آل شتراوس رفقاء الفَالس(*) بتصرف

عبد العزيز ابن عبد الجليل

خلال القرن التاسع عشر، عاشت عائلة ظلت وفية لنفس الأسلوب ولنفس الموسيقى، وتوارثت، على ما يبدو،ـ أسرار صناعتها.  إنها أسرة آل شتراوس.  كانت الفالس موطنهم، ألفوا منها المئات؛ فكم من قلب بها أرَّقوه، وكم من حب أشعلوا لَظاه، وكم من خطيب يَسَّروا له سبل الوصال، ثم لكم حفزوا ذوي الجرأة على الرقص المُوَقّع. وطوال السنوات الممتدة من  1810، وحتى 1900 كان آل شتراوس بحق ملوكالفالس، وما كان اختفاؤهم أبدا ليحجب خط النور الذي رسموه.

لقد دأب مؤرخو الموسيقى، الذين هم المسؤولون عن إبراز الحقيقة في صورتها الأكثر صرامة، على التغاضي عن ذكر أسماء آل شترواس؛ وحتى أولئك الذين ذكروهم فقد فعلوا ذلك بنوع من التسامح الخجول، كما لو كانوا يخشون من أن يسلبوا بعض المؤلفين الكبار جزءا من شهرتهم.  إنه وهم لا أساس له من الصحة، ذلك أن مقام آل شتراوس لم يمنع أبدا نبغاء الموسيقيين من إنجاز روائعهم، بل إن بعض هؤلاء كانوا يجدون في أنفسهم غضاضة من المجد الذي أدركه أولائك النمساويون.

كان فَاغنر شديد الإعجاب بيوهان شتراوس؛ وقد قال يوما: "إن مقطوعة واحدة من مقطوعات الفالس التي ألفها شتراوس تحوي من الموسيقى أكثر مما تحويه الأوبرات التي تؤلف اليوم". ولم يكن برامز أقل إعجابا، فقد قال ليلة تقديم أوبراه "سيد الغابة"     Der Wald-meister: "إننا لم نعد نكتب ـ بعد موزارت ـ عملا في مثل ما عليه موسيقى يوهان شتراوس من العذوبة والكمال والصفاء". ولا غرو، فلطالما عبر يوهان نفسه عن اعتزازه برائعته "الدانوب الأزرق".

لقد سبق أسلاف آخرون آل شتراوس إلى منح فن الفالس أسلوبا خاصا، وكان موزارت وبيتهوفن قد تمرسا في هذا النمط الدوار، ولم يستنكفا من أن يكتبا في إيقاعه أعمالا  للمجموعات الموسيقية الصغيرة التي تشتغل في مطاعم فَيينا.

ولسوف يواصل آل شتراوس الأربعة الولاء لهذه الديكتاتورية الساحرة، غير أن الأولين منهما ـ وإلى جانبهما "جوزيف لانير" (ت 1843) ـ سيجلبون للفالس الكسب الأوفر والثناء الأكبر.

جوزيف - يوهان شتراوس

كان جوزيف - يوهان شتراوس في مقدمة الفريق. ولد عام 1804 من أب يشتغل نادلا في حانة يسقي روادها كؤوس النبيذ على نغمات الموسيقى. وكان وهو صبي في الخامسة من عمره يعزف على الكمان أمام رواد الحانة، فيثير فيهم العجب بما أوتي من مهارة في العزف. هل سيكون موسيقيا؟ من المؤكد أن والده لم يكن يهمه من هذا الأمر شيء، مثلما أنه لم يكن يهمه أن يزيد ابنه من إقبال الزبناء على الحانة التي كان في وسعها أن تحميه من الجوع والعطش بما يهبه روادها.

ولم يكن الفتى يعبأ بتعنيفات والده؛ فلما كان ذات صباح غادر الحانة وفي رفقته كمانه، وراح ينتقل من حانة إلى أخرى يعزف لزوارها من محفوظاته من أجل أن يؤمن قوت يومه.

ولم يكن الفتى في حاجة إلى استجداء المستمعين، فقد كانت النقود الألمانية تتهاطل على الطبق الذي يبسطه بين أيديهم، سيما وقد كانوا يتأثرون بما جبل عليه من ظرف وجرأة وحيوية.

كانت هذه المهنة تؤتي ثمارها بشكل شبه مريح، بيد أن جوزيف يوهان لم يقتنع بها، فبين جوانحه تختلج طموحات أكبر. وما هي إلا أيام حتى أقدم مع بعض أصدقائه على تشكيل أوركسترا، حدد أسلوبها، وألهبها بنار حماسه؛ ثم ما هي إلا فترة قصيرة حتى كتب لها النجاح، وغدت فَيينا لا تكل من الإصغاء إليها باهتمام يتضاعف يوما بعد يوم.  لقد حل وقت المجد، ولن يفارقه أبدا.

ويشاء القدر أن يلتقي الفتى في طريقه بملحن الفالس الرائع، والذي تهتز لموسيقاه مشاعر الناس؛ إنه جوزيف لانّير (Joseph Lanner) الذي يكبره بعامين. حرك هذا اللقاء في نفسه الإحساس بالرغبة في الكتابة تزداد اتقادا، فأقدم على تأليف معزوفات من الفالس صفقت لسماعها أوروبا بأسرها، فاستقبلته باريس عام 1842، واحتفلت به سائر مسارح فَيينا، وقلد بعد حين قيادة رقصات الباليه في البلاط الملكي. وهكذا، تحول هذا الذي كان بالأمس القريب مراهقا سوقيا يسلي زبناء حانة والده  إلى رمز للأرستقراطية الدولية ونُخب الشعب النمساوي.

كان لجوزيف ثلاثة أبناء؛ ولعله سيظل يذكر ذلك الأبوي العتيق الذي رسخ في الاعتقاد السائد أن الموسيقى، إنما هي ـ في حياة الشرفاء من الناس ـ طريق مسدود تتراكم عبره خيبات الأمل؛ ذلك أن سائر أبنائه الثلاثة يملأ نفوسهم حب الموسيقى والتوق إلى التفرغ لها.  أما جوزيف الابن الثاني الذي يحمل نفس اسم والده،  فقد كان يتوفر على ملكة  تفوق بكثير ملكة والده، وأما إدوارد الابن الثالث فهو الذي سيخلف شقيقه يوهان في قيادة الأوركسترا بعد وفاته.

وفي سنة 1849 توفي شتراوس الأب، بعد أن تراجع ذكره أمام صعود نجم ابنه يوهان.

يوهان شتراوس

ولد سنة 1825، وألف قرابة خمسمائة فالس، إلى جانب أوبريتات شيقة ألفها باقتراح من صديقه "أوفينباخ".  تهافتت مسارح أوروبا وأمريكا على موسيقاه. كانت ملكته الموسيقية فياضة، فهو يشتغل في كل مكان، فحيثما وافاه لحن دونه، سواء في المطبخ أو في المكتب، فقد كان له في كليهما بيانو، وحيثما واتته فكرة أو عنت له خاطرة اقتنصها وسجلها على الورق آنا وعلى المناديل آنا.

عرف كأبيه بدايات شاقة، وفيما كان والده يسعى إلى حمايته من تقلبات امتهان الموسيقى، وجد في أمه من شجعه بالبداهة على بدء التعلم، فالتحق بكاتدرائية درايشلير Drescler  لدراسة الهارموني، والكونتروبوان؛ وحدث ذات يوم أن أطلع أستاذه على فالس وضعها، ففاجأه بعبارات صاعقة شديدة الفظاظة قائلا: يا لها من قذارة، لقد كانت دروسي في الكونتربوان غير مجدية.

يومها، حوله الوالد إلى العمل بإحدى مصالح صندوق التوفير، فلم يطق الفتى ذلك، وقرر أن يهجر البيت العائلي،  تماما كما فعل والده من قبل مع جده.

في عام 1844 تقدم أمام الجمهور لأول مرة على رأس أوركسترا صغير، فاستعاد الجمهورُ لخمس مرات متتالية عزف إحدى معزوفات الفالس لما كانت عليه ألحانها من عذوبة ساحرة؛ إنها ضربة حظ بلغ بعدها الشهرة الواسعة، وغدت شعبيته مضرب الأمثال، وهو يومئذ في الثامنة عشر من عمره. وما نحسب إلا أنه استفاد من الحظوة التي اكتسبها والده عن جدارة بين الجمهور.

كانت رقصاته تنطق حيوية لا سبيل إلى مقاومتها. وكان اندفاعه يستفز نزعته السياسية، فلما كانت ثورة 1848 التي اضطرت متِّرنيخ Metternich إلى الاستقالة، وحملت إلى موقع السلطة الأمبراطور فرانسوا - جوزيف، هرع شتراوس ـ بدافع من تلك النزعة الثورية ـ إلى عزف "المارسييز" باعتبارها نشيدا تحريضيا. وهو إن لم يلجأ إلى الفرار كما فعل من قبله فَاغنر، فقد نبذته السلطة وأسرَّت له الضغينة رَدَحا  من الزمن قبل أن تسند إليه قيادة رقصات الباليه في البلاط الملكي خلفا لوالده.

ما انفكت شهرة يوهان تزداد اتساعا، حتى أصبحت أغانيه مما يترنم بها الحوذي وهو يحث الخيل على السرعة.  إنها شهرة تجاوزت مدار فيينا، وغدت معها حواضر أوروبا الكبرى تتنافس في استقدام شتراوس وجوقه، وتتباهى باحتضانهما. وشَّحه نابليون الثالث، وقدم في أمريكا وحدها عشرين عرضا، جمع أحدها عشرين ألف مشارك بحضور مائة ألف من المستمعين.

لقد ظل يوهان أثيرا بين مواطنيه في فَيينا، ولا أدل على ذلك من الاحتفال الفخم الذي أقيم بدار الأوبرا الملكية عام 1894 بنماسبة مرور خمسين عاما على بدايته الفنية. وفي الخامس والعشرين من أكتوبر 1899 وافته المنية، فبكته فيينا بدموع الأسى، وهي التي تغنى فيها بألحان الابتهاج وعذوبة الحياة.

________

 

*Paul Le Flem، Revue Musica، Pub mensuelle، imp Chaix St، Paris، janvier 1957، pp 2 – 5.
.