المقالات

فوريه (Faure) ضحية العصور الحديثة (بتصرف)

. قرات لك

 

وردت على مجلة Musicaالصادرة في تشرين أول/أكتوبر 1955 من إحدى قرائها الأسئلة الثلاثة الآتية:

1)    كيف تفسرون ندرة تسجيلات "موسيقى الحجرة" لـ" غابرييل فوريه"، ولاسيما "الخماسي الأول"  Premier Quintette  الذي لم يسجل قط؟ 

2)    لماذا لم يقدم "رباعي" سيزار فرانك أبدا للجمهور، بينما تتحدث عنه الكتب باعتباره عملا فنيا رائعا يضاهي سمفونية نفس المؤلف وخماسيه؟

3)    لماذا يجري باستمرار عرض السمفونيات الثلاث الأخيرة لتشايكوفَسكي، بينما لم تعرض قط السمفونيات الثلاث الأولى؟

وقد تصدر للإجابة عن هذه الأسئلة أحد قراء المجلة هو Gaston Gunst أستاذ بالمدرسة الوطنية بمولهاوس Mulhouse، فوافى المجلة بالورقة الآتية:

تبدو ملاحظات السائلة دقيقة للغاية، وهي تستحق التجاوب معها. وبعيدا عن كل ادعاء بالعثور على "مفتاح اللغز"، أود أن أقترح بعض الأفكار التي قد تشكل إجابات جزئية على واحد أو أكثر من الأسئلة الثلاثة المطروحة. 

الفكرة الأولى:

في البدء، أشير إلى أمر حدث بمناسبة تنظيم الأسبوعين التجاريين بمدينة باريس، وهو إقدام أحد جامعي الأسطوانات القديمة على بيع مجموعة كبيرة من التسجيلات بثمن زهيد. وأثناء النظر في أكوام المبيعات أدهشني أن يتوارد من بين تسجيلات 78 لفة القديمة اسم غابرييل فوريه أكثر من مرة، فيما لم يرد إلا تسجيل واحد  لفاغنر به بعض التشقق؛ حينها أدركت أنه ليس هناك من مبرر للكساد الذي ناب تسجيلات فوريه إلا أن تكون لصاحبها حاليا قيمة متدنية في سوق التجارة، وذلك بالنظر إلى أن شركات إنتاج الأسطوانات تضع في صدارة اهتماماتها بيع بضاعتها؛ وهذا مر طبيعي، معناه أنها تنظر إلى مدى قابلية  البضاعة للبيع وليس إلى قيمتها الفنية. 

وفي وسع هذه الشركات أن تنتج بالأحمال ما تشاء من الأعمال الموسيقية وهي في تمام الاطمئنان من قبيل "غييوم تيل" و"متعة الحب" (Plaisir d'Amour)و"رقصات البوليرو" لرافَيل، ولكن عندما يتعلق الأمر بـ "فوريه" فهي تتخذ الحذر، إذ من الواضح أن هذا الموسيقي الفرنسي أصبح خارج نطاق "الموضة". وسبب ذلك في رأيي راجع إلى أنه غدا ضحية العصور الحديثة.

علينا أن نسجل في البدء أن موسيقى الحجرة فقدت قيمتها بكل أسف لدى الجمهور الواسع، هذه الموسيقى الأكثر نقاء وصفاء والتي تستوجب من أجل فهمها وتذوقها كثيرا من التركيز والتأمل. وإن من حقنا أن نسأل: هل ما زلنا في عصرنا المتسم بالقلق قادرين بما يكفي على إدراك وفهم دقائق التعبيرات الموسيقية المشبعة بالشعر والجمال الساحر؟   

لقد أصبح الجمهور في الوقت الحاضر يفضل المجموعات الأوركسترالية الكبرى ذات التأثير المباشر والتي لا تتطلب تركيزا ذا بال.  إنه في حالة من الدوار، وقد غدا ثَمِلاً بالصخب الصوتي بدل أن ينصت إلى ما تبوح به ثلاثة أقواس أو أربعة.  إننا نعيش في قرن الضجيج، وفي وسعي أن أستشهد بجملة من الظواهر والأعراض تهيأ لي أن أسجلها خلال لقاءاتي مع الشباب.  ومما لا ريب فيه أن هناك نفورا من طرف الجمهور إزاء موسيقى الحجرة (مع استثناءات قليلة) وبالذات بالنسبة لـ "فوريه".

أليس "فوريه" هو من كان يأخذ بالألباب، ويحمل المستمع لعالم الحلم بامتياز؟  لقد فقدنا اليوم الإحساس بالشاعرية.  وإذا ما وجهنا اهتمامنا إلى إصلاح الوضع فعلينا أن نبدأ أولا بإحياء فن "الفوغا" أو "رباعيات بارتوك".

لقد عاد المستقبل ملكا لعلماء الرياضيات، أما الشعراء من جنس "فوريه" فحظهم ابتسامة ساخرة، وأما الفنانون وناشرو الأسطوانات فهم قبل كل شيء تحت رحمة الفئات العريضة من الجمهور، لا أقلية العارفين منهم؛ ومن هنا لم يبق أمامنا إلا الأمل في أن تنبثق "مرحلة" جديدة يحدث معها تطور في مفهوم الذوق؛ وأنا واحد من هؤلاء الذين يتطلعون إلى هذه الأمنية، وإن يكن من المؤكد أنها بعيدة الأمد.  

الفكرة الثانية

يصنف علماء الموسيقى الأعمال الموسيقية وفق عصورها. وهم يقيِّمونها بحسب قيمتها التاريخية، وأثرها، وأهميتها في تاريخ الموسيقى. أما جمهور الناس فلا يهمهم في شيء هذا التصنيف التاريخي، فهم يحتكمون إلى معايير غير التي يحتكم إليها العلماء المنظرون. ويحملنا هذا على التمييز بين نوعين من القيمة: القيمة التاريخية الموزيكولوجية (القطعية نسبيا)، وقيمة الجمهور (النسبية). وذلك ما قد يساعد على تفسير غياب "رباعي" سيزار فرانك في برامج العروض الفنية، بالرغم من نعته في المصادر المكتوبة بالعمل الرائع. وبقطع النظر عن بعض الأعمال الفائقة بما فيه الكفاية والقادرة على التصدي لسائر تيارات "الموضة"، فقد يحدث أن يرضى الجمهور عن بعض الأعمال فيما يرفض أخرى هي قطعا الأفضل. فلماذا إذن؟ لعل مفتاح هذا اللغز أن يكون كامنا في أعماق اللاوعي الإنساني.

لا ريب أن عازفي الأوركسترا يتحملون نصيبا من المسؤولية في هذا النطاق؛ ذلك أنهم قادرون على فرض أو إعادة فرض بعض الأعمال الفنية، ولاسيما إذا كانوا من ذوي المهارة الراسخة في العزف. غير أنهم في الغالب يؤثرون الانزواء في حيز ضيق من الأعمال التي أنهكها الاجترار طالما أنها "آمنة"، وما دامت تضمن لهم النجاح وتكفيهم عناء البحث عن غيرها.

الفكرة الثالثة

أما بالنسبة لسمفونيات تشايكوفَسكي الثلاث الأولى فيتعين الاعتراف بأنه لا تعارض في شأنها بين موسيقيي الأوركسترا وعلماء الموسيقى، بل إن هؤلاء لا يتحدثون عنها إلا لماما. فهل يعني هذا أنها ذات قيمة متدنية؟  ليس ذلك مؤكدا. فحتى وقت قريب كانت سمفونيتا شومان الثانية والثالثة تعتبران أيضا غير قابلتين للعرض.  أما بالنسبة لشوبرت فلم يكن مقبولا من أعماله غير "السمفونية الناقصة"، فيما كانت سمفونياته الباقية بمثابة سقط المتاع. غير أن هذه المؤلفات استعادت رونقها ومكانتها بفضل بعض قادة الأوركسترات، وهي اليوم في طور الحصول على رضى الجمهور.

لقد شهدت باريس مؤخرا حدث الاحتفاء بأوبرا Eugène Onéguine (قصيدة شعرية من نظم الشاعر الروسي بوشكين) التي إن لم تكن على مستوى كبير من الروعة فهي على الأقل في مستوى القبول بسبب ما تحتوي عليه من ألحان جديرة بأن تضاهي "الفالس" و"البولونية" اللتين دخلتا بكل أسف إلى مجال "موسيقى المنوعات". وليس ببعيد أن تفاجئنا   ذات يوم فرقة سمفونية جريئة بإعادة الحياة إلى سمفونيات تشاكوفسكي الثلاث، لاسيما وأن الظرف غدا ملائما بعد أن فتحت أوبرا "أوجين أونيكَين" السبيل إلى الظهور.

وفي وسعنا ـ بعد هذه الإجابة الوجيزة عن الأسئلة الثلاثة المطروحة ـ أن نخلص إلى خلاصة فحواها أن "العمل" الموسيقي لا يعني مجموعة من الرموز يطلق عليها اسم "المدونة"؛ فهو من أجل أن يكون "تأليفا"، ومن أجل أن يكون "موسيقى" يحتاج إلى أن يتجدد خلقه باستمرار، وإلا، فسيصبح موضع التأويلات المادية المتقلبة النزوات. تصوروا كم هو طويل ذلكم الوقت الذي تقضيه روائع المؤلفين من أمثال باخ وشوبرت طي الصناديق  في انتظار أن تجد طريقها إلى الأسماع.  غير أنه مهما يكن واقع هذه الروائع اليوم، فإن من حقنا عقد الأمل على أن تعيد إليها الأجيال القادمة ما تستحقه من إنصاف، وما ذلك إلا لأن الأذواق والعادات مهما تغيرت، فإن القلب لا يتغير. وصدق بتهوفَن عندما قال: إن عملا نابعا من القلب لَحَرِيٌّ بأن يعود إليه عاجلا أو آجلا.

نزهة برفقة بيلا بارتوك* (القسم الثاني) - بتصرف

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

لقد بلغ بارتوك منتهى التحرر مع "الكونشرتو الثاني للبيانو" (1931) الذي تنطلق فيه  "الخامسة" لتعبر عن فرحة عارمة عبر كتابة انسيابية مشرقة دياتونية صرفة، تلتحم فيها أصوات الأبواق الصاخبة، والألحان الأخاذة، والكتل المدوية المتصادمة، والإيقاعات المتسارعة مما يذكرنا بإيقاعات الزنوج البدائية، ويمنحنا أنشودة نابضة بالحياة ذات دينامية نادرة المثال.

ننتقل الآن للحديث عن مغناة "الأداجيو" الشعرية وهي في حلة فنية ثرية يخيم عليها حضور مستمر للطبول، وتتكشف في ذات الوقت عن الطبيعة الغنائية للسوناتة.

تعترض هذا "الأداجيو "حركة "البريستو" متألقة قوية الشبه ب"كونشرتو" رافَيل، لتعلن من خلال فقرة انتقالية عن الأسلوب الشفاف والبراعة الفائقة للـ"كونشرتو الثالث المكتوب للبيانو".

تسجل غنائية "الكونشرتو الثاني" و "الرباعي الخامس" أسمى ما يمكن أن يمنحه الإحساس بنشوة الإبداع. على أن سنوات الاختبار والمعاناة على وشك أن تلفه ليصبح وجوده أكثر شقاء وإيلاما بسبب ظهور النازية، واندلاع الحرب، وتعرضه للنفي، ثم للمرض والموت. وفيما كان أسلوبه في طريقه إلى الاكتمال، كانت مؤلفاته ـ هي أيضا ـ لا تتوقف عن التطور، غير أنها لن تصادف الحظ إلا لماما، أو بالصدفة؛ وبدل أن يحافظ على حيويته وهي في قمة تدفقها، وعلى ثقته الهائلة في الوجود، فإنه يوشك أن يصبح على درجة كبرى من التشاؤم لولا أنه يستمد من عبقرية شعبه نوعا من التفاؤل والثقة في الحياة.

إن سمة الحزن التي تطبع حركة "الفوكَ" التي يفتتح بها عمله "موسيقى للأوتار والإيقاع وألة سيليستا" (1936) تحمل بالفعل ظلال الحرب والموت. وهذا التوهج الشاحب لآلة السيليستا يلمع في سماء ملبدة. وليس هناك شيء يثير الإعجاب أكثر من مسار هذه الأصوات التي تبحث عن ذاتها في شعاب يلفها الضباب.

وإذا كانت الصدفة قد شاءت أن تحمل آلة الكسيلوفون في حركة "الأداجيو" كل هذه الأصوات الجافة والمتصادمة، فإن بارتوك سرعان ما سيعود في الحركتين المواليتين ليواجه عتمتها ويبدد تذمرها من خلال ما بثه فيهما من ألحان مشرقة الأضواء يتجلى فيها لأول مرة التعايش المثالي بين الفلكلور وبين قوالب الكتابة الكلاسيكية في كامل صرامتها.

وعلى الرغم من تشابه التوزيع الآلي بين "السوناتة المكتوبة لآلتي بيانو والإيقاع" (1937) وبين معزوفة "موسيقى للأوتار"، ومن قرب العهد بين تاريخ تأليفهما، فإن الأولى تنتمي إلى مجال مغاير، فيما تبدو الثانية واقعة تحت سيطرة الإيقاع، صعبة، وأحيانا متشنجة. كما أن البحث المخبري والجهد التقني يختفيان فيها أمام السحر الذي يأخذ بألبابنا عند سماعها. من ثم يرى ـ على حد قول آنطوان كَوليا ـ أن التيمات الفلكلورية التي وجدت  وتمت المحافظة عليها نقية لم تعد سوى قطع دموية علقت في غابات وعلى مكاوي إيقاعات الهلوسة والتناسق القاسي بوحشية عجلى، عنيدة، ومتنوعة لتصبح شيئا لم يعد له من اللحن الميلودي غير الاسم.

يسجل "كونشيرتو للكمان"(1937ـ1938)عودة بارتوك إلى مجال التأليف للأوركسترا. فلقد آن لعمله المتواصل منذ خمسة عشر عاما أن يؤتي أكله لتصبح لديه ملكة لا تضاهى من الثراء والمرونة. وهو بالنسبة لفقرة الصوليست لم يستطع التخلص من تأثير الأسلوب الغجري؛ بل إنه استمد منه بعض خصوصيات تقنياته الجهنمية، بيد أنه في مقابل ذلك انطلق يحلق بالكونشرتو عاليا، ويمجد خلفية الميلودية الهنغارية التي طالما حجبها.     

وسوف يتحقق حلم قديم طالما راوده، وهو لقاء الشرق والغرب عن طريق ضخ دم جديد ذي سمات شعبية في القوالب الكلاسيكية؛ كان ذلك في معزوفته "موسيقى للأوتار" حيث تم اللقاء على نحو لافت للنظر، ليس من أجل تمجيد الفلكلور ولكن من أجل أن يكون تعبيرا عن الذات وعن المشاعر الإنسانية  في ذات الوقت.       

خلال فصل الصيف من سنة 1939 كتب بارتوك في مصطافات "لا كَرويير" آخر أعماله الأوروبية: "ديفَيرتيمينتو للأوتار" و"الرباعي السابع".

وتمضي أربع سنوات على هذا التاريخ، تشتعل الحرب إثرها، فيفر بارتوك إلى الولايات المتحدة حيث يصيبه المرض. وفي غمرة الضيق الذي أصبح يعاني منه يتوصل بطلب من سيرج كوسيفَتسكي يعيد إليه بعضا من الانتعاش. وفي هذه السنوات التي يكتنفها الصمت ينبجس عمله العظيم كالطود الشامخ، والذي ليس في الوسع أن نختزل الحديث عنه في سطور.

وستتوالى بعد ذك أعمال متفرقة وهو في منفاه: سوناتة للكمان وحده كتبها بطلب من "مينوهان Menehin، ثم "كونشرتو للآلتو"، ثم "كونشرتو للأوركسترا"، وأخيرا "الكونشيرتو الثالث للبيانو"، وقد رسم فيه صورة رجل متحرر، وأودعه صفحة في منتهى الاسترخاء وأوج النقاء عز أن يكون لها نظير في سائر أعماله الموسيقية

_______________

 *Jacques Lonchampt: Revue Musiva - imp. chaix. Paris no 24 Mars 1956. pp 10 -13

 

 

نزهة برفقة بيلا بارتوك - القسم الأول بتصرف

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

لا ريب أن الإشعاع الذي يسود الاحتفال بالذكرى العاشرة لوفاة بارتوك يثبت أن الوقت أصبح اليوم يدعونا إلى التعريف بمجالات إبداعه على نطاق واسع ودون إغفال أي جانب.  والمسار الذي أقترحه اليوم ليس جردا، ولا دليلا، ولكنه مسار متحرك، شخصي، تقريبي، يحدد مواقع بعض الروائع النادر التطرق إليها أحيانا في المشهد الفني لبارتوك.  من حسن الحظ أن الموسيقي نفسه يوفر لنا أرضية ممتازة لمعرفة أعماله قبل أن نزج بأنفسنا في متاهات البحث: إنها "المتتالية الثانية للأوركسترا" التي كتبها سنة 1905.

في الرابعة والعشرين من عمره تخلص بارتوك في كتابته من تأثيرت براهمز وليست وشتراوس؛ إنها السنة التي سجلت بداية المغامرة الكبرى للفلكلور، والتي سوف تمهد السبيل لسائر أعماله. وقد جاءت هذه المتتالية لتعلن عن تخلصه من قيود المدرسة وشوائبها وانتقاله إلى أجواء الاحتراف المتمكن، ولتقوي لدينا الإحساس - عبر مرور الأعوام - ببلوغه المرحلة الأخيرة.  إنها مسجاة في منظور معين للتأليف الموسيقي يعكس رغبة المؤلف في منحها طعما شعبيا ضمن قالب كلاسيكي. إنها تختزل المشروع الذي سيوجه سائر تجاربه، وإن لم تكن بعد قد بلغت درجة الاكتمال. من هنا تأتي "الشكيرزو الشعبية" (Folk Scherzo) التي لا تنشُد إرضاء المناهج المدرسية بقدر ما تنشد بلوغ أسمى صور التعبير عن الغناء الشعبي.  ومع أنني هنا لا أضعها في مرتبة "الفوغاتو" (Fugato) الرائع الذي يختم به "الكونشرتو للبيانو" (Piano Concerto) فإني أجد فيها نفس الرغبة في تطوير وإنعاش دينامية كاملة الحيوية.

دعنا أخيرا نضيف أن "المتتالية الثانية للأوركسترا" (Suite No. 2) رائعة للغاية، وأن "الآندانتي" (Andante) أي الحركة البطيئة تشكل على وجه الخصوص "مشهدا" بارتوكيا من خلال سحرية التعابير التي ستعكس على الدوام أسلوبه في التأليف. وليس أدل على عظيم اهتمام المؤلف بها من العودة إلى مراجعتها في سنة 1943.

على أن عمره لن يمتد به طويلا ليفي بما بشرت به "المتتالية الثانية"، ذلك أن بحثه عن فلكلور الشعوب، وسعيه لاستيعاب أساليبه، وإغراء الأساليب الأخرى للتأليف الحديث، كل ذلك سيفضي به إلى الاهتداء إلى "حَجَر الفلاسفة" التي طالما حلم بها، والتي في ركابها سوف تتراكم مؤلفاته المتنوعة.

لن نكلف أنفسنا الذهاب بعيدا: فلقد جاءت الأغنية الأولى من عمله "اللوحتان" (Deux Portaits)التي كتبها سنة 1907 احتفاء بزواج تلميذته إيمَا غروبر Emma  Gruberبصديقه زلطان كوداي Zoltan Kodaly لتخاطب أعماق نفوسنا.  فمن كان يتصور أن من وراء هذه القطعة المثيرة للإعجاب والتي تسمو إلى أعلى درجات التعبير الشفاف يقف هذا الموسيقي صاحب "الرباعي الثالث" (String Quartet No. 3 

أما "اللوحة الثانية" فهي تحمل نفس "تيمات" (themes أي موضوعات) سابقتها، منفصلة عن بعضها، لتشكل صفحة قصيرة حافلة بالألوان والزخارف المعلنة عن السمة التعبيرية للـ"مانداران الساحر" Mandarin merveilleux ".

لن يتأخر القلق، هذا الرفيق الوفي لبارتوك، عن التسرب إلى أعماله: ففي سنة 1911 ألف "Chateau de Barbe-Bleu" (قلعة صاحب اللحية الزرقاء)، عبارة عن أوبرا من تأليف بيلا بالزاس Béla   Balazs في فصل واحد، كتب موسيقاها بارتوك متأثرا بأسلوب كلود ديبوسي.  في هذه الأوبرا لن تشرق الشمس أبدا؛ إنها المأساة المظلمة ذات الامتدادات النفسية، وهي نفسها التي اختارها بارتوك لتكون موضوع الأوبرا الوحيدة التي كتبها.  بطلاها: "صاحب اللحية الزرقاء" الذي ينطلق في تلاوة عبارة طويلة بأسلوب "إلقائي" (recitative)، وزوجته جوديث التي تسرد كلامها ببرودة متعمدة حتى لحظة التوهج المأساوي للموت: ها هنا يعرج البطل بصوته في صرامة قصوى لأداء "لييد" ((Lied أي أغنية من الروعة بمكان، بينما تعود جوديث لتبدو امرأة أخذها اليأس، وانتابها الرعب "يتغشاها الظل إلى الأبد".

وتمضي ثماني سنوات يطالعنا بعدها بارتوك بـ "باليه الماندران الساحر (Le Mandarin Merveilleux)، ألفه في 1918-1919 من فصل واحد، عُرض أول مرة على مسرح كولونيا عام 1926. وهو عبارة عن قصة مستوحاة من حكاية صينية لفتاة تضايق المارة المتشردين، وتنتهي بمشهد عميق الأثر عن الحب والموت.  في هذا العمل يفاجئنا عنف الموسيقى، حيث أن الجزء الأكبر منه تؤديه الآلات النحاسية (Brass) وآلات النقر (Percussion) عبر ألحان متدفقة باستمرار تفيض ألوانا وإيقاعات وعربدة، وتكشف عن أن النَّفَس الأوركسترالي لَدَي بارتوك قادر على مضاهاة نظيره عند سترافنسكي في رائعته "Sacre Printemps" )طقوس الربيع)، الأمر الذي لا يسعنا معه إلا  نأسف لتخليه عن هذا التوجه في التأيف وركوبه المسالك المسدودة للباليه الروسي.

وبسبب اعتراض السلطات الهنغارية على مواصلة عرض هذا الباليه، فسيُقْدِم بارتوك في بحر أكتوبر من سنة 1928 على تحويل موسيقاه إلى "متتالية للأوركسترا السمفوني".

على أننا - قبل ذلك بخمس سنوات - سنجد في "متتالية الرقصات" التي كتبها سنة 1923 بعض ملامح الأسلوب الأخاذ لـ "المانداران"، ولاسيَّما في الرقصة الأولى؛ غير أن أجواءها تختلف عن نظيراتها في الأخرى:  ففيما تبدو تيمات "المانداران" تجريدية، غير ذات هوية، غايتها أن ترسم عينات من الحزن الإنساني، فإن نظيراتها في "المتتالية" (suite) تأتي حافلة بمشاهد الحياة الهنغارية؛ وبدل أن تكون الألحان حبيسة دوامة من الإيقاعات الصاخبة، فهي في المتتالية تتخذ من الإيقاع مجرد أداة للتعبير عن الإنسان وعن الذات، ومن ثم فهي تحيا حياة مبتهجة وتقفز على إيقاع نشوة سكان الأٍرياف.  إنها موسيقى الهواء الطلق، وهي - بالنسبة لبارتوك - انتقام من المثقف المهووس بالمشاكل التقنية، ومن خلالها سيدرك أن الخلاص ينبع من المصدر الشعبي الذي لا ينضب. وسوف تنجلي للناظر في هذه المتتالية ملامح بعض أعمال بارتوك القادمة: ألعاب الأزواج ـ الانترميزو المقطوع ـ كونشرتو للأوركسترا.

ومع كل ذك، فإن بارتوك على وشك الوقوع في الأزمة الأكثر إثارة للشفقة في عمله، وقد آثر أن يلوذ بالصمت على مدى ثلاث سنوات. وإذا كانت "متتالية الرقصات" هي ضامن نجاحاته القادمة، فهي لم تتمكن من حجب صوت "السوناتتين للبيانو والكمان" (1921 ـ 1923) اللتين هما في غاية الجمال، وإن كانتا تحت هيمنة الكتابة الدوديكافونية، بسبب ما تحدثانه من توتر وصراع رهيبين "يمتد - على حد قول الناقد الموسيقي آنطوان غَوليا Antoine Goléa-من وريد الموسيقي وحتى هذا الأسلوب المتعجرف والقاسي الذي يبدو  في عين بارتوك أعظم نبلا، وإثارة، وجمالا، بحجة أنه الأشد عسرا والأكثر امتناعا عن الفهم والأكثر أنفة وعزلة".

كانت سنوات احتجابه الثلاث (1923-1926) حاسمة، عاشها وهو في مفترق الطرق متأرجحا بين الانطباعية، والتعددية الشكلية، والتنكرية، والحركية. وخلالها عاصر كل الثورات، واختبرها بشغف، ثم أعاد صياغتها بطريقة ما وبكل وسائله الخاصة.

وسوف تشكل أعماله الثلاثة القادمة (سوناتة للبيانو 1926 ـ الرباعي الثالث 1927 ـ الرباعي الرابع 1928) أقوى محطات مسيرته الفنية؛ غير أنه في خضم بحوثه الصارمة توجد نبرة إنسانية تخترق التقنية وتفيدنا في معرفة حالة الموسيقي الذهنية.  ولنا في رائعته "سوناتة البيانو" (Piano Sonata) خير ما يدل على ذلك، ولا سيما في خاتمتها حيث يقدم تيمات وإيقاعات مستوحاة من الموسيقى الشعبية عارية عن كل تلوين آلي، ثم في "الآندانتي" (Andante)، هذه الصفحة المثيرة حيث يتجلى نوع من الابتكار الموسيقي والتوافق الإيقاعي والتراكب الهارموني للتيمات الأساسية. وهذه كلها تذكرنا ببعض ما كتبه بيتهوفن في أواخر أيامه، مثلما تذكرنا بصنيع ديابيلليDiabelli  في  Variations sur un thème(تنوعات على تيمة).

وفي نطاق آخر يعتبر "الرباعي الثالث" لبارتوك عملا انطباعيا يتضاعف اقترابنا منه كلما استمعنا له وأصغينا إلى جمله الموسيقية.

من جهة أخرى يتعين أن نقر بأن الاستماع لـ "الرباعي الرابع" يمنحنا انطباعا مغايرا يوحي بالطمأنينة الروحية؛ فمن خلال بنيته المتماسكة العناصر، وتيماته المعبرة،  وتطوره المنسجم، نستحضر رباعيات بيتهوفن الأخيرة؛ وقبل كل شيء  يبدو أن متطلبات الغناء والتعبير تتجاوز بالتأكيد هذا النوع من الهذيان حيث السعي وراء المطلق بتطويق بارتوك، وليس في وسعنا أن نغفل عن  "الآندانتي" هذه الصفحة الفنية الحافلة بالغنائية الرومانسية والسابحة في لجة من التناغمات الانطباعية ذات التأثير الرائع، ولا عن الخاتمة المتوثبة والتي يتجدد فيها ظهور الفلكلور وهو في أبهى صوره.

ما لا أحبه في مؤلفات موزارت (بتصرف)*

. قرات لك

                                                                        عبد العزيز ابن عبد الجليل

في هذا العنوان الذي يصدم كثيرا من القراء ما  يصدمني ـ إلى حد ما ـ أنا أيضا. وإن أنا أخذت في تبرير هذا الموقف wفذلك كي أوقف عاصفة الاحتجاجات بقدر ما أرغب في التخفيف من تردداتي.

نحن اليوم في كانون الثاني (يناير) 1956، وقد مضى على ولادة موزارت قرنان من الزمان؛ وفي هذه المناسبة وجدت الفرصة المواتية للخوض في هذا الموضوع. ومع ذلك فليس القصد إلى الانتقاص من القيمة الفنية لأعمال موزارت، ولا إلى انتقاد هذا العمل أو ذاك من أعماله، بل إن الأمر يتعلق في هذه الدراسة الموجزة بتجاوزات ارتكبتها طائفة عريضة من الجمهور ومن المتخصصين بخصوص صنف من مؤلفات موزارت، وهي تجاوزات يتحمل عواقبها بالدرجة الأولى من أسميتهم "المتخصصين".

وعندما يتعلق الأمر مستقبلا بذكر ما لا أحب من أعمال بتهوفَن أو شومان على سبيل المثال، فسيكون في وسعي أن أنتقل إلى مرحلة أكثر دقة في نقد هذا العمل  أو ذاك، لهذا المؤلف أو ذاك، بل وحتى للخصوصيات المميزة للأسلوب، وتقنيات الكتابة الموسيقية التي تبرز في مجمل أعمال المؤلف، وحتى في أكثرها شهرة.

وبالعودة إلى مؤلفات موزارت، أجدني حتما غير قادر على أن أكشف عما قد يمس بالقيمة التقنية أو التعبيرية في كل صفحة من صفحاتها، مثلما أجدني عاجزا عن المفاضلة بينها، ولاسيما منها ما كتبه في السنوات العشر أو الاثنتي عشرة الأخيرة من عمره.

ولعل في هذه العبارة الأخيرة ما يمنح القارئ مفتاح الاهتداء إلى مؤاخذاتي، ليس على موزارت بذاته،  ولكن على فئة من "المداحين" ولاسيما منهم  المندفعين الذين يسيئون إليه  من حيث لا يدرون. ومن المؤكد أن لهؤلاء أعذارهم التي يجدونها في الغموض التام الذي  اكتنف أعمال موزارت على مدى فترة طويلة من الزمن استغرقت معظم القرن التاسع عشر والجزء الأكبر من القرن العشرين.

وباستثناءات نادرة، لم تشق الرومانسية طريقها إلى موزارت، ولم تكن ترى فيه غير موسيقي من زمن مضى إلى الأبد ينتمي إلى  فترة الكتابة المشحونة بالزخارف التي سبقت مباشرة إرهاصات الثورة الفرنسية وولادة عالم جديد. وقد ظل موزارت بالنسبة للعقلية الرومانسية ذلك الموسيقي صاحب الشعر المستعار، فيما ظلت عبقريته بعيدة عن أن يتجادل فيها اثنان، هذه العبقرية التي تعترضها سلسلة من الأعراف كانت ما تزال حتى عهده قائمة.

وقد آن لسوء الفهم السخيف أن ينتهي بشكل طبيعي يوم انهارت الرومانسية الموسيقية ذاتها، وانفجرت بعض مفاهيمها، وحينئذ أدركنا عمق عبقرية موزارت وقوة إنسانيتها وسمو قيمة رسالتها. وقد كان هذا التحول من الأهمية بمكان بالنسبة لروائع المسرح الغنائي عند موزارت، فقد أدركنا لِلتَّوّ من خلال شخوصه الدرامية كيف تضفي موسيقاه على الإبداعات الشعرية حُللا من القوة والتنوع، مثلما استشعرنا متعة الاستماع للنبضات المختلجة عبر مؤلفاته السمفونية وموسيقى الصالونات.

في هذا الظرف بالذات، والذي شهد تطور العقلية العامة نحو موزارت، تأتي مجازفات من أسميتهم  قبل "المداحين"،  وهي مجازفات ترتبط بحدث تاريخي لا سبيل إلى الجدل حول واقعيته، وهو "أن موزارت كان طفلا معجزة"، وأنه ـ دون ريب ـ الأكبر عبقرية من بين سائر الأطفال العباقرة على مدى تاريخ الموسيقى.  والواقع المؤلم أننا لم نعد اليوم نعجب من ظهور أطفال خوارق في مجال العزف على الكمان أو على البيانو، فكثير هم الأطفال الذكور والإناث الذين برعوا في أداء أعمال بيتهوفَن أو ليست، أصبحوا ـ بكل أسف ـ يشكلون ظاهرة في الحياة الموسيقية؛ ومن نماذج هؤلاء أطفال يقودون الأوركسترا، وتقف من ورائهم حركة متدفقة من الدعاية والتشجيع، ومنافع غير معلن عنها في الغالب.  أما في مجال التأليف فقد تضاءلت  اليوم  ظاهرة الطفل المعجزة.

ومن الأكيد أن حالة موزارت ـ هي أيضا ـ لم تخل من الدعاية والمنافع المادية، إذ لولا والده ليوبولد موزارت، لما تأتى له أن يسيح في  حواضر البلاد الأوروبية، وهو ما يزال في سن السادسة من عمره.  بل إن المساعي الاستغلالية لهذا الوالد الذي أغرته المنفعة المادية هي ذاتها التي ستفضي إلى أن تفقد البشرية موزارت إلى الأبد بسبب ما ناله من التعب والإنهاك، ولمّا يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، وهي سنوات لم يبلغ قمة المجد إلا في العشر الأواخر منها.  

ولأن موزارت رحل عن الدنيا باكرا فلن يكون في مقدور أحد أن يعيد إلينا ما كان يختزنه من روائع، وحتى أولئك الذين انكبوا ـ بدافع من تقليد والد موزارت ودون شعور منهم ـ على كل ما كتبه من أعمال في طفولته وشبابه معلنين أنها في درجة من السمو والعبقرية تضاهي روائعه الخالدة: كوزي فان توت، والناي السحري، وسمفونياته الثلاث الأخيرة. والحق أنهم يعبرون بشكل عابث عن مواطن ضعفه.

وتكمن نبتة الشر في فهرس كوشيل Koechel  الذي يصنف تحت رقم (1) أحد موتيات موزارت كتبه وهو في سن الرابعة في سياق إعجاب حاشيته، زاعما أنه أودع فيه كل عبقرية الطفل والمراهق. ومن البديهي والواضح بالنسبة لأي شخص يملك سمعا سليما وحكما قويما أن يكون ما كتبه موزارت في سن السادسة وحتى الرابع عشرة دون الروائع التي أبدعها في مرحلة النضج من عمره. وعلة هذا أن موزارت الطفل والمراهق كان خاضعا لروح التقليد، مثلما أنه ـ سواء كان عبقريا أم لاـ تحمل خلال فترة تعلمه نفس ما يتحمله المؤلفون من ألوان التأثير.  وإن من المدهش حقا أن يؤلف موزارت "كانتاتا" وهو في سن الثانية عشرة، غير أن إدراجها ضمن برنامج سالزبورغ لهذا العام (1956) ما كان ليزيد من قيمتها الفنية، فهي لا تعدو أن تكون عمل تلميذ مجتهد، ومن ثم فالأولى بها أن تكون في المكتبات، وليس في العروض الموسيقية الحية.

ومجمل القول فإن "مداحي" موزارت يسيئون أكثر مما يحسنون إليه، ومن المؤسف أن يضيع منا "موزارت الصغير"، والفنان اللطيف، المتوقد الذهن، هذا الذي لم يعش بعد حياته كرجل.

*        Antoine Goléa: revue  Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris,        22, janvier 1956, pp .  10-12.

سيبيليوس وسمفونياته السبع ـ 1 ـ (*) بتصرف

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

عاش جان سيبيليوس (Jean  Sibelius) منعزلا في بيته التائه وسط غابة فنلندا، كما عاش منعزلا وسط موسيقى عصره.  وتشكل سمفونياته السبع كتلة غريبة وغامضة في خضم إنتاج موسيقي معاصر لها؛ وقد اختار لها أن تشق طريقها الخاص في رومانسية صارمة تنتهي في نهاية المطاف عند فن كامل التجرد.  ودونما أي اهتمام بما يحيط به، فهو يغور في أعماق نفسه، غير عابئ بالوقت الذي سيصل فيه صوته إلى قلوب الناس. أما إنتاجه فهو باستمرار في تقدم مطرد، يزداد عمقا، بل وزهدا؛ إنه يشق طريقه نحو الاكتمال، متمثلا بمقولة أفلوطين: "إنه ينحت تمثاله بيده".    

ولد سيبيليوس سنة 1865 من أب طبيب وموسيقي. ومنذ طفولته الأولى ظهرت ميوله الفطرية نحو الموسيقى مع نزوع قوي نحو الأسلوب الجرماني، مما سيحفزه ـ فيما بعد ـ على شد الرحال إلى برلين وفيينا للدراسة قبل أن يسقر بمدينة هلسنكي بدءا من عام 1891 وعمره 26 سنة.

انضم سيبيليوس إلى ثلة من مثقفي فنلندا وهي يومئذ تعيش أبهى فترات نهضتها، وفي أجواء من الحماس الشعبي كتب "كانتاتا" وأربعة "أساطير" من بينها "بجعة تيونيلا" (The Swan of  (Tuonela) و"وادي الموت” (Kuolema)، فلقيت هذه الأعمال الترحيب، وحظي صاحبها بلقب "موسيقي وطن فنلندا".

عندما كتب سيبيليوس سمفونيته الأولى "العاصفة والاندفاع" كان صيته منتشرا بين جمهور معجب بعبقريته. فأي تعريف يمكن أن نعطيه لهذه السمفونية التي كتبها بعيدا عن أبطال ملحمة "كالفَالا" (Kalevala) الشعبية كيما يعبر عن قلقه الباطني؟  لقد جاءت الحركة الأولى بقوتها وعنفها لتكشف عن مؤلف متمكن من الكتابة السمفونية، وذلك من خلال المؤثرات الفنية المتمثلة في "ارتعاشات" الأوتار، وجعجعة الهوائيات، وهدير "الطبول"، هذه المؤثرات التي ترسم لوحة مثيرة للإعجاب لا يسع العواصف الرومانسية أن تحد من تأثيرها. لقد أصبح  سيبيليوس منذ هذه الفترة يمتلك أسلوبا بلغ من الوحدة والتجانس ما يمنحه القوة والمتانة. ومن وراء تنوع الخطاب وتدخل المؤثرات الصوتية التي تشكل واحدا من أبرز عناصر لغته، تسود إرادة ملحة تمسك بسائر خيوط الدراما؛ ومنذ هذه اللحظة تتبدى روعة التوزيع الذي وإن كان في الظاهر كليا فهو في الحقيقة مؤسس على نغمات صافية يصحبها إحساس حاد من التناقضات. 

أما الحركات الثلاث الباقية فهي ذات أهمية أدنى بالمقارنة مع الحركة الأولى، كما أنها موسومة بطابع تشايكوفسكي. 

كتب سيبيليوس سمفونيته الثانية  خلال سنتي 190‍1 و 1902على مقام ري الكبير. وفيما جاءت السمفونية الأولى قي سياق تاريخي طبعه الحماس الشعبي، فقد كتبت الثانية في ظروف مغايرة عرفت إقدام القيصر نيكولا الثاني الدوق الأكبر لفنلندا على إلغاء الحريات التقليدية للشعب الفنلندي، ومن ثم كان الحفل الذي قدم فيه سيبيليوس عمله مناسبة لانفجار وطني وضعه في طليعة دعاة الثورة والتمرد. وبالفعل، لم تمض إلا شهور قليلة حتى أقدم على كتابة رائعته "فنلنديا" التي سيصبح لحنها هو ذاته لحن "النشيد الوطني" لدولة فنلندا.

ألف سيبيليوس سمفونيته الثانية في مدينة "رابّالو" الإيطالية حيث أقام فترة بعد جولة فنية رفقة أوركسترا هلسنكي عبر السويد وهولاندا وبلجيكا وباريس وبرلين، وشاء لها أن تكون مرآة تعكس صراعاته وأفراحه وأمانيه. ويتجلى تأثير تشايكوفَسكي عميقا في حركة "الأليغرو" الافتتاحية، إلا أنه ينعكس على الجانب الآلي، وأحيانا على الإيقاع الراقص للتيمات أكثر مما ينعكس على بنية السمفونية وغنائيتها.  ها هنا يحس المستمع بالعذوبة، كما يحس بنوع من السعادة عز أن نجد لها نظيرا في أعمال تشايكوفَسكي نفسه. إنه "فلكلور خيالي" يرقص في ذاكرة المؤلف الموسيقي كمقدمة تمهد للـ "آندانت" المعتدلة التي هي حركة السمفونية الأساسية، والتي تتشابك فيها الرؤى الجنائزية والشاعرية في تطور رائع فياض حيث تبدو الفرحة الرعوية جريحة يستعصي التئام جرحها بسبب ما آل إليه مصير الوطن.  

ها هنا تنبعث من جديد روح "العاصفة والاندفاع"، وسيكون من دواعي انتصار الوعي الوطني الفنلندي أن نجد أنفسنا ـ دونما ريب ـ مدعوين للاندفاع تحت تأثير حركة "السكيرزو" الختامية حيث يهيمن  ـ للمرة الأخيرة ـ أسلوب تشايكوفَسكي المثقل بآلات النفخ وجلال الألحان.

تسجل السمفونية الثالثة التي كتبها سيبيليوس بين عامي 1904 و1907 في مقام دو الكبير قطيعة في أسلوبه كما في حياته، حيث لم يعد صخب المدن ولا الأسفار يناسب مزاجه.  لذلك قرر أن يغادر مدينة هلسنكي وأن يستقر في ريف "جارفينيا" حيث ابتنى بيتا أطلق عليه اسم زوجته "آينولا". وقد وجد في هذا البيت راحته. وفي هذا الصدد كتب يقول: كان من الضروري أن أترك هلسنكي لأن فني أصبح في حاجة إلى آفاق جديدة بعد أن غدوت غير قادر على التأليف.

في هذه الأجواء ألف سيبيليوس سمفونية ثالثة أسماها "سمفونية الشمال الرعوية"، وهي في الواقع عمل شاعري يضاهي عمل ييتهوفَن، وهي أيضا عمل تأملي شارد.  كل شيء فيها بهجة وشعر وغناء، وإيقاعات شعبية، وألحان رشيقة ثَمِلة. لقد تحرر سيبيليوس من عبء الإرث الرومانسي، فخفتت أصوات الأبواق، وعادت الوتريات إلى طبيعتها الكلاسيكية، مثلما استرجعت الألحان بساطتها وتم الحد من انسياباتها.  بل لقد أصبح في الإمكان تلمس مؤشرات التغيير التي ستضفي جمالها على السمفونية الرابعة، ثم في مدى أبعد على السمفونية السادسة.

لكن، دعونا نتوقف عند "الأندانتينو"، إنها وردة برية، ورائعة ومفعمة بالحنان. إنها رقصة حوريات كتلك التي نجدها في مؤلفات "سميتانا" أو "دفَورجاك".

للحديث بقية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(*)  Jacques Lonchampt: - Revue  Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n 19 PP 14 – 16.

.