزارت استعمل في عزف افتتاحية "ملك كريت" لأول مرة مجموعة من آلات الكلارينيت التي لم يسبق لأوركسترا سالزبورغ أن استخدمها؛ وقد وجه موزارت لوالده خطابا عبر فيه عن منتهى سعادته بهذا الاكتشاف الجديد. 

 

المحطة الثالثة ـ الافتتاحيات المعبرة:

ها نحن أدركنا الافتتاحيات الكبرى التي أسميناها الذاتية أو المعبرة حيث يركز موزارت من خلال بعض المقاطع اللحنية القوية على بلورة الفكرة الرئيسة للدراما. ولأنه يستبعد كل الجزئيات غير الضرورية، فهو يتيح للمستمع القدرة على أن يستوعب بسهولة نسيج المعزوفة وتطورها ونموها. من هنا سيكون في وسعنا القول دونما أي جدال بأن موزارت أبدع نمطا جديدا من الموسيقى لا ريب أن لويجيو كيروبيني (Luigi Cherubini) ولودفيغ فان بيتهوفَن (Ludwig van Beethoven) هما وريثاه المباشران.

في افتتاحية "اختطاف في السراي" (The Abduction from the Seraglio) نتوقع بكل تأكيد طبيعة الدراما التي سيوظفها موزارت، إذ لا مجال للشك في أنها قد بنيت على الأسلوب الكلاسيكي للسوناتة، فجاءت أقسامها على النحو التالي: "بريستو" (presto) ـ "آندانتي" (andante)، "بريستو"، بيد أنه إذا كانت سرعة الحركتين  الأولى والثالثة توحيان بأجواء الحياة التركية التي أصبحت خاضعة لذوق العصر، فإن الحركة الثانية تنبئ باللحن الذي سيؤديه مغني التينور وشيكا في أول مشهد  من الفصل الأول.

وتأتي افتتاحية "زفاف فيغارو" (The Marriage of Figaro) لتعلن منذ البداية عن فكرتها الرئيسية، فمع شيء من إعمال التخيل الجريء سيكون في وسعنا أن نلاحظ وجود خطوط لحنية وبعض الأصداء لحركة "البريستو" المتالقة. وهي وإن تكن غير مقنعة  فإن الناشر يدرك تمام الإدراك عند سماع الافتتاحية  أن "اليوم المجنون" (La folle journée)ـ وهو الاسم الفرعي للعمل ـ سيفي بوعده.

أما افتتاحية أوبرا "دون جيوفانّي" التي تعتبر دون منازع قمة روائع موزارت، فهي تحدد بشكل جلي طبيعة هذه الأوبرا ذات النفس المأساوي والمضطرب. وقد جاء في المقالة  التي أنشأها غونو (Gounod) بعنوان "دون خوان لموزارت" ما يلي: "إن التآلفات الأولى،  بقوتها وجلال إيقاعها المتأخر النبر (syncopé)، ترسخ السلطة المهيبة والرائعة للعدالة الإلهية المقتصة من الجريمة. فبعد المازورات الأربع الأولى ـ التي يكسوها الصمت مزيدا من الرهبة عبر المازورتين الثانية والرابعة ـ تنطلق تعبيرات هارمونية ذات طبيعة مرعبة وكأنها مشهد شبح.

ها هنا ينطلق الألِّيغرو في حيوية خارقة وثابة تبعث على الدوار، يسبقه صخب للأبواق سيتجدد في الخاتمة، اتخذه "لوبوريللو" (Leporello) خادم "دون جيوفاَني" وسيلة لسرد فتوحاته الغرامية ومطية عابرة نجد نظيرتها في افتتاحية "كوزي فان توت" (Così fan tutte) التي ألفها موزارت في خريف 1789.

هذه الافتتاحية  بدورها تشكل إحدى روائع موزارت. وقد صدرها بعزف قصير على الأبواق،  يتلوه عزف منفرد على آلة الأوبوا، ثم حركة البريستو المرحة في لحن موسيقي على درجة كبرى من البراعة والبهجة ترجعه سائر آلات الأوركسترا الواحدة تلو الأخرى ويتخللها من حين لأخر عزف جماعي (tutti) مرح.

  

الصفحة  الأولى من مدونة افتتاحية "كوزي فان توت"

     

وخلاصة القول فلقد برهن موزارت عن عبقريته وهو ما يزال طفلا عندما كتب أولى افتتاحياته على نسق السوناتة، فجاءت سهلة تعبر عن أحلام الشباب؛ حتى إذا بلغ المرحلة الثانية اقترح مشروعا ظل هو وحده من يقدر على رسم تصميمه، ثم لما أدرك المرحلة الثالثة جعل من الافتتاحية نمطا مبتكرا في التأليف ظلت فكرته الرئيسة حاضرة باستمرار في ذهن المستمع الواعي؛ وبذلك شكلت افتتاحيات موزارت حدثا مشهودا في تاريخ الدراما الغنائية.   

سمفونية دو الكبير لجورج بيزيه (بتصرف)*

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

يذكر بول لاندورمي (Paul Landormy) في كتابه عن بيزيه (Bizet) أنه سبق لـ جان شانطافوان (Chantavoine) أن كشف في مكتبة المعهد الموسيقي خلال عام 1933 عن وجود مدونة لسمفونية كتبها المؤلف الموسيقي جورج بيزيه (Georges Bizet, 1838-1875) على مقام دو.  وبالعودة إلى مقالة لشانطافَوان نشرها في مجلة "مينيستريل" (Ménestrel) بتاريخ 4 آب/أغسطس من نفس السنة يتبين أنه لم يتحدث فيها عما يمكن أن يكون اكتشافا، وأنه لم يَدَّعِ شيئا من هذا القبيل، ولكنه بالمقابل استعرض وحلل، من خلال مقالات متسلسلة كتبها تحت عنوان مؤلفات غير منشورة لـ "بيزيه،" بعض أعمال المؤلف التي أودعها المانحون بمكتبة المعهد الموسيقي، وقدم معلومات في غاية الأهمية نقتبس منها الآتي: 

-       قبل سنوات قليلة توفيت زوجة بيزيه الأولى بعدما تركت لمكتبة المعهد الموسيقي مدونات "كارمن" والأرليرزيين". وقد أضيفت مدونات أخرى لاحقا إلى هذه المدونات مما شكل رصيدا غنيا حافلا بوثائق ظل كثير ممن ترجموا لبيزيه غافلين عنها.

-       ومن جهة أخرى تطوع السيد رينالدو هان Reynaldo Hahn بإهداء صندوق أحمر لمكتبة المعهد كان يضم عددا من الصفحات التي دونها بيزيه وهو ما يزال في أولى فترات الشباب. وفي هذا الصندوق بالذات توجد "سمفونية دو" من بين مقطوعات للبيانو، وبعض الأغاني، و"الافتتاحية الأولى" للأوركسترا.    

بيد أنه إذا كان من السهل أن ندرك كيف كانت هذه المدونات في ملكية أرملة بيزيه وزوجها الثاني، فإننا نجهل كيف ومتى آلت بعض هذه المدونات إلى ملكية رينالدو. هنا أيضا، يأتي التساؤل عن سبب إحجام رينالدو ـ وهو مؤلف وقائد للأوركسترا ـ عن تقديم سمفونية بيزيه أمام جمهور الحفلات الكبرى في وقت نعلم أنه كان شديد الإعجاب به وبسمفونيته هذه؛ من المحتمل أن يكون رينالدو قد استشار أرملة بيزيه في هذا الصدد فأجابت بالرفض لعلمها أن بيزيه لم يكن يعير هذه السمفونية الكثير من عنايته لأنها بالنسبة إليه من إنتاج فترة الشباب، مثلما أنها لم تقبل عروض الناشر المتكررة بإخراجها احتراما لإرادة زوجها. وهكذا بدت "سمفونية دو" وكأنما حكم عليها بأن تظل حبيسة الصندوق الأحمر وأن يحرم عشاق الموسيقى من سماعها إلى الأبد.

وسوف تطفو على الساحة ظروف خاصة احتكمت فيها مؤسستان للنشر إلى القضاء حول طبع "سمفونية دو"، ثم لم تكد تمضي على مقالات شانطافَوان غير ثلاثة أعوام أو أربعة حتى أصدرت "الدار العالمية لفَيينا" السمفونية، وسمحت بعرضها لأول مرة في ألمانيا، ثم في عواصم أوروبية أخرى.  وسيتجدد نشر السمفونية في دار "شودانس" Choudens، ولن تمضي غير سنوات قليلة حتى تشق طريقها إلى التسجيل وتنطلق كبريات الأوركسترات في التجوال بها عبر العالم، ليتجاوز عدد عروضها في خمسينيات القرن الماضي الخمسين.

بحلول سنة 1955 يكون قد مضى على تأليف سمفونية بيزيه قرن كامل. ويظهر هذا في العبارة التالية التي كتبها بخط يده: "السمفونية الأولى على مقام دو، بدءا من 29 تشرين الأول/أكتوبر 1855، وانتهاء في ... تشرين الثاني/نوفمبر من نفس السنة"، مع إغفاله ذكر اليوم من الشهر.  لقد استطاع  بيزيه أن ينجز سمفونيته التي يستغرق أداؤها 40 دقيقة في أقل من شهر. كان عمره قبيل أن يشرع في كتابتها سبعة عشر عاما وأربعة أشهرٌ، وكان قبل ذلك بشهور قليلة قد حصل من المعهد الموسيقي على الجائزة الأولى في العزف على الأرغن، وجائزة أخرى في الكونتربوان– فوغ (Fugue). 

التحق بيزيه بالمعهد وهو في سن العاشرة لدراسة الصولفيج، وتلقى دروسه في عزف البيانو على يد مارمونتيل (Marmontel) أحد أشهر الأساتذة في ذلك الوقت، فأبان عن موهبة خارقة أهلته للفوز بالجائزة الأولى في الصولفيج وهو ابن أحد عشر عاما، والجائزة الأولى في العزف على البيانو وهو ابن أٍربعة عشر عاما، ثم بجائزة روما الكبرى وهو دون التاسعة عشر.

تقوم سمفونية بيزيه على أربع حركات هي ألِّيكَرو (allegro)ـ أندانتي (andante). سكيرتزو (scherzo). خاتمة.

يحتوي التوزيع على "خماسي" للآلات، وآلتي تمبال، ونفيرين، وأربعة أبواق، وآلتي باسُّون، وآلتي كلارينيت، وآلتي أوبوا، وآلتي فلوت.

الحركة الأولى "ألِّيكرو: في وزن ثنائي سريع (4/2) وهو يغطي 585 حقلاً، عمدته لحنان يشكلان من خلال العرض وإعادة العرض والإثراء النغمي والإيقاعي مجمل المعزوفة، بحيث يغني تداولهما المتكرر عن أي تراكم في الأفكار على حد قول بيزيه؛ ولا داعي إلى خوف الوقوع في الإعادة المملة، وذلك لما يطبع الجمل اللحنية من رشاقة تحلق بالألّيكَرو من بدايته إلى نهايته في حركة ملؤها البهجة والمرح.

وسواء في الأليكَرو، أو في باقي حركات السمفونية، فإن هرمنة الألحان مشبعة للغاية، بينما تمتد بعض التوافقات عبر حقول الجمل الموسيقية لتبلغ الثمانية أو العشرة، بل لتدرك في بعض الفقرات العشرين؛ كل ذلك من شأنه أن يحرك الإحساس بالوضوح، ويمنح الأذن ما يكفي من الوقت للتفاعل مع التركيبات الهارمونية المتسلسلة.

ينبني اللحن الأول للفوغَ على توافق (دوـ  مي ـ صول). ولو أن المؤلف جعل ختامه على درجة دو الوطيئة لوَلَّد هذا الإحساسَ بالتَّفَاهة، ولكنه تجنب الوقوع في هذا الإحساس بتحول غير متوقع يتمثل في النوطات الثلاث التي ختم بها اللحن، وهي دوـ سي ـ لا (أنظر النموذج الرقم 1).

أما اللحن الثاني ـ والأنسب أن نسميه "فكرة" ـ فهو عبارة عن سلسلة من التوافقات المنكسرة، تمتد عبر 60 حقلاً موسيقيا؛ وفي موازاة هذه التوافقات تنساب جملة غنائية طويلة يخترقها التنفس من حين لآخر، فتشكل بمفردها ما يوشك أن يكون لحنا ثالثا، لولا أنها تأتي بمثابة تكملة غنائية للحن الثاني (أنظر النموذج الرقم 2).

وإذا كان اللحن الأول يذكرنا بموتسارت، فإن الثاني نابع من استعداد ذاتي، يكشف من خلال الجملة الانسيابية السابقة عن نزوع قوي لدى بيزيه نحو تأليف الجمل التعبيرية الطويلة، وهو نزوع سيتبلور لاحقا في رائعته الغنائية "لارليزيين".

الحركة الثانية: تأتي هذه الحركة في وزن 8/9، وتستغرق 114 حقلا موسيقيا. على أن بيزيه وإن يكن أسماها "آندانتي"، فإنه يجنح بها إلى قالب "الأداجيو".  وبعد افتتاحية من ثمانية حقول موسيقية، تتعاقب على عزف اللحن الأول تباعا آلات الأوبوا، ثم يعاد عزفه بواسطة آلات الكلارينيت والباصون بعد تحويل مقامه إلى الدرجة الثالثة ليعاد في النهاية بآلات الأوبوا (انظر النموذج رقم 3).

وسيتلو هذا اللحنَ المُحَمَّلَ بجملة من التعبيرات الدرامية الشديدة لحنٌ ثان على آلة الكمان يمتد عبر اثنين وعشرين حقلاً في أسلوب غنائي نابض  بالحياة. أنها ملامح النضج تتبدى في فتى مراهق في السابعة عشر من عمره، لتعلن عن وشوك انبثاق رائعته الغنائية "كارمن" (النموذج 4).

وسيفضي هذا اللحن إلى "فوكَاطو" (fugato) في كتابة هارمونية تجمع بين الرشاقة والمتانة، وتنتهي ـ من جديد ـ بعودة اللحن الأول معزوفا على آلات الأوبوا.

وسوف يعود بيزيه لاحقا إلى هذا اللحن عند تأليفه لأوبرا "صيادو اللؤلؤ" ليوظف بدايته في افتتاحية "أغنية ندير" Chanson de Nadir بعد إدخال تعديل طفيف عليه.  ومرة أخرى سيتم عزفه بآلات الأوبوا (النموذج رقم 5).

ترتكز "الآندانتي" على مقام لا الصغير (المنتسب إلى مقام المقطوعة الأولى)، منطلقة عبر أربعة توافقات على درجة من الصرامة: فا ـ لا ـ دو / ري ـ فا ـ لا / دو ـ مي ـ صول / لا ـ دو ـ مي/. وهي توافقات نحسب عند سماعها أننا بصدد مقام "دو الكبير"، حتى إذا حلت المازورة الخامسة ظهر توافق "مي ـ صول دييز ـ سي" لتتلوها الحقول الأخيرة وقد تجلى فيها السلم الصغير بكامل الوضوح.

الحركة الثالثة "الّسكيرتزو": على مقام "صول الكبير" (درجة الارتكاز المسيطرة في المقطوعة الأولى). حركته "ألّيكَرو فَيفَاتشي" من ميزان 4/3. يمتد لحنه عبر 300 حقل موسيقي من بينها 112 حقلا في أداء "التريو". تتميز بداية السكيرتزو بانزياح لحني واستراحة غير متوقعة على نغمة لا، تنتمي لا إلى توافق النغمة المسيطرة ولا إلى توافق نغمة القرار، الأمر الذي يضفي على الجملة اللحنية مزاجية خاصة (النموذج 6).

وسيعود اللحن الموسيقي إلى طبيعته الأولى بعد عزف المازورات السبع والتسع التي تليها. وبعد صعود شديد التوقيع بواسطة آلات الكمان والآلتو، ينتهي بنا المطاف إلى لحن (موتيف ثان) يذكرنا أداؤه بواسطة آلات الألطو بلحن الأليكرو السابق (النموذج 7).

الحركة الرابعة الختام: تنتهي السمفونية بختام هو عبارة عن "أليكَرو فَيفَاتشي" ميزانه ثنائي 4/2، ومداه 446 حقلا موسيقيا، وقراره اللحني هو ذاته قرار المقطوعة الأولى (دو الكبير) طبقا للقاعدة المتبعة. يحتوي الأليكَرو على ثلاثة موتيفَات لكل واحد منها ميزاته الخاصة. أما الأول فهو عند شانتافَوان في إحدى مقالاته "يذكر في بدايته بختام السمفونية الرابعة لبيتهوفَن"، ويعني هذا ما بين الختامين من تشابه على مستوى توظيف ذوات السنين منفصلة عن بعضها، غير أنهما يختلفان بشكل واضح على مستوى الخط الميلودي، إذ تتميز ذوات السنين في عمل الفتى بامتدادها عبر نفس طويل يستغرق 33 حقلا (النموذج 8)،

ليتم الانتقال بعد ذلك إلى "الموتيفَ الثاني" على إيقاع المشي الثنائي، مع الإبقاء على حيوية الحركة وسرعتها.

وسوف يعود بيزيه خلال إقامته بفَيلَّا ميديتشي (Villa Médicis) في إيطاليا إلى هذا اللحن لتوظيفه ـ بعد تحويله إلى مقام سي بيمول ـ  في الفصل الأول من "الأوبرا بوف" "دون بروكوبيو" Don Procopio التي تؤرخ لأولى رسائله الموجهة إلى الأكاديمية الفرنسية (1859) (النموذج 9).

أما "الموتيف" الثالث والأخير فهو أغنية بمثابة سياحة جميلة عبر 44 حقلاً موسيقياً، تتصاعد تدريجيا نحو النغمات الحادة حيث تَدرك قمة الانتشاء، ثم تنحدر سريعا عبر ثلاثة حقول معلنة عن نهاية السمفونية (النموذج 10).

إنها أغنية متدفقة الحركة ترتبط في بنائها بالألِّيكَرو الشادي المحبب عند جان كريستيان باخ، هذا الألّيكَرو الذي يعني اللحن الميلودي المستعمل في الحركات السريعة.

وبعد، فإن "سمفونية دو" التي ألفها بيزيه لا تشكل حدثا فاعلا في تاريخ السمفونية، مثلما أنها لا تمثل منطلقا لمفهوم جمالي معين، ولا غايته المثلى.  ولكنها، بفضل مزاياها الخاصة، تحتل عن جدارة مكانها إلى جانب السمفونيات التي ألفها كبار المؤلفين.

____________________

*   Henri Classens. (Mai 1956). Revue Musica, n° 26. Pub. mensuelle, imp. Chaix St  Paris, pp. 18-22.

 

فوريه (Faure) ضحية العصور الحديثة (بتصرف)

. قرات لك

 

وردت على مجلة Musicaالصادرة في تشرين أول/أكتوبر 1955 من إحدى قرائها الأسئلة الثلاثة الآتية:

1)    كيف تفسرون ندرة تسجيلات "موسيقى الحجرة" لـ" غابرييل فوريه"، ولاسيما "الخماسي الأول"  Premier Quintette  الذي لم يسجل قط؟ 

2)    لماذا لم يقدم "رباعي" سيزار فرانك أبدا للجمهور، بينما تتحدث عنه الكتب باعتباره عملا فنيا رائعا يضاهي سمفونية نفس المؤلف وخماسيه؟

3)    لماذا يجري باستمرار عرض السمفونيات الثلاث الأخيرة لتشايكوفَسكي، بينما لم تعرض قط السمفونيات الثلاث الأولى؟

وقد تصدر للإجابة عن هذه الأسئلة أحد قراء المجلة هو Gaston Gunst أستاذ بالمدرسة الوطنية بمولهاوس Mulhouse، فوافى المجلة بالورقة الآتية:

تبدو ملاحظات السائلة دقيقة للغاية، وهي تستحق التجاوب معها. وبعيدا عن كل ادعاء بالعثور على "مفتاح اللغز"، أود أن أقترح بعض الأفكار التي قد تشكل إجابات جزئية على واحد أو أكثر من الأسئلة الثلاثة المطروحة. 

الفكرة الأولى:

في البدء، أشير إلى أمر حدث بمناسبة تنظيم الأسبوعين التجاريين بمدينة باريس، وهو إقدام أحد جامعي الأسطوانات القديمة على بيع مجموعة كبيرة من التسجيلات بثمن زهيد. وأثناء النظر في أكوام المبيعات أدهشني أن يتوارد من بين تسجيلات 78 لفة القديمة اسم غابرييل فوريه أكثر من مرة، فيما لم يرد إلا تسجيل واحد  لفاغنر به بعض التشقق؛ حينها أدركت أنه ليس هناك من مبرر للكساد الذي ناب تسجيلات فوريه إلا أن تكون لصاحبها حاليا قيمة متدنية في سوق التجارة، وذلك بالنظر إلى أن شركات إنتاج الأسطوانات تضع في صدارة اهتماماتها بيع بضاعتها؛ وهذا مر طبيعي، معناه أنها تنظر إلى مدى قابلية  البضاعة للبيع وليس إلى قيمتها الفنية. 

وفي وسع هذه الشركات أن تنتج بالأحمال ما تشاء من الأعمال الموسيقية وهي في تمام الاطمئنان من قبيل "غييوم تيل" و"متعة الحب" (Plaisir d'Amour)و"رقصات البوليرو" لرافَيل، ولكن عندما يتعلق الأمر بـ "فوريه" فهي تتخذ الحذر، إذ من الواضح أن هذا الموسيقي الفرنسي أصبح خارج نطاق "الموضة". وسبب ذلك في رأيي راجع إلى أنه غدا ضحية العصور الحديثة.

علينا أن نسجل في البدء أن موسيقى الحجرة فقدت قيمتها بكل أسف لدى الجمهور الواسع، هذه الموسيقى الأكثر نقاء وصفاء والتي تستوجب من أجل فهمها وتذوقها كثيرا من التركيز والتأمل. وإن من حقنا أن نسأل: هل ما زلنا في عصرنا المتسم بالقلق قادرين بما يكفي على إدراك وفهم دقائق التعبيرات الموسيقية المشبعة بالشعر والجمال الساحر؟   

لقد أصبح الجمهور في الوقت الحاضر يفضل المجموعات الأوركسترالية الكبرى ذات التأثير المباشر والتي لا تتطلب تركيزا ذا بال.  إنه في حالة من الدوار، وقد غدا ثَمِلاً بالصخب الصوتي بدل أن ينصت إلى ما تبوح به ثلاثة أقواس أو أربعة.  إننا نعيش في قرن الضجيج، وفي وسعي أن أستشهد بجملة من الظواهر والأعراض تهيأ لي أن أسجلها خلال لقاءاتي مع الشباب.  ومما لا ريب فيه أن هناك نفورا من طرف الجمهور إزاء موسيقى الحجرة (مع استثناءات قليلة) وبالذات بالنسبة لـ "فوريه".

أليس "فوريه" هو من كان يأخذ بالألباب، ويحمل المستمع لعالم الحلم بامتياز؟  لقد فقدنا اليوم الإحساس بالشاعرية.  وإذا ما وجهنا اهتمامنا إلى إصلاح الوضع فعلينا أن نبدأ أولا بإحياء فن "الفوغا" أو "رباعيات بارتوك".

لقد عاد المستقبل ملكا لعلماء الرياضيات، أما الشعراء من جنس "فوريه" فحظهم ابتسامة ساخرة، وأما الفنانون وناشرو الأسطوانات فهم قبل كل شيء تحت رحمة الفئات العريضة من الجمهور، لا أقلية العارفين منهم؛ ومن هنا لم يبق أمامنا إلا الأمل في أن تنبثق "مرحلة" جديدة يحدث معها تطور في مفهوم الذوق؛ وأنا واحد من هؤلاء الذين يتطلعون إلى هذه الأمنية، وإن يكن من المؤكد أنها بعيدة الأمد.  

الفكرة الثانية

يصنف علماء الموسيقى الأعمال الموسيقية وفق عصورها. وهم يقيِّمونها بحسب قيمتها التاريخية، وأثرها، وأهميتها في تاريخ الموسيقى. أما جمهور الناس فلا يهمهم في شيء هذا التصنيف التاريخي، فهم يحتكمون إلى معايير غير التي يحتكم إليها العلماء المنظرون. ويحملنا هذا على التمييز بين نوعين من القيمة: القيمة التاريخية الموزيكولوجية (القطعية نسبيا)، وقيمة الجمهور (النسبية). وذلك ما قد يساعد على تفسير غياب "رباعي" سيزار فرانك في برامج العروض الفنية، بالرغم من نعته في المصادر المكتوبة بالعمل الرائع. وبقطع النظر عن بعض الأعمال الفائقة بما فيه الكفاية والقادرة على التصدي لسائر تيارات "الموضة"، فقد يحدث أن يرضى الجمهور عن بعض الأعمال فيما يرفض أخرى هي قطعا الأفضل. فلماذا إذن؟ لعل مفتاح هذا اللغز أن يكون كامنا في أعماق اللاوعي الإنساني.

لا ريب أن عازفي الأوركسترا يتحملون نصيبا من المسؤولية في هذا النطاق؛ ذلك أنهم قادرون على فرض أو إعادة فرض بعض الأعمال الفنية، ولاسيما إذا كانوا من ذوي المهارة الراسخة في العزف. غير أنهم في الغالب يؤثرون الانزواء في حيز ضيق من الأعمال التي أنهكها الاجترار طالما أنها "آمنة"، وما دامت تضمن لهم النجاح وتكفيهم عناء البحث عن غيرها.

الفكرة الثالثة

أما بالنسبة لسمفونيات تشايكوفَسكي الثلاث الأولى فيتعين الاعتراف بأنه لا تعارض في شأنها بين موسيقيي الأوركسترا وعلماء الموسيقى، بل إن هؤلاء لا يتحدثون عنها إلا لماما. فهل يعني هذا أنها ذات قيمة متدنية؟  ليس ذلك مؤكدا. فحتى وقت قريب كانت سمفونيتا شومان الثانية والثالثة تعتبران أيضا غير قابلتين للعرض.  أما بالنسبة لشوبرت فلم يكن مقبولا من أعماله غير "السمفونية الناقصة"، فيما كانت سمفونياته الباقية بمثابة سقط المتاع. غير أن هذه المؤلفات استعادت رونقها ومكانتها بفضل بعض قادة الأوركسترات، وهي اليوم في طور الحصول على رضى الجمهور.

لقد شهدت باريس مؤخرا حدث الاحتفاء بأوبرا Eugène Onéguine (قصيدة شعرية من نظم الشاعر الروسي بوشكين) التي إن لم تكن على مستوى كبير من الروعة فهي على الأقل في مستوى القبول بسبب ما تحتوي عليه من ألحان جديرة بأن تضاهي "الفالس" و"البولونية" اللتين دخلتا بكل أسف إلى مجال "موسيقى المنوعات". وليس ببعيد أن تفاجئنا   ذات يوم فرقة سمفونية جريئة بإعادة الحياة إلى سمفونيات تشاكوفسكي الثلاث، لاسيما وأن الظرف غدا ملائما بعد أن فتحت أوبرا "أوجين أونيكَين" السبيل إلى الظهور.

وفي وسعنا ـ بعد هذه الإجابة الوجيزة عن الأسئلة الثلاثة المطروحة ـ أن نخلص إلى خلاصة فحواها أن "العمل" الموسيقي لا يعني مجموعة من الرموز يطلق عليها اسم "المدونة"؛ فهو من أجل أن يكون "تأليفا"، ومن أجل أن يكون "موسيقى" يحتاج إلى أن يتجدد خلقه باستمرار، وإلا، فسيصبح موضع التأويلات المادية المتقلبة النزوات. تصوروا كم هو طويل ذلكم الوقت الذي تقضيه روائع المؤلفين من أمثال باخ وشوبرت طي الصناديق  في انتظار أن تجد طريقها إلى الأسماع.  غير أنه مهما يكن واقع هذه الروائع اليوم، فإن من حقنا عقد الأمل على أن تعيد إليها الأجيال القادمة ما تستحقه من إنصاف، وما ذلك إلا لأن الأذواق والعادات مهما تغيرت، فإن القلب لا يتغير. وصدق بتهوفَن عندما قال: إن عملا نابعا من القلب لَحَرِيٌّ بأن يعود إليه عاجلا أو آجلا.

.