سمفونية دو الكبير لجورج بيزيه (بتصرف)*

عبد العزيز ابن عبد الجليل

يذكر بول لاندورمي (Paul Landormy) في كتابه عن بيزيه (Bizet) أنه سبق لـ جان شانطافوان (Chantavoine) أن كشف في مكتبة المعهد الموسيقي خلال عام 1933 عن وجود مدونة لسمفونية كتبها المؤلف الموسيقي جورج بيزيه (Georges Bizet, 1838-1875) على مقام دو.  وبالعودة إلى مقالة لشانطافَوان نشرها في مجلة "مينيستريل" (Ménestrel) بتاريخ 4 آب/أغسطس من نفس السنة يتبين أنه لم يتحدث فيها عما يمكن أن يكون اكتشافا، وأنه لم يَدَّعِ شيئا من هذا القبيل، ولكنه بالمقابل استعرض وحلل، من خلال مقالات متسلسلة كتبها تحت عنوان مؤلفات غير منشورة لـ "بيزيه،" بعض أعمال المؤلف التي أودعها المانحون بمكتبة المعهد الموسيقي، وقدم معلومات في غاية الأهمية نقتبس منها الآتي: 

-       قبل سنوات قليلة توفيت زوجة بيزيه الأولى بعدما تركت لمكتبة المعهد الموسيقي مدونات "كارمن" والأرليرزيين". وقد أضيفت مدونات أخرى لاحقا إلى هذه المدونات مما شكل رصيدا غنيا حافلا بوثائق ظل كثير ممن ترجموا لبيزيه غافلين عنها.

-       ومن جهة أخرى تطوع السيد رينالدو هان Reynaldo Hahn بإهداء صندوق أحمر لمكتبة المعهد كان يضم عددا من الصفحات التي دونها بيزيه وهو ما يزال في أولى فترات الشباب. وفي هذا الصندوق بالذات توجد "سمفونية دو" من بين مقطوعات للبيانو، وبعض الأغاني، و"الافتتاحية الأولى" للأوركسترا.    

بيد أنه إذا كان من السهل أن ندرك كيف كانت هذه المدونات في ملكية أرملة بيزيه وزوجها الثاني، فإننا نجهل كيف ومتى آلت بعض هذه المدونات إلى ملكية رينالدو. هنا أيضا، يأتي التساؤل عن سبب إحجام رينالدو ـ وهو مؤلف وقائد للأوركسترا ـ عن تقديم سمفونية بيزيه أمام جمهور الحفلات الكبرى في وقت نعلم أنه كان شديد الإعجاب به وبسمفونيته هذه؛ من المحتمل أن يكون رينالدو قد استشار أرملة بيزيه في هذا الصدد فأجابت بالرفض لعلمها أن بيزيه لم يكن يعير هذه السمفونية الكثير من عنايته لأنها بالنسبة إليه من إنتاج فترة الشباب، مثلما أنها لم تقبل عروض الناشر المتكررة بإخراجها احتراما لإرادة زوجها. وهكذا بدت "سمفونية دو" وكأنما حكم عليها بأن تظل حبيسة الصندوق الأحمر وأن يحرم عشاق الموسيقى من سماعها إلى الأبد.

وسوف تطفو على الساحة ظروف خاصة احتكمت فيها مؤسستان للنشر إلى القضاء حول طبع "سمفونية دو"، ثم لم تكد تمضي على مقالات شانطافَوان غير ثلاثة أعوام أو أربعة حتى أصدرت "الدار العالمية لفَيينا" السمفونية، وسمحت بعرضها لأول مرة في ألمانيا، ثم في عواصم أوروبية أخرى.  وسيتجدد نشر السمفونية في دار "شودانس" Choudens، ولن تمضي غير سنوات قليلة حتى تشق طريقها إلى التسجيل وتنطلق كبريات الأوركسترات في التجوال بها عبر العالم، ليتجاوز عدد عروضها في خمسينيات القرن الماضي الخمسين.

بحلول سنة 1955 يكون قد مضى على تأليف سمفونية بيزيه قرن كامل. ويظهر هذا في العبارة التالية التي كتبها بخط يده: "السمفونية الأولى على مقام دو، بدءا من 29 تشرين الأول/أكتوبر 1855، وانتهاء في ... تشرين الثاني/نوفمبر من نفس السنة"، مع إغفاله ذكر اليوم من الشهر.  لقد استطاع  بيزيه أن ينجز سمفونيته التي يستغرق أداؤها 40 دقيقة في أقل من شهر. كان عمره قبيل أن يشرع في كتابتها سبعة عشر عاما وأربعة أشهرٌ، وكان قبل ذلك بشهور قليلة قد حصل من المعهد الموسيقي على الجائزة الأولى في العزف على الأرغن، وجائزة أخرى في الكونتربوان– فوغ (Fugue). 

التحق بيزيه بالمعهد وهو في سن العاشرة لدراسة الصولفيج، وتلقى دروسه في عزف البيانو على يد مارمونتيل (Marmontel) أحد أشهر الأساتذة في ذلك الوقت، فأبان عن موهبة خارقة أهلته للفوز بالجائزة الأولى في الصولفيج وهو ابن أحد عشر عاما، والجائزة الأولى في العزف على البيانو وهو ابن أٍربعة عشر عاما، ثم بجائزة روما الكبرى وهو دون التاسعة عشر.

تقوم سمفونية بيزيه على أربع حركات هي ألِّيكَرو (allegro)ـ أندانتي (andante). سكيرتزو (scherzo). خاتمة.

يحتوي التوزيع على "خماسي" للآلات، وآلتي تمبال، ونفيرين، وأربعة أبواق، وآلتي باسُّون، وآلتي كلارينيت، وآلتي أوبوا، وآلتي فلوت.

الحركة الأولى "ألِّيكرو: في وزن ثنائي سريع (4/2) وهو يغطي 585 حقلاً، عمدته لحنان يشكلان من خلال العرض وإعادة العرض والإثراء النغمي والإيقاعي مجمل المعزوفة، بحيث يغني تداولهما المتكرر عن أي تراكم في الأفكار على حد قول بيزيه؛ ولا داعي إلى خوف الوقوع في الإعادة المملة، وذلك لما يطبع الجمل اللحنية من رشاقة تحلق بالألّيكَرو من بدايته إلى نهايته في حركة ملؤها البهجة والمرح.

وسواء في الأليكَرو، أو في باقي حركات السمفونية، فإن هرمنة الألحان مشبعة للغاية، بينما تمتد بعض التوافقات عبر حقول الجمل الموسيقية لتبلغ الثمانية أو العشرة، بل لتدرك في بعض الفقرات العشرين؛ كل ذلك من شأنه أن يحرك الإحساس بالوضوح، ويمنح الأذن ما يكفي من الوقت للتفاعل مع التركيبات الهارمونية المتسلسلة.

ينبني اللحن الأول للفوغَ على توافق (دوـ  مي ـ صول). ولو أن المؤلف جعل ختامه على درجة دو الوطيئة لوَلَّد هذا الإحساسَ بالتَّفَاهة، ولكنه تجنب الوقوع في هذا الإحساس بتحول غير متوقع يتمثل في النوطات الثلاث التي ختم بها اللحن، وهي دوـ سي ـ لا (أنظر النموذج الرقم 1).

أما اللحن الثاني ـ والأنسب أن نسميه "فكرة" ـ فهو عبارة عن سلسلة من التوافقات المنكسرة، تمتد عبر 60 حقلاً موسيقيا؛ وفي موازاة هذه التوافقات تنساب جملة غنائية طويلة يخترقها التنفس من حين لآخر، فتشكل بمفردها ما يوشك أن يكون لحنا ثالثا، لولا أنها تأتي بمثابة تكملة غنائية للحن الثاني (أنظر النموذج الرقم 2).

وإذا كان اللحن الأول يذكرنا بموتسارت، فإن الثاني نابع من استعداد ذاتي، يكشف من خلال الجملة الانسيابية السابقة عن نزوع قوي لدى بيزيه نحو تأليف الجمل التعبيرية الطويلة، وهو نزوع سيتبلور لاحقا في رائعته الغنائية "لارليزيين".

الحركة الثانية: تأتي هذه الحركة في وزن 8/9، وتستغرق 114 حقلا موسيقيا. على أن بيزيه وإن يكن أسماها "آندانتي"، فإنه يجنح بها إلى قالب "الأداجيو".  وبعد افتتاحية من ثمانية حقول موسيقية، تتعاقب على عزف اللحن الأول تباعا آلات الأوبوا، ثم يعاد عزفه بواسطة آلات الكلارينيت والباصون بعد تحويل مقامه إلى الدرجة الثالثة ليعاد في النهاية بآلات الأوبوا (انظر النموذج رقم 3).

وسيتلو هذا اللحنَ المُحَمَّلَ بجملة من التعبيرات الدرامية الشديدة لحنٌ ثان على آلة الكمان يمتد عبر اثنين وعشرين حقلاً في أسلوب غنائي نابض  بالحياة. أنها ملامح النضج تتبدى في فتى مراهق في السابعة عشر من عمره، لتعلن عن وشوك انبثاق رائعته الغنائية "كارمن" (النموذج 4).

وسيفضي هذا اللحن إلى "فوكَاطو" (fugato) في كتابة هارمونية تجمع بين الرشاقة والمتانة، وتنتهي ـ من جديد ـ بعودة اللحن الأول معزوفا على آلات الأوبوا.

وسوف يعود بيزيه لاحقا إلى هذا اللحن عند تأليفه لأوبرا "صيادو اللؤلؤ" ليوظف بدايته في افتتاحية "أغنية ندير" Chanson de Nadir بعد إدخال تعديل طفيف عليه.  ومرة أخرى سيتم عزفه بآلات الأوبوا (النموذج رقم 5).

ترتكز "الآندانتي" على مقام لا الصغير (المنتسب إلى مقام المقطوعة الأولى)، منطلقة عبر أربعة توافقات على درجة من الصرامة: فا ـ لا ـ دو / ري ـ فا ـ لا / دو ـ مي ـ صول / لا ـ دو ـ مي/. وهي توافقات نحسب عند سماعها أننا بصدد مقام "دو الكبير"، حتى إذا حلت المازورة الخامسة ظهر توافق "مي ـ صول دييز ـ سي" لتتلوها الحقول الأخيرة وقد تجلى فيها السلم الصغير بكامل الوضوح.

الحركة الثالثة "الّسكيرتزو": على مقام "صول الكبير" (درجة الارتكاز المسيطرة في المقطوعة الأولى). حركته "ألّيكَرو فَيفَاتشي" من ميزان 4/3. يمتد لحنه عبر 300 حقل موسيقي من بينها 112 حقلا في أداء "التريو". تتميز بداية السكيرتزو بانزياح لحني واستراحة غير متوقعة على نغمة لا، تنتمي لا إلى توافق النغمة المسيطرة ولا إلى توافق نغمة القرار، الأمر الذي يضفي على الجملة اللحنية مزاجية خاصة (النموذج 6).

وسيعود اللحن الموسيقي إلى طبيعته الأولى بعد عزف المازورات السبع والتسع التي تليها. وبعد صعود شديد التوقيع بواسطة آلات الكمان والآلتو، ينتهي بنا المطاف إلى لحن (موتيف ثان) يذكرنا أداؤه بواسطة آلات الألطو بلحن الأليكرو السابق (النموذج 7).

الحركة الرابعة الختام: تنتهي السمفونية بختام هو عبارة عن "أليكَرو فَيفَاتشي" ميزانه ثنائي 4/2، ومداه 446 حقلا موسيقيا، وقراره اللحني هو ذاته قرار المقطوعة الأولى (دو الكبير) طبقا للقاعدة المتبعة. يحتوي الأليكَرو على ثلاثة موتيفَات لكل واحد منها ميزاته الخاصة. أما الأول فهو عند شانتافَوان في إحدى مقالاته "يذكر في بدايته بختام السمفونية الرابعة لبيتهوفَن"، ويعني هذا ما بين الختامين من تشابه على مستوى توظيف ذوات السنين منفصلة عن بعضها، غير أنهما يختلفان بشكل واضح على مستوى الخط الميلودي، إذ تتميز ذوات السنين في عمل الفتى بامتدادها عبر نفس طويل يستغرق 33 حقلا (النموذج 8)،

ليتم الانتقال بعد ذلك إلى "الموتيفَ الثاني" على إيقاع المشي الثنائي، مع الإبقاء على حيوية الحركة وسرعتها.

وسوف يعود بيزيه خلال إقامته بفَيلَّا ميديتشي (Villa Médicis) في إيطاليا إلى هذا اللحن لتوظيفه ـ بعد تحويله إلى مقام سي بيمول ـ  في الفصل الأول من "الأوبرا بوف" "دون بروكوبيو" Don Procopio التي تؤرخ لأولى رسائله الموجهة إلى الأكاديمية الفرنسية (1859) (النموذج 9).

أما "الموتيف" الثالث والأخير فهو أغنية بمثابة سياحة جميلة عبر 44 حقلاً موسيقياً، تتصاعد تدريجيا نحو النغمات الحادة حيث تَدرك قمة الانتشاء، ثم تنحدر سريعا عبر ثلاثة حقول معلنة عن نهاية السمفونية (النموذج 10).

إنها أغنية متدفقة الحركة ترتبط في بنائها بالألِّيكَرو الشادي المحبب عند جان كريستيان باخ، هذا الألّيكَرو الذي يعني اللحن الميلودي المستعمل في الحركات السريعة.

وبعد، فإن "سمفونية دو" التي ألفها بيزيه لا تشكل حدثا فاعلا في تاريخ السمفونية، مثلما أنها لا تمثل منطلقا لمفهوم جمالي معين، ولا غايته المثلى.  ولكنها، بفضل مزاياها الخاصة، تحتل عن جدارة مكانها إلى جانب السمفونيات التي ألفها كبار المؤلفين.

____________________

*   Henri Classens. (Mai 1956). Revue Musica, n° 26. Pub. mensuelle, imp. Chaix St  Paris, pp. 18-22.

 

.