المقالات

الموسيقى الصينية - القسم الأول

. قرات لك

 

 الموسيقى الصينية - القسم الأول (بتصرف) (*)

 

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل 

 

في العصور القديمة، وحتى عهد كُونْفُوشيوس (551 - 479 ق م)، كانت الموسيقى حاضرة في سائر المراسيم الاحتفالية: سواء في المعابد حيث تقدم القرابين، أو في القصور خلال الاستقبالات الرسمية، أو في مشاهد استحضار الأرواح الطيبة بالطبيعة. وتشهد كل الوثائق على ارتباط الموسيقى في هذه الفترة بالمعطيات الفلسفية. 

 

ومع أننا نتوفر على "نشيد كونفوشيوس" ومقطوعات أخرى قليلة أدنى أهمية، فمن الصعب - إن لم يكن من المستحيل - تحديد الفترة التي وضعت فيها. 

 

وفي ما يلي لحن موسيقي تنسبه بعض الروايات إلى القرن الثاني قبل الميلاد، يحمل عنوان "موسيقى ملكية لدخول معبد كونفوشيوس"، وهو أشبه بالموسيقى الاستعراضية: 

 

 ويعتقد بعض الصينيين أن لحن "نشيد كونفوشيوس" ضارب في القدم، وأنه يعود إلى الفترة التي عاش فيها هذا الفيلسوف ذاته (أي القرن الخامس ق م). وفي هذه الحالة فهم يرون أنه تعرض لصنوف كثيرة من التغيير، وذلك في سياق موجات الدمار التي أعقبت وفاة كونفوشيوس وأفضت إلى سيادة ملوك حكموا البلاد، فأتلفوا سائر الآلات الموسيقية، وأحرقوا كل ما كتب حول الفنون، وضمنها الموسيقى. 

 

وفي مقابل ما ذهب إليه هؤلاء من القول بقدم "نشيد كونفوشيوس"، ترجح طائفة أخرى أنه وضع حوالي القرن الأول، وأنه ظل في منأى من أن تناله تغييرات هامة، وذلك بفضل الروح التقليدية المحافظة التي جبل عليها الصينيون.



ومهما يكن، فمن المجازفة الاطمئنان إلى كلا الرأيين، وذلك لانعدام ما يمكن أن نعتبره "تاريخا" للموسيقى الصينية. وإذا كان قد حدث في بعض الفترات من تاريخ هذا الشعب تطور في الفكر وفي الآداب، فذلك واقع لا مجال للشك فيه كما تشهد عليه بعض الكتابات الأدبية. أما ما يخص الموسيقى والتظاهرات المرتبطة بها - وهما في صدارة الطقوس الأساسية للحضارة الصينية - فهناك بكل تأكيد تخلف بَيِّنٌ كما سنرى وشيكا.



الموسيقى الدينية



لقد أتاحت لي مناسبات ميدانية أن أدون عددا جمّاً من المقطوعات الموسيقية من بينها أغاني دينية. ونضرب مثلا لها بالفقرة الخامسة من "نشيد كونفوشيوس":

 

 

 

 

ومع افتراض أن يكون هذا اللحن هو الأقدم حسب علمنا فسنقابله بلحن آخر سمعناه في دير "مِينْكَ - بِّو" خلال حفل "سِيَامة" الرهبان. وسنلاحظ ما بين المقطوعتين من شبه تتجلى مظاهره في بساطة اللحن، ونبله، وطابعه. 

 

وسوف تتجدد وجوه الشبه ذاتها مرة أخرى مع المغناة التالية التي دونتها في أحد أديرة "تْشِيشْيَا - صانْ"، لولا بعض الزخارف اللحنية التي تحجب طابعها الديني.


  

 

وننتقل إلى أغنية أخرى سمعتها في نفس الدير لنخلص إلى أن ما يغنى حاليا في سائر أديرة الصين أصبح ذا طابع غنائي أكثر منه ديني، لا نكاد نستثني سوى بعض الأغاني التي تنشد في مناسبات الاحتفال بـ "سِيَامَة" الرهبان. وفيما عدا هذه المناسبات، تكتسي الموسيقى في حلقات استحضار الأرواح ولحظات التضرع والابتهال طابعا جهنميا، فيأتي اللحن قصيرانوعا ما، تردده الأصوات والآلات الموسيقية معا، وتعيده مرارا وتكرارا. وهو ينطلق في حركة معتدلة السرعة، توقعه آلات النقر وأقدام شهود القُداس، ثم تتضاعف سرعته باستمرار إلى أن تتحول إلى ما يشبه العدْو السريع، حتى إذا أدركت ذروتها أخذ الحاضرون يهرولون وسط صخب الآلات وهتاف الحاضرين. 

 

 

.  

 ونعرض في ما يلي نموذجين من ألحان الموسيقى الجنائزية أحادية النغم، ونجهل مدى قدمهما، تؤديهما مجموعة من الطبول (كُوَانْ- تْزُو) المعدنية يحاكي رنينها الحاد صوت الكلارينيت

 

 

 

 

 

وعلى أي حال، ومهما يبدو هذا الأمر مثيرا للعجب، فإننا حينما نعرف آداب السلوك الصيني فسندرك حتما أن هذا النوع من الأغاني يستجيب بأمانة للروح، إن لم نقل لشروط المناسبة الصحية. إنه نوع من الرقصات التي تؤدى في حالات الحداد، رقصات متوثبة، الغاية من ورائها تهدئة روع المحزون، والتخفيف من كربه، واستعادة قواه البدنية.

الموسيقى الحميمة

يوجد صنف من الموسيقى الصينية أوشك على الضياع، وهو موسيقى الحجرة،، أو بعبارة أخرى الموسيقى الحميمية. ويبدو أنها نشأت خلال فترة حكم سلالة "هان" (من مشارف القرن الثاني قبل الميلاد إلى عشرينيات القرن الثاني بعد الميلاد) التي نشطت فيها الآداب والفنون.

لم تكن هذه الموسيقى خاضعة للقوانين الصارمة التي تحكم موسيقى المراسم الدينية، وإن تكن مستوحاة منها لدوافع فلسفية. وقد مارسها المثقفون خاصة، فكانوا يعزفونها بمفردهم، أو بحضور الخاصة من أصدقائهم ممن ينصتون إليها في أجواء مفعمة بالخشوع والتأمل. ألحانها موسومة بالجلال، تؤديها العيدان في بطء وتثاقل، والنايات في سلاسة ورشاقة.

لا مكان للرمز ولا للولع في هذه الموسيقى، فهي تتطور مثل غيوم العطر في جو هادئ، عطر رقيق ولطيف، يخترق سامعه ببطء، وبثبات. إنها محملة بسائر أنواع التعبير الموسيقي، غاية في الرقة، شديدة الحميمية. وهي إلى ذلك ذكية، بل على درجة كبرى من رهافة الذكاء، تحدوني إلى مقابلتها - إذا صح القول - بموسيقى المؤلف الكبير: ديبوسي. وفي هذا الصدد، فقد سألت ذات يوم مثقفا صينيا أقام بأوروبا مدة طويلة - وكان كثير التردد على المسارح وقاعات العروض - عن العمل الذي كان يستأثر باهتمامه، فأجاب: إنه "أوبرا بِّلِيَاس" Pelléas.

ومن أجل إدراك وفهم هذه العلاقة الحميمية القائمة بين نوعين من الموسيقى على ما بينهما من بعد الشقة، نقدم فقرة من مقطوعة موسيقية لآلة العود المأثورة عند المثقفين، وهي مقطوعة تريد التعبير عن مشاعر فتاة ريفية تستمتع بجمال الطبيعة أثناء غسل الملابس في ماء النهر، في عز فصل الربيع، وقد أزهرت الأشجار، وانطلقت العصافير محلقة تشق الفضاء.

  

لقد أصبح من النادر في الوقت الحاضر سماع العزف على آلة العود في سائر أنحاء الصين، حتى قيل إن عدد عازفيها لم يعد يتجاوز الثلاثة أو الأربعة. وقد يكون هذا صحيحا، فهي في الواقع تترفع عن العامة من الناس، وتختص بالحكيم الذي أصبح قلبه من الصفاء بمثابة المرآة الصقيلة، وغدا قادرا على أن يعكس رقة الصوت في أسمى درجات الصفاء، علما أنه لا سبيل إلى الحصول على الصفاء المنشود إلا بامتلاك قلب نقي لا يتحدث إلا في صمت، ولا يكشف عن مشاعره إلا في أجواء التأمل في المجالس اليقظة.

ولقد بدأت الموسيقى الصينية الحميمية في التدهور بعد أن فتحت الصالونات أبوابها أمام الموسيقيين، وغدت تُعزَف فيها ألحانٌ أقل نقاء، إلى جانب أغاني شعبية من قبيل أغنيتي "شينغ" و "وِييْ"؛ ومهما تكن القيمة الفنية لهذه الأغاني، فإن المثقفين يدينون افتقارها إلى الأوتودوكسية، وينددون بها باعتبار أنها تضر بالروح الصينية. 

_________________________

(*) Eleuthère Lovreglio: Revue Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n° 42 Septembre 1957 pp 10 – 12.

 

هل كان فشل "كارمن" علة وفاة بيزيه؟ ) بتصرف(

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

في مساء اليوم الثالث من شهر مارس 1875 كان الباريسيون على موعد مع أوبرا "كارمن" للمؤلف الموسيقي الفرنسي جورج بيزيه (1838-1875).

يومها كان الباريسيون أيضا يعيشون في أجواء التحولات السياسية والاجتماعية التي تمخضت عن انتفاضة "كومونة" منذ 1871 - من جهة - وأفضت - من جهة أخرى- إلى ميلاد الجمهورية الثالثة وانطفاء جذوة الخلافات الملكية.

ويومها أيضا كان منتظرا من بيزيه أن يتحلى بشيء من الوقار الذي يتطلبه العهد الجديد؛ ويعني ذلك أن يبدي شيئا من المرونة أمام تدخلات بعض زملائه للتخفيف من غلواء المشاهد التي تخالف أعراف الأوبرا الفرنسيةويُخشى أن تكسر قيودها بما لم تألفه من قبل، هذه المشاهد التي يستبعد معها حدوث ابتهاج الجمهور المنشود بسبب كتابات مسرحية "كارمن" التي تطفح بالعاطفة الجياشة والحيوية المفرطة، وما فيها من برجوازية متكلفة، وكذا النقل المكشوف لصور الحياة العمالية ومعاناة الطبقات الدنيا في المجتمع.

هكذا إذاً ذهبت سدى محاولات المؤلفين الموسيقيين ميلهاك Meilhac وهاليفَي Halévy إقناع صديقهما بيزيه بالتخفيف من حدة الوطأة التي أودعها الكاتب الفرنسي "ميريمي" شخصية "كارمن"، فجاءت متسمة بالعنف العاطفي، والتوتر الدرامي مشحونة بالسخرية في أقصى صورها.

وأمام دهشة الجميع، رفض بيزيه إدخال أي تعديل على عمله، وهو الذي طالما أبان عن المرونة والاستجابة لما يرضي جمهوره؛ بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك فقال: إذا كانت "كارمن" البوهيمية لا ترضي رجال المال الذين فتحوا مكتب تذاكر العرض في شارع فافَارت ، فليتحملوا سوء العقبى، وما عليهم سوى أن يغيروا مسرح دار الأوبرا بغيره، وأن يخططوا لعروض زواج الشباب في مسارح الفَودفَيل.

بكل تأكيد، كان هناك شيء قد تغير في بيزيه. فماذا كان رأي إدارة دار الأوبرا في هذا الأمر الذي ينبئ بصاعقة وشيكة الوقوع في الكواليس؟ الواقع أن المدير السيد  دولوكل De Locle لم يكن مستقرا على قرار محدد، وحتى لو فعل فمن شبهالمؤكد أنه سيثير استياء زبنائه من المنخرطين: فإن هو اقترح رأيا جديدا أثار غضب القدماء من هؤلاء، وهز حجابُ الأوركسترا أكتافَهم تجاهلا، وقطّب المنشدون عبوسا، وأمسك الملقنون عن التلقين؛ وإن هو مال به الرأي إلى تقديم أعمال فنية بديلة سبق عرضها صاح الرواد القدماء: يا إلهي، لكم هرم هذا النوع من الأوبرا كوميك!

هكذا إذن، لم يكن لمدير المسرح أي أمل، بل لقد كان يرى أن هذا العمل الذي أنجزه بيزيه كسر طبلة أذنه، مثلما يرى أن موسيقاه مبهمة لا يكاد يعي منها شيئا. 

وهكذا أيضا، كان كل شيء جاهزا لفشل محقق، انطلاقا من الجمهور، إلى المدير والفنانين.

وبالفعل، فمنذ حلقات التدريب الأولى ظهر تمرد المنشدات بسبب إكراههن على تدخين السجائر الرديئة، لا سيما وأن أشد أعداء المغنين هو الدخان؛ وأما في قاعة العرض فقد فوجئ الجمهور، وساده نوع من الارتباك بسبب وحشية المشاعر الموصوفة، وبلغ الأمر في النهاية حد إثارة الحنق على "كارمن"، هذه الفتاة الغجرية المتعجرفة والمزهوة بجمالها، والتي سيؤدي بها إغواء الرجال إلى الموت المأساوي.  

لقد كان تفاعل الجمهور مع العرض دون المستوى المرجو، وذلك باستثناء المقدمة الموسيقية للفصل الثاني التي استعادها أكثر من مرة، وكذا اللحن الشهير لـ"مصارع الثيران"والخماسي الغنائي اللذين صُفق لهما بحرارة.

ولسوء حظ العرض فقد أخطأ ضارب الطبول في حساب المازورات، فأوقع نقرتين عنيفتين على الطبلة الكبيرة في عز حركة "البيانيسّيمو" من غناء "آريا ميكاييللا" ، الأمر الذي زاد في تعكير أجواء العرض، وإنهائه في شيء من استخفاف الجمهور، هذا الجمهور الذي  غاب عنه أنه كان أمام عمل موسيقي عظيم ومؤهل ليحتل في المستقبل مكانة مرموقة ضمن حوليات المسرح الغنائي.

أسدل الستار بعد نهاية الفصل الرابع من المسرحية، وغادر الجمهور القاعة، ووجد بيزيه نفسه في رفقة  صديقيه ميلهاك وهاليفَي، يسيرون في صمت كل إلى بيته.  كانت ملامح الانهيار العصبي بادية  عليه، وهو الذي بذل قصارى جهده في مسرحية استقبلها الجمهور ببرودة كارثية بحجة أنها عمل مبتذل ومخل بالأخلاق.

وما أن أشرقت شمس اليوم الموالي حتى كانت الصحف تحمل أخبار حفل يوم 3 مارس 1875.  كان صاحبنا يعرف جيدا هؤلاء السادة "الصحافيين"، ويعرف أيضا أنه لا أمل في أن يجد في مقالاتهم ما يخفف من حزنه؛ أما السيدة كَالّي- ماريي Mme Galli-Marié، بطلة دور "كارمن" فقد كان حظها من الصحافة التنويه برشاقتها، وجرأتها المغرية، وانعراجات صوتها. 
وقد كان الصحافيون الأكثرُ تسامحا يرون أن عمل بيزيه كانت تشوبه الإطالة والإطناب وضبابية الألحان، فيما كان الكورال مضطرباً.
وسيتاح لنا من خلال الآتي أن نشكل فكرة واضحة عما كتبه النقاد بخصوص بيزيه: 
يقول هنري لافَوا Henri Lavoix في نشرة الإلوستراسيون L'Illustration: لكم تحتاج هذه المؤلفة إلى النظام والتخطيط والوضوح. أما بول دو سان فَيكتور Paul de Saint-Victore فهو يعلن عبر صحيفة لو مونيتور    Le Moniteurفي لهجة انتقامية حانقة: "إن السيد بيزيه ينتمي إلى هذه الطائفة الجديدة التي يقوم مذهبها على تقويض الفكرة الموسيقية بدلا من شد وثاقها. وبالرغم من كونه اتخذ من "فاغنر" مصدر استلهامه، فقد جاءت زخارفه الموسيقية عتيقة الطراز، فيما ألحانه عفّى عليها الدهر، والغناء تحول إلى صدى شاحب تحت هيمنة الأوركسترا. 
ثم إن بيزيه في رأي بعض النقاد جاهل لصناعته، فيما هو عند آخرين عالم بها فوق الحد. يقول الملحن الفرنسي أوسكار كوميتان Oscar Comettant في صحيفةلو سييكل  Le Siècle: لم يعد السيد بيزيه في حاجة إلى شيء يتعلمه مما يجري تدريسه، غير أن عليه  - لسوء الحظ - أن يخمن أشياء كثيرة لا يجري تدريسها؛ ومن أجل أن يصبح مؤلفا موسيقيا مسرحيا فعليه أن ينسى الكثير مما تعلمه.
وتبقى المقالة التي نشرها أدولف جوليان Adolphe Jullien بحق الأشد قساوة وإحباطا لصديقنا بيزيه، حيث يقول: من المهم في الواقع بالنسبة لـ"كارمن" أن نشير هنا مرة أخرى إلى أن بيزيه انساق مع ركوب المنحدر الطبيعي الملائم لعبقريته، وأنه - للمرة الثانية في حياته - بعد "لارليزيينL'Arlésienne  أهمل، عن طواعية، إرضاء الجمهور، وتعمد التخلي عن التنازلات التي كان معتادا عليها حتى الآن، ومن ثم، فلا عجب أن تكون  "كارمن" العمل المعبر بأمانة وصدق عن بيزيه بنسبة مائة في المائة. 
ويختم أدولف جوليان انتقاداته قائلا: لقد توهم الموسيقي بيزيه بمنتهى السذاجة أن كتابة مقاطع ماجنة وأغاني سهلة التذكر كانت كافية له للفوز بمدائح أصر غالبية النقاد على حرمانه منها.
والحق أن أوبرا "كارمن" شكلت بعد "الآرليزيين" نموذجا سليما لتحرر بيزيه؛ إنها تحليق حر في جو خاص بها؛ فيها تخلى الملحن أخيرا عن الإرضاءات، وأصبح لديه من الجرأة ما يفي بالتعبير عن نفسه وفق ما يمليه قلبه ومزاجه الخاص، وينسجم مع المغزى العاطفي لوجوده. ومع ذلك يأبى واحد من أشرس النقاد إلا أن يتصدى له بشدة ليلومه على جرأته التي اعتبرها نكوصا وتراجعا إلى الوراء، هذه الجرأة التي - حسب  جوليان أودولف نفسه - سبق لبيزيه أن أظهرها في "صيادو اللؤلؤ" و"فتاة بيرث الجميلة" و"جميلة". 
في خضم هذه الحماقات المؤسفة تطفو إشارة مواساة، إنها مقالة الإطراء التي أنشأها الكاتب والمؤلف الموسيقي إرنيست ريير  Ernest Reyer أشاد فيها بأوبرا "كارمن"، وأبدى ثقته في مؤلفها قائلا: "كارمن" لم تمت.
وإذا كان ريير محقا فيما قال، فكم كانت كثيرةً الصفعاتُ التي تلقاها بيزيه، والإهانات التي تحملها، والمظالم والشتائم التي تعرض لها! سيقول قائل: إنها سنة الحياة، ولا سيما حياة المؤلفين الموسيقيين، طبعا، غير أنها كانت بالنسبة لبيزيه تعني الموت الوشيك.
هل كان موت بيزيت نتيجة فشل "كارمن"؟
في اليوم الثالث من شهر يونيو 1875 لفظ بيزيه نفسه الأخير عن سن السابعة والثلاثين. كان ذلك بعد انصرام ثلاثة أشهر بكامل أيامها. يومها زعم البعض أن فشل "كارمن" هو الذي أودى بحياته، ثم شاع بعد أيام أن هذا الفشل لا علاقة له بموت المؤلف، ليتبين أن معرفة الحقيقة ليست بالأمر الهين. 
وقبل كل شيء، يجب الاعتراف بصدق بأن "كارمن" لم تكن قطعا "خيبة" بالمعنى المسرحي للكلمة، فقد ظلت لافتات إشهارها منشورة لفترة من الزمن حتى بعد وفاته؛ وفي حوار أجري في وقت متأخر مع السيدة "كَالّي - ماريي" مبدعة دور البوهيمية صرحت أن الجمهور كان يبدو باستمرار وديا، ولو أنه انزعج من نهاية العمل المأساوية، مضيفة قولها: كنا نعلم أننا لم نمثل أبدا في قاعة فارغة، وأن إيرادات العروض إن لم تكن ممتازة فقد كانت على الأقل مشرفة.
وأعظم من شهادة السيدة كَالّي أن أوبرا "كارمن" استمر عرضها بباريس سبعا وثلاثين مرة خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من حياته، أي بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع، وأن عددا من كبار المؤلفين الموسيقيين واظبوا على مشاهدتها أكثر من عشرين مرة، وفي مقدمتهم ديبوسي، وسان سانس، وتشايكوفَسكي، وبراهمز، واعتبروها أجود أوبرا ألفت منذ الحرب الفرنسية الروسية.
وبعيدا عن تهويل اللحظات الأخيرة من حياة بيزيه، لا نرى بدا من القول بأنه كان للفشل دور في التأثير على الحالة النفسية والصحية لهذا الرجل ذي القامة القصيرة، مثلما أننا لا نقصد أنه كان سيعمر طويلا لو لم ينتقد أدولف جوليان أوبرا "كارمن".  ومع ذلك نعتقد أنه لا مجال للشك في أن النصيب الأكبر من المسؤولية يتحملها النقد الجارح الذي واجه بيزيه وهو تحت عامل الإرهاق من ساعات العمل الطويلة التي كان يقضيها في مكتبه، مثلما  يتحملها الجمهور. وهنا تكمن مآسي الفن، فقد مات موزارت ضحية البؤس والحرمان، مثلما مات بيزيه ضحية التجاهل والألم. 
ومن الأكيد أن صاحبنا استقبل بشجاعة راسخة في أكثر من مرة إخفاق أعمال كان يستجدي فيها الاستحسان، ويبحث عن النجاحات السهلة، كما كان يغالط نفسه ويخادع العبقرية التي تسكنه؛ ولكنه ربما كان من حقه - في هذه المرة - أن يسمح له بجني ثمرة قواه الحية، لا سيما وقد أبدى كامل الإخلاص بخصوص الموسيقى، كما كان صادقا مع نفسه. 
لقد لفظ بيزيه نفسه الأخير والسيدة "كَالّي ماريي" تبسط أوراقها في مشهد المهربين وهي تردد: "الموت...الموت...أبدا الموت". كان ذلك بالضبط في اليوم الثالث من حزيران/يونيو    1875.
نعم، مات بيزيه، وفاته أن يرى كيف تحقق تنبؤ تشايكوفَسكي الذي كان شديد الثقة بأن "أوبرا كارمن" ستصبح الأكثر شعبية في العالم!

 

كيف يشتغل المؤلف الموسيقي* (بتصرف)

. قرات لك

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل
 
الفارق كبير بين عمل موسيقي صادر عن "إلهام داخلي"، وآخر مصدره "إلهام خارجي".  من أجل بيان هذا الفارق أذكر أنني استمعت ذات يوم للثنائي الفرنسي الشهير في العزف على الغيتار: إيدا بريستي، وألكساندر لاكَويا، فقر في عزمي أن أؤلف لهذه الآلة مقطوعة في قالب "السيريناد".  فعلت ذلك، وأنا أعترف بجهلي التام لتقنياتها، كما أعترف بأن الموسيقى التي كتبتها لم تكن للغيتار بقدر ما كانت موسيقاي أنا وضعتها لها.  وحينما استمع لها العازفان المذكوران، فاجأتني "إيدا" بقولها: هذا عمل قابل لأن يعزف تَوّاً، فيما أردف رفيقها سائلا: هل أنت عازف غيتار؟ . إن هذا بالضبط هو مفهوم الصناعة الحِرَفية التي تحركها الضرورة التقنية، وذلك ما أسميته "الإلهام الخارجي".
أما بالنسبة للأعمال التي مصدرها "الإلهام الداخلي" فالأمر أكثر تعقيدا، فضلا عن أنه يتخذ طريقة غريبة إلى حد ما: بشكل مفاجئ تشع في أعماقي ومضة يصحبها في الغالب قبس نور داخلي، لا أدري مداه الزمني، فقد يكون عُشُرَ ثانية، وقد يكون أقل؛ ومهما يكن، فإني في هذه اللحظة "أصمم" العمل  ـ في مجمله ـ  وفق الصورة التي أرتضيها له.  وعندما أقول "في مجمله" فأنا أعني مجموع "النسب والمكونات" التي هي في التأليف الموسيقي على درجة قصوى من الأهمية.  ولا مجال هنا لمقارنة ما يصنعه المهندس المعماري بما يصنعه الموسيقي، ذلك لأن هذه "النسب" فيما يخصنا نحن الموسيقيين حتمية لا غنى عنها؛ ومن هنا ندرك سر تَفَرُّد الموسيقي من بين سائر الفنانين المبدعين باسم "المؤلف". وهو في الواقع أهل لهذه التسمية، باعتبار أن الموسيقى هي الفن الذي يستلزم القدر الأكبر من الدقة، سواء في ضبط العلاقة بين الأصوات، والذبذبات، وفي الطابع الصوتي، والأفكار، أو في ضبط علاقات النسب الزمانية البالغة الصرامة.
لقد كان جهد اهتمام المؤلفين في الفترة الكلاسيكية منحصرا في البحث عن "النسب" في حدودها الزمنية، ثم لما حلت الفترة الكلاسيكية أصبح كل شيء عند أصحابها "خارج النسب". أما أنا ففي اعتقادي أن كل عمل قمين بأن يحمل صفة "الجيد" يقتضي أن يؤسس في آن واحد على احترام النسب الزمانية، وعلى سائر وسائل التعبير الكامنة في تنوع درجات الشدة والنعومة، لما بينها جميعا من تبادل على مستوى التأثير.
وإذا كان صحيحا القول بأن لـ "لإلهام" قيمته التي لا تجادل، فإن من الصعب معرفة اللحظة التي تنبجس فيها شرارته: هل هي تلك التي تسبق الركون إلى النوم، أم التي ترافق لحظات الاستماع للموسيقى في حفل ما، أوفي حالة ركوب الميترو؟...
إنما مثل الإلهام كمثل بيضة آواها وَكْر، فهي تتطور تلقائيا ودونما حاجة إلى يَدٍ ترعاها؛ ثم ها هي ذات يوم "تُفَرِّخ" من تلقاء نفسها، فإذا بلغَتْ هذه المرحلة، وجدتُني أُقْدِمُ على الشروع في رسم التصميم العام للعمل الذي أريد إنجازه، فأفتح له ملفا خاصا، أقيد فيه الملاحظات والبيانات المتعلقة بالقيم الزمانية، وأضبط التدوين الجدولي للآلات الموسيقية، وأضع لهذا العمل عنوانا قابلا للتغيير في كل أن، ثم لا أفتأ - بعد ذلك - أحذف، وأضيف، وأشطب... وتمضي الأيام، فأعاود النظر بعدها في الملف، فلا يسلم من المفاجآت.
وبقدر ما يسجل تقدم العمل الموسيقي نحو الاكتمال والوضوح، يلاحظ أنه يتحول إلى مصدر إزعاج لا ينفك يؤرق المؤلف؛ ذلك لأنه يستوجب ضبط النفس بأكثر ما يمكن من الصرامة، أو بعبارة أخرى أن يُنَصِّب الموسيقي نفسَه "مؤلفا"، وفي ذات الآن "ناقدا" يقيِّم العمل الذي هو بصدد إنجازه. وهذا ما يشكل - أكبر صعوبة يواجهها.
بعد مرحلتي "الإلهام" و "الإعداد" تأتي مرحلة "الصناعة"، وهي التي عرَّفها المؤلف الموسيقي فَردي بقوله: إنها 99%  من العَرَق، وكثير من الألم من أجل أن يكون لكل علامة موسيقية، وكل إيقاع، وكل بُعد، مُبَرِّر سواء على المستوى التعبيري أو التقني.
ها هنا أكون في حاجة ماسة إلى الهدوء الكامل، وهو ما لا أجده إلا نادرا؛ على أني أكون في حذر شديد من نفسي عندما أستشعر بوادر الراحة، أو عندما ألاحظ أن العمل يجري في يُسْر، فأتوقف عنه تَوّا مخافة أن أسقط في شرَك السهولة. 
فإذا أيقنت من اكتمال العمل، عزفته ببطء شديد على البيانو كي أُسْمعه بنفسي وأطمئن إلى سلامته، إذ ليس لأحد أن يدعي امتلاك الموهبة إذا لم تكن لديه الشجاعة لإعادة النظر مجددا فيما ينجزه.
إن أعظم ما يفيد المؤلف الموسيقي هو أن يستمع لمؤلفاته من حين لآخر كي يختبرها.  أما أنا فأفضل أن أقوم بهذا الاختبار بحضور مستمعين، وحينها أجتهد في أن أنفذ إلى أغوار نفوسهم بغية أن ألمس مدى تجاوبهم مع أعمالي وهم ينصتون إليها لأول مرة، ثم من أجل أن أتبيَّن عناصر التأليف الأكثر تعبيرا عن منهجي في الكتابة، وأكشف عن الخصائص الأشد تمييزا لهذه الأعمال.
إن الموسيقي لا يؤلف -  في الواقع - إلا عملا واحدا يظل ينتشر عبر الزمن وهو يحمل أكثر من عنوان واحد، وإن أفضل أعمالي وأَحَّبها إلى نفسي لهو ما سأكتبه مستقبلا.            
____________________________
 

*         André Jolivet - propos recueillis par Henri Gaubert. Revue Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n° 35 fevrier 1957 pp 6-7  

 

آل شتراوس رفقاء الفَالس(*) بتصرف

. قرات لك

عبد العزيز ابن عبد الجليل

خلال القرن التاسع عشر، عاشت عائلة ظلت وفية لنفس الأسلوب ولنفس الموسيقى، وتوارثت، على ما يبدو،ـ أسرار صناعتها.  إنها أسرة آل شتراوس.  كانت الفالس موطنهم، ألفوا منها المئات؛ فكم من قلب بها أرَّقوه، وكم من حب أشعلوا لَظاه، وكم من خطيب يَسَّروا له سبل الوصال، ثم لكم حفزوا ذوي الجرأة على الرقص المُوَقّع. وطوال السنوات الممتدة من  1810، وحتى 1900 كان آل شتراوس بحق ملوكالفالس، وما كان اختفاؤهم أبدا ليحجب خط النور الذي رسموه.

لقد دأب مؤرخو الموسيقى، الذين هم المسؤولون عن إبراز الحقيقة في صورتها الأكثر صرامة، على التغاضي عن ذكر أسماء آل شترواس؛ وحتى أولئك الذين ذكروهم فقد فعلوا ذلك بنوع من التسامح الخجول، كما لو كانوا يخشون من أن يسلبوا بعض المؤلفين الكبار جزءا من شهرتهم.  إنه وهم لا أساس له من الصحة، ذلك أن مقام آل شتراوس لم يمنع أبدا نبغاء الموسيقيين من إنجاز روائعهم، بل إن بعض هؤلاء كانوا يجدون في أنفسهم غضاضة من المجد الذي أدركه أولائك النمساويون.

كان فَاغنر شديد الإعجاب بيوهان شتراوس؛ وقد قال يوما: "إن مقطوعة واحدة من مقطوعات الفالس التي ألفها شتراوس تحوي من الموسيقى أكثر مما تحويه الأوبرات التي تؤلف اليوم". ولم يكن برامز أقل إعجابا، فقد قال ليلة تقديم أوبراه "سيد الغابة"     Der Wald-meister: "إننا لم نعد نكتب ـ بعد موزارت ـ عملا في مثل ما عليه موسيقى يوهان شتراوس من العذوبة والكمال والصفاء". ولا غرو، فلطالما عبر يوهان نفسه عن اعتزازه برائعته "الدانوب الأزرق".

لقد سبق أسلاف آخرون آل شتراوس إلى منح فن الفالس أسلوبا خاصا، وكان موزارت وبيتهوفن قد تمرسا في هذا النمط الدوار، ولم يستنكفا من أن يكتبا في إيقاعه أعمالا  للمجموعات الموسيقية الصغيرة التي تشتغل في مطاعم فَيينا.

ولسوف يواصل آل شتراوس الأربعة الولاء لهذه الديكتاتورية الساحرة، غير أن الأولين منهما ـ وإلى جانبهما "جوزيف لانير" (ت 1843) ـ سيجلبون للفالس الكسب الأوفر والثناء الأكبر.

جوزيف - يوهان شتراوس

كان جوزيف - يوهان شتراوس في مقدمة الفريق. ولد عام 1804 من أب يشتغل نادلا في حانة يسقي روادها كؤوس النبيذ على نغمات الموسيقى. وكان وهو صبي في الخامسة من عمره يعزف على الكمان أمام رواد الحانة، فيثير فيهم العجب بما أوتي من مهارة في العزف. هل سيكون موسيقيا؟ من المؤكد أن والده لم يكن يهمه من هذا الأمر شيء، مثلما أنه لم يكن يهمه أن يزيد ابنه من إقبال الزبناء على الحانة التي كان في وسعها أن تحميه من الجوع والعطش بما يهبه روادها.

ولم يكن الفتى يعبأ بتعنيفات والده؛ فلما كان ذات صباح غادر الحانة وفي رفقته كمانه، وراح ينتقل من حانة إلى أخرى يعزف لزوارها من محفوظاته من أجل أن يؤمن قوت يومه.

ولم يكن الفتى في حاجة إلى استجداء المستمعين، فقد كانت النقود الألمانية تتهاطل على الطبق الذي يبسطه بين أيديهم، سيما وقد كانوا يتأثرون بما جبل عليه من ظرف وجرأة وحيوية.

كانت هذه المهنة تؤتي ثمارها بشكل شبه مريح، بيد أن جوزيف يوهان لم يقتنع بها، فبين جوانحه تختلج طموحات أكبر. وما هي إلا أيام حتى أقدم مع بعض أصدقائه على تشكيل أوركسترا، حدد أسلوبها، وألهبها بنار حماسه؛ ثم ما هي إلا فترة قصيرة حتى كتب لها النجاح، وغدت فَيينا لا تكل من الإصغاء إليها باهتمام يتضاعف يوما بعد يوم.  لقد حل وقت المجد، ولن يفارقه أبدا.

ويشاء القدر أن يلتقي الفتى في طريقه بملحن الفالس الرائع، والذي تهتز لموسيقاه مشاعر الناس؛ إنه جوزيف لانّير (Joseph Lanner) الذي يكبره بعامين. حرك هذا اللقاء في نفسه الإحساس بالرغبة في الكتابة تزداد اتقادا، فأقدم على تأليف معزوفات من الفالس صفقت لسماعها أوروبا بأسرها، فاستقبلته باريس عام 1842، واحتفلت به سائر مسارح فَيينا، وقلد بعد حين قيادة رقصات الباليه في البلاط الملكي. وهكذا، تحول هذا الذي كان بالأمس القريب مراهقا سوقيا يسلي زبناء حانة والده  إلى رمز للأرستقراطية الدولية ونُخب الشعب النمساوي.

كان لجوزيف ثلاثة أبناء؛ ولعله سيظل يذكر ذلك الأبوي العتيق الذي رسخ في الاعتقاد السائد أن الموسيقى، إنما هي ـ في حياة الشرفاء من الناس ـ طريق مسدود تتراكم عبره خيبات الأمل؛ ذلك أن سائر أبنائه الثلاثة يملأ نفوسهم حب الموسيقى والتوق إلى التفرغ لها.  أما جوزيف الابن الثاني الذي يحمل نفس اسم والده،  فقد كان يتوفر على ملكة  تفوق بكثير ملكة والده، وأما إدوارد الابن الثالث فهو الذي سيخلف شقيقه يوهان في قيادة الأوركسترا بعد وفاته.

وفي سنة 1849 توفي شتراوس الأب، بعد أن تراجع ذكره أمام صعود نجم ابنه يوهان.

يوهان شتراوس

ولد سنة 1825، وألف قرابة خمسمائة فالس، إلى جانب أوبريتات شيقة ألفها باقتراح من صديقه "أوفينباخ".  تهافتت مسارح أوروبا وأمريكا على موسيقاه. كانت ملكته الموسيقية فياضة، فهو يشتغل في كل مكان، فحيثما وافاه لحن دونه، سواء في المطبخ أو في المكتب، فقد كان له في كليهما بيانو، وحيثما واتته فكرة أو عنت له خاطرة اقتنصها وسجلها على الورق آنا وعلى المناديل آنا.

عرف كأبيه بدايات شاقة، وفيما كان والده يسعى إلى حمايته من تقلبات امتهان الموسيقى، وجد في أمه من شجعه بالبداهة على بدء التعلم، فالتحق بكاتدرائية درايشلير Drescler  لدراسة الهارموني، والكونتروبوان؛ وحدث ذات يوم أن أطلع أستاذه على فالس وضعها، ففاجأه بعبارات صاعقة شديدة الفظاظة قائلا: يا لها من قذارة، لقد كانت دروسي في الكونتربوان غير مجدية.

يومها، حوله الوالد إلى العمل بإحدى مصالح صندوق التوفير، فلم يطق الفتى ذلك، وقرر أن يهجر البيت العائلي،  تماما كما فعل والده من قبل مع جده.

في عام 1844 تقدم أمام الجمهور لأول مرة على رأس أوركسترا صغير، فاستعاد الجمهورُ لخمس مرات متتالية عزف إحدى معزوفات الفالس لما كانت عليه ألحانها من عذوبة ساحرة؛ إنها ضربة حظ بلغ بعدها الشهرة الواسعة، وغدت شعبيته مضرب الأمثال، وهو يومئذ في الثامنة عشر من عمره. وما نحسب إلا أنه استفاد من الحظوة التي اكتسبها والده عن جدارة بين الجمهور.

كانت رقصاته تنطق حيوية لا سبيل إلى مقاومتها. وكان اندفاعه يستفز نزعته السياسية، فلما كانت ثورة 1848 التي اضطرت متِّرنيخ Metternich إلى الاستقالة، وحملت إلى موقع السلطة الأمبراطور فرانسوا - جوزيف، هرع شتراوس ـ بدافع من تلك النزعة الثورية ـ إلى عزف "المارسييز" باعتبارها نشيدا تحريضيا. وهو إن لم يلجأ إلى الفرار كما فعل من قبله فَاغنر، فقد نبذته السلطة وأسرَّت له الضغينة رَدَحا  من الزمن قبل أن تسند إليه قيادة رقصات الباليه في البلاط الملكي خلفا لوالده.

ما انفكت شهرة يوهان تزداد اتساعا، حتى أصبحت أغانيه مما يترنم بها الحوذي وهو يحث الخيل على السرعة.  إنها شهرة تجاوزت مدار فيينا، وغدت معها حواضر أوروبا الكبرى تتنافس في استقدام شتراوس وجوقه، وتتباهى باحتضانهما. وشَّحه نابليون الثالث، وقدم في أمريكا وحدها عشرين عرضا، جمع أحدها عشرين ألف مشارك بحضور مائة ألف من المستمعين.

لقد ظل يوهان أثيرا بين مواطنيه في فَيينا، ولا أدل على ذلك من الاحتفال الفخم الذي أقيم بدار الأوبرا الملكية عام 1894 بنماسبة مرور خمسين عاما على بدايته الفنية. وفي الخامس والعشرين من أكتوبر 1899 وافته المنية، فبكته فيينا بدموع الأسى، وهي التي تغنى فيها بألحان الابتهاج وعذوبة الحياة.

________

 

*Paul Le Flem، Revue Musica، Pub mensuelle، imp Chaix St، Paris، janvier 1957، pp 2 – 5.

افتتاحيات موزارت (بتصرف)

. قرات لك

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل

من المعلوم السائد أن جل المؤلفات ذات الطابع الغنائي يمهد لها بمقدمة يطلق عليها "افتتاحية"، الغاية منها وضع المستمع في أجواء الموسيقى دون عناء، وإعداده للتجاوب مع  المؤلف واستيعاب فكرته.وقد عرفت بعض الافتتاحيات شهرة واسعة من قبيل "خرساء بُّورتيسي" (La muette de portici) لـ دانييل أوبير Daniel Auber، و "نصابو نورنبيرغ" (The Mastersingers of Nuremberg) لـ ريتشارد فاغنر، و"ميراي" (Mireille) لـ شارل غونوCharles Gounod ، يعلن مؤلفوها من خلالها عن طبيعة السيناريو الذي اختاروه، ومن ثم نعتت هذه المعزوفات السمفونية بـ "وعاء الأنغام". 

أما افتتاحيات موزارت فيتعين أن نلاحظ ، قبل كل شيء، أنها لا تنبني على هذا النسق  في كتابتها، فقد منحها، وقبله بقليل المؤلف الموسيقي إبن مقاطعة بافاريا الألمانية كريستوف غلوك  Christoph Gluck، مفهومها شبه النهائي، ليس من حيث "القالب"، فقد سبق إلى ابتكاره المؤلف الموسيقي الإيطالي دومينيكو سكارلاتي Domenico Scarlatti، وإنما من وجهة نظر نفسية؛ وخير شاهد على ذلك افتتاحية  أوبرا "دون جيوفاني" (Don Giovanni).

لقد استطاع موزارت بالرغم من قصر سنه أن يكتب إحدى وعشرين افتتاحية، على أنه لا مجال إلى القول بأنه كان موفقا في كتابتها بأكملها، فقد كانت تلك التي وضعها وهو ما يزال في فترة اكتساب الخبرة بمثابة "المقبلات المشهية للطعام"، ومن ثمَّ جاءت أقرب إلى قالب السوناتة(sonata form).

أما الافتتاحيات التي وضعها في شبابه فهي بحق موسيقى قحة، غير أننا سنكون في حاجة إلى امتلاك طاقة كبرى من الخيال لنعثر فيها على أشياء لم تتضح صورتها لدى المؤلف نفسه، أو كما يقول المثل اللاتيني: "وفق مزاج المهندس" Fit fabricando faber))؛ وليس من المنطقي أن يشذ موزارت في تطوره عن المألوف، فالعباقرة ليسوا إلا بشرا، ومهما تكن درجة ذكائهم فإنها تخضع لسنن التطور العادية.

في ضوء هذا سيكون في وسعنا دونما تردد أن نرتب افتتاحيات موزارت في ثلاث محطات واضحة:

     1 ـ محطة التلمس أو اكتساب الخبرة.

     2 ـ محطة الافتتاحيات الموضوعية أو الذاتية.

     3 ـ محطة الافتتاحيات المعبرة.

محطة التلمس:

في سنة 1767 ألف موزارت كوميديا "آبولو وياسينتوس" (Apollo et Hyacinthus)، وهي أول عمل غنائي أنجزه، ومنذئذ أثبت توفره على مؤهلات خارقة في التأليف.  وفي الفترة ما بين 1767 و 1774 سيكتب عدة محاولات درامية كانت وما انفكت تشهد على طور "المرحلة الواعدة"، وشكلت في نفس الوقت إيذانا واضحا بما سينجزه  بعد سنوات قليلة من روائع من قبيل "دون جيوفَاني".

صحيح أن موزارت ألف "آبولو وياسينتوس" وعمره لا يتجاوز السنة الحادية عشرة، وألف أوبريت بوف(كوميدية)"باستيان وباستيين" (Bastien und Bastienne) وعمره 12 سنة، وكتب "حلم سيبيون" (Scipio's Dream) وعمره 16 سنة، ومع ذلك فإن مقدمتي المعزوفتين الأوليين أقرب في بنائهما لقالب "ألّيغرو سوناتين" (Allegro de sonatine)، وإن تكن ثانيتهما خاصة تشهد على نكهة تجمع بين السذاجة والعذوبة. وعلى كل حال فقد كانت ملامح التطور بينة في افتتاحيات موزارت لهذه الفترة، وإن لم تكن ثمارها قد نضجت بعد.

 

المحطة الانتقالية:

لم يعد موزارت في هذه المرحلة طفلا، فقد كبر واختمرت تجربته وأصبح عمله أكثر اكتمالا وتحررا. وقد جاءت افتتاحياته  لتكشف بجلاء عن الخطوات العملاقة التي خطاها، وهي، وإن لم تبلغ بعد مرحلة النضج الكامل، فإنها تكشف عن موسيقي واع بفنه محب له ملم بأسراره، يملك من  المعرفة نصيبا وافرا.

لنترك جانبا بعض أعماله المتواضعة مثل "ثاموس، ملك مصر" (Thamosm King of Egypt) و"زايد"

 (Zaide) اللذين لم يكتب لهما افتتاحية، ولنوجه النظر إلى أعمال موزارت التي تعكس روح المؤلف من قبيل "الوصية الزائفة"  (La Finta Gardiniera)، و "إيدوميني ملك كريت" (Idomenée, re di Creta)، و"عفو تيتوس" (La clémence de Titus)؛ هذه الافتتاحيات التي نسميها "ذاتية" ـ على الرغم مما قد يبدو في هذه  التسمية من ادعاء، لم تعد سوناتات حقيقية بالنظر إلى انتهاء فترة الشباب، مثلما أنها لم تبلغ بعد درجة تؤهلها لتشكيل مقدمات درامية طريفة حيث تبدأ الحركة في النماء؛ على أن هذه المعزوفات السمفونية تمهد بشكل طبيعي وشبه عقلاني للتصميم الأدبي.

عندما ألف موزارت رائعته الغنائية الأولى "الوصية الزائفة"، التي هتف لها جمهور ميونيخ في 1775، كان على يقين بضرورة التفكير في محتوى الأوبرا وتطورها العام، بيد أن افتتاحيتها لم تكن سوى حركة من سوناتة شبه مغفلة هي عبارة عن "ألّيغرو" (allegro) لا يخلو من ألق الألوان والحيوية والغزارة.

ومن جهة أخرى فإن المقدمتين الآليتين لكل من "ملك كريت" و"تيتوس أمبراطور روما" على درجة كبرى من الفخامة والاحتفالية، تتجلى خاصة في جملة لحنية بهية، ولا سيما في حقولها الثلاثة الأولى، والتي يزيدها روعة  جان شانطافوان قائد الأركسترا وعاشق موزارت، وهو يتوسل في لطف بالـ "أناكروز" في أسمى معاني السيادة والسمو. 

ومن اللافت للنظر أن موزارت استعمل في عزف افتتاحية "ملك كريت" لأول مرة مجموعة من آلات الكلارينيت التي لم يسبق لأوركسترا سالزبورغ أن استخدمها؛ وقد وجه موزارت لوالده خطابا عبر فيه عن منتهى سعادته بهذا الاكتشاف الجديد. 

 

المحطة الثالثة ـ الافتتاحيات المعبرة:

ها نحن أدركنا الافتتاحيات الكبرى التي أسميناها الذاتية أو المعبرة حيث يركز موزارت من خلال بعض المقاطع اللحنية القوية على بلورة الفكرة الرئيسة للدراما. ولأنه يستبعد كل الجزئيات غير الضرورية، فهو يتيح للمستمع القدرة على أن يستوعب بسهولة نسيج المعزوفة وتطورها ونموها. من هنا سيكون في وسعنا القول دونما أي جدال بأن موزارت أبدع نمطا جديدا من الموسيقى لا ريب أن لويجيو كيروبيني (Luigi Cherubini) ولودفيغ فان بيتهوفَن (Ludwig van Beethoven) هما وريثاه المباشران.

في افتتاحية "اختطاف في السراي" (The Abduction from the Seraglio) نتوقع بكل تأكيد طبيعة الدراما التي سيوظفها موزارت، إذ لا مجال للشك في أنها قد بنيت على الأسلوب الكلاسيكي للسوناتة، فجاءت أقسامها على النحو التالي: "بريستو" (presto) ـ "آندانتي" (andante)، "بريستو"، بيد أنه إذا كانت سرعة الحركتين  الأولى والثالثة توحيان بأجواء الحياة التركية التي أصبحت خاضعة لذوق العصر، فإن الحركة الثانية تنبئ باللحن الذي سيؤديه مغني التينور وشيكا في أول مشهد  من الفصل الأول.

وتأتي افتتاحية "زفاف فيغارو" (The Marriage of Figaro) لتعلن منذ البداية عن فكرتها الرئيسية، فمع شيء من إعمال التخيل الجريء سيكون في وسعنا أن نلاحظ وجود خطوط لحنية وبعض الأصداء لحركة "البريستو" المتالقة. وهي وإن تكن غير مقنعة  فإن الناشر يدرك تمام الإدراك عند سماع الافتتاحية  أن "اليوم المجنون" (La folle journée)ـ وهو الاسم الفرعي للعمل ـ سيفي بوعده.

أما افتتاحية أوبرا "دون جيوفانّي" التي تعتبر دون منازع قمة روائع موزارت، فهي تحدد بشكل جلي طبيعة هذه الأوبرا ذات النفس المأساوي والمضطرب. وقد جاء في المقالة  التي أنشأها غونو (Gounod) بعنوان "دون خوان لموزارت" ما يلي: "إن التآلفات الأولى،  بقوتها وجلال إيقاعها المتأخر النبر (syncopé)، ترسخ السلطة المهيبة والرائعة للعدالة الإلهية المقتصة من الجريمة. فبعد المازورات الأربع الأولى ـ التي يكسوها الصمت مزيدا من الرهبة عبر المازورتين الثانية والرابعة ـ تنطلق تعبيرات هارمونية ذات طبيعة مرعبة وكأنها مشهد شبح.

ها هنا ينطلق الألِّيغرو في حيوية خارقة وثابة تبعث على الدوار، يسبقه صخب للأبواق سيتجدد في الخاتمة، اتخذه "لوبوريللو" (Leporello) خادم "دون جيوفاَني" وسيلة لسرد فتوحاته الغرامية ومطية عابرة نجد نظيرتها في افتتاحية "كوزي فان توت" (Così fan tutte) التي ألفها موزارت في خريف 1789.

هذه الافتتاحية  بدورها تشكل إحدى روائع موزارت. وقد صدرها بعزف قصير على الأبواق،  يتلوه عزف منفرد على آلة الأوبوا، ثم حركة البريستو المرحة في لحن موسيقي على درجة كبرى من البراعة والبهجة ترجعه سائر آلات الأوركسترا الواحدة تلو الأخرى ويتخللها من حين لأخر عزف جماعي (tutti) مرح.

  

الصفحة  الأولى من مدونة افتتاحية "كوزي فان توت"

     

وخلاصة القول فلقد برهن موزارت عن عبقريته وهو ما يزال طفلا عندما كتب أولى افتتاحياته على نسق السوناتة، فجاءت سهلة تعبر عن أحلام الشباب؛ حتى إذا بلغ المرحلة الثانية اقترح مشروعا ظل هو وحده من يقدر على رسم تصميمه، ثم لما أدرك المرحلة الثالثة جعل من الافتتاحية نمطا مبتكرا في التأليف ظلت فكرته الرئيسة حاضرة باستمرار في ذهن المستمع الواعي؛ وبذلك شكلت افتتاحيات موزارت حدثا مشهودا في تاريخ الدراما الغنائية.   

.