نزهة برفقة بيلا بارتوك - القسم الأول بتصرف

عبد العزيز ابن عبد الجليل

لا ريب أن الإشعاع الذي يسود الاحتفال بالذكرى العاشرة لوفاة بارتوك يثبت أن الوقت أصبح اليوم يدعونا إلى التعريف بمجالات إبداعه على نطاق واسع ودون إغفال أي جانب.  والمسار الذي أقترحه اليوم ليس جردا، ولا دليلا، ولكنه مسار متحرك، شخصي، تقريبي، يحدد مواقع بعض الروائع النادر التطرق إليها أحيانا في المشهد الفني لبارتوك.  من حسن الحظ أن الموسيقي نفسه يوفر لنا أرضية ممتازة لمعرفة أعماله قبل أن نزج بأنفسنا في متاهات البحث: إنها "المتتالية الثانية للأوركسترا" التي كتبها سنة 1905.

في الرابعة والعشرين من عمره تخلص بارتوك في كتابته من تأثيرت براهمز وليست وشتراوس؛ إنها السنة التي سجلت بداية المغامرة الكبرى للفلكلور، والتي سوف تمهد السبيل لسائر أعماله. وقد جاءت هذه المتتالية لتعلن عن تخلصه من قيود المدرسة وشوائبها وانتقاله إلى أجواء الاحتراف المتمكن، ولتقوي لدينا الإحساس - عبر مرور الأعوام - ببلوغه المرحلة الأخيرة.  إنها مسجاة في منظور معين للتأليف الموسيقي يعكس رغبة المؤلف في منحها طعما شعبيا ضمن قالب كلاسيكي. إنها تختزل المشروع الذي سيوجه سائر تجاربه، وإن لم تكن بعد قد بلغت درجة الاكتمال. من هنا تأتي "الشكيرزو الشعبية" (Folk Scherzo) التي لا تنشُد إرضاء المناهج المدرسية بقدر ما تنشد بلوغ أسمى صور التعبير عن الغناء الشعبي.  ومع أنني هنا لا أضعها في مرتبة "الفوغاتو" (Fugato) الرائع الذي يختم به "الكونشرتو للبيانو" (Piano Concerto) فإني أجد فيها نفس الرغبة في تطوير وإنعاش دينامية كاملة الحيوية.

دعنا أخيرا نضيف أن "المتتالية الثانية للأوركسترا" (Suite No. 2) رائعة للغاية، وأن "الآندانتي" (Andante) أي الحركة البطيئة تشكل على وجه الخصوص "مشهدا" بارتوكيا من خلال سحرية التعابير التي ستعكس على الدوام أسلوبه في التأليف. وليس أدل على عظيم اهتمام المؤلف بها من العودة إلى مراجعتها في سنة 1943.

على أن عمره لن يمتد به طويلا ليفي بما بشرت به "المتتالية الثانية"، ذلك أن بحثه عن فلكلور الشعوب، وسعيه لاستيعاب أساليبه، وإغراء الأساليب الأخرى للتأليف الحديث، كل ذلك سيفضي به إلى الاهتداء إلى "حَجَر الفلاسفة" التي طالما حلم بها، والتي في ركابها سوف تتراكم مؤلفاته المتنوعة.

لن نكلف أنفسنا الذهاب بعيدا: فلقد جاءت الأغنية الأولى من عمله "اللوحتان" (Deux Portaits)التي كتبها سنة 1907 احتفاء بزواج تلميذته إيمَا غروبر Emma  Gruberبصديقه زلطان كوداي Zoltan Kodaly لتخاطب أعماق نفوسنا.  فمن كان يتصور أن من وراء هذه القطعة المثيرة للإعجاب والتي تسمو إلى أعلى درجات التعبير الشفاف يقف هذا الموسيقي صاحب "الرباعي الثالث" (String Quartet No. 3 

أما "اللوحة الثانية" فهي تحمل نفس "تيمات" (themes أي موضوعات) سابقتها، منفصلة عن بعضها، لتشكل صفحة قصيرة حافلة بالألوان والزخارف المعلنة عن السمة التعبيرية للـ"مانداران الساحر" Mandarin merveilleux ".

لن يتأخر القلق، هذا الرفيق الوفي لبارتوك، عن التسرب إلى أعماله: ففي سنة 1911 ألف "Chateau de Barbe-Bleu" (قلعة صاحب اللحية الزرقاء)، عبارة عن أوبرا من تأليف بيلا بالزاس Béla   Balazs في فصل واحد، كتب موسيقاها بارتوك متأثرا بأسلوب كلود ديبوسي.  في هذه الأوبرا لن تشرق الشمس أبدا؛ إنها المأساة المظلمة ذات الامتدادات النفسية، وهي نفسها التي اختارها بارتوك لتكون موضوع الأوبرا الوحيدة التي كتبها.  بطلاها: "صاحب اللحية الزرقاء" الذي ينطلق في تلاوة عبارة طويلة بأسلوب "إلقائي" (recitative)، وزوجته جوديث التي تسرد كلامها ببرودة متعمدة حتى لحظة التوهج المأساوي للموت: ها هنا يعرج البطل بصوته في صرامة قصوى لأداء "لييد" ((Lied أي أغنية من الروعة بمكان، بينما تعود جوديث لتبدو امرأة أخذها اليأس، وانتابها الرعب "يتغشاها الظل إلى الأبد".

وتمضي ثماني سنوات يطالعنا بعدها بارتوك بـ "باليه الماندران الساحر (Le Mandarin Merveilleux)، ألفه في 1918-1919 من فصل واحد، عُرض أول مرة على مسرح كولونيا عام 1926. وهو عبارة عن قصة مستوحاة من حكاية صينية لفتاة تضايق المارة المتشردين، وتنتهي بمشهد عميق الأثر عن الحب والموت.  في هذا العمل يفاجئنا عنف الموسيقى، حيث أن الجزء الأكبر منه تؤديه الآلات النحاسية (Brass) وآلات النقر (Percussion) عبر ألحان متدفقة باستمرار تفيض ألوانا وإيقاعات وعربدة، وتكشف عن أن النَّفَس الأوركسترالي لَدَي بارتوك قادر على مضاهاة نظيره عند سترافنسكي في رائعته "Sacre Printemps" )طقوس الربيع)، الأمر الذي لا يسعنا معه إلا  نأسف لتخليه عن هذا التوجه في التأيف وركوبه المسالك المسدودة للباليه الروسي.

وبسبب اعتراض السلطات الهنغارية على مواصلة عرض هذا الباليه، فسيُقْدِم بارتوك في بحر أكتوبر من سنة 1928 على تحويل موسيقاه إلى "متتالية للأوركسترا السمفوني".

على أننا - قبل ذلك بخمس سنوات - سنجد في "متتالية الرقصات" التي كتبها سنة 1923 بعض ملامح الأسلوب الأخاذ لـ "المانداران"، ولاسيَّما في الرقصة الأولى؛ غير أن أجواءها تختلف عن نظيراتها في الأخرى:  ففيما تبدو تيمات "المانداران" تجريدية، غير ذات هوية، غايتها أن ترسم عينات من الحزن الإنساني، فإن نظيراتها في "المتتالية" (suite) تأتي حافلة بمشاهد الحياة الهنغارية؛ وبدل أن تكون الألحان حبيسة دوامة من الإيقاعات الصاخبة، فهي في المتتالية تتخذ من الإيقاع مجرد أداة للتعبير عن الإنسان وعن الذات، ومن ثم فهي تحيا حياة مبتهجة وتقفز على إيقاع نشوة سكان الأٍرياف.  إنها موسيقى الهواء الطلق، وهي - بالنسبة لبارتوك - انتقام من المثقف المهووس بالمشاكل التقنية، ومن خلالها سيدرك أن الخلاص ينبع من المصدر الشعبي الذي لا ينضب. وسوف تنجلي للناظر في هذه المتتالية ملامح بعض أعمال بارتوك القادمة: ألعاب الأزواج ـ الانترميزو المقطوع ـ كونشرتو للأوركسترا.

ومع كل ذك، فإن بارتوك على وشك الوقوع في الأزمة الأكثر إثارة للشفقة في عمله، وقد آثر أن يلوذ بالصمت على مدى ثلاث سنوات. وإذا كانت "متتالية الرقصات" هي ضامن نجاحاته القادمة، فهي لم تتمكن من حجب صوت "السوناتتين للبيانو والكمان" (1921 ـ 1923) اللتين هما في غاية الجمال، وإن كانتا تحت هيمنة الكتابة الدوديكافونية، بسبب ما تحدثانه من توتر وصراع رهيبين "يمتد - على حد قول الناقد الموسيقي آنطوان غَوليا Antoine Goléa-من وريد الموسيقي وحتى هذا الأسلوب المتعجرف والقاسي الذي يبدو  في عين بارتوك أعظم نبلا، وإثارة، وجمالا، بحجة أنه الأشد عسرا والأكثر امتناعا عن الفهم والأكثر أنفة وعزلة".

كانت سنوات احتجابه الثلاث (1923-1926) حاسمة، عاشها وهو في مفترق الطرق متأرجحا بين الانطباعية، والتعددية الشكلية، والتنكرية، والحركية. وخلالها عاصر كل الثورات، واختبرها بشغف، ثم أعاد صياغتها بطريقة ما وبكل وسائله الخاصة.

وسوف تشكل أعماله الثلاثة القادمة (سوناتة للبيانو 1926 ـ الرباعي الثالث 1927 ـ الرباعي الرابع 1928) أقوى محطات مسيرته الفنية؛ غير أنه في خضم بحوثه الصارمة توجد نبرة إنسانية تخترق التقنية وتفيدنا في معرفة حالة الموسيقي الذهنية.  ولنا في رائعته "سوناتة البيانو" (Piano Sonata) خير ما يدل على ذلك، ولا سيما في خاتمتها حيث يقدم تيمات وإيقاعات مستوحاة من الموسيقى الشعبية عارية عن كل تلوين آلي، ثم في "الآندانتي" (Andante)، هذه الصفحة المثيرة حيث يتجلى نوع من الابتكار الموسيقي والتوافق الإيقاعي والتراكب الهارموني للتيمات الأساسية. وهذه كلها تذكرنا ببعض ما كتبه بيتهوفن في أواخر أيامه، مثلما تذكرنا بصنيع ديابيلليDiabelli  في  Variations sur un thème(تنوعات على تيمة).

وفي نطاق آخر يعتبر "الرباعي الثالث" لبارتوك عملا انطباعيا يتضاعف اقترابنا منه كلما استمعنا له وأصغينا إلى جمله الموسيقية.

من جهة أخرى يتعين أن نقر بأن الاستماع لـ "الرباعي الرابع" يمنحنا انطباعا مغايرا يوحي بالطمأنينة الروحية؛ فمن خلال بنيته المتماسكة العناصر، وتيماته المعبرة،  وتطوره المنسجم، نستحضر رباعيات بيتهوفن الأخيرة؛ وقبل كل شيء  يبدو أن متطلبات الغناء والتعبير تتجاوز بالتأكيد هذا النوع من الهذيان حيث السعي وراء المطلق بتطويق بارتوك، وليس في وسعنا أن نغفل عن  "الآندانتي" هذه الصفحة الفنية الحافلة بالغنائية الرومانسية والسابحة في لجة من التناغمات الانطباعية ذات التأثير الرائع، ولا عن الخاتمة المتوثبة والتي يتجدد فيها ظهور الفلكلور وهو في أبهى صوره.

.