كيف يشتغل المؤلف الموسيقي* (بتصرف)

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل
 
الفارق كبير بين عمل موسيقي صادر عن "إلهام داخلي"، وآخر مصدره "إلهام خارجي".  من أجل بيان هذا الفارق أذكر أنني استمعت ذات يوم للثنائي الفرنسي الشهير في العزف على الغيتار: إيدا بريستي، وألكساندر لاكَويا، فقر في عزمي أن أؤلف لهذه الآلة مقطوعة في قالب "السيريناد".  فعلت ذلك، وأنا أعترف بجهلي التام لتقنياتها، كما أعترف بأن الموسيقى التي كتبتها لم تكن للغيتار بقدر ما كانت موسيقاي أنا وضعتها لها.  وحينما استمع لها العازفان المذكوران، فاجأتني "إيدا" بقولها: هذا عمل قابل لأن يعزف تَوّاً، فيما أردف رفيقها سائلا: هل أنت عازف غيتار؟ . إن هذا بالضبط هو مفهوم الصناعة الحِرَفية التي تحركها الضرورة التقنية، وذلك ما أسميته "الإلهام الخارجي".
أما بالنسبة للأعمال التي مصدرها "الإلهام الداخلي" فالأمر أكثر تعقيدا، فضلا عن أنه يتخذ طريقة غريبة إلى حد ما: بشكل مفاجئ تشع في أعماقي ومضة يصحبها في الغالب قبس نور داخلي، لا أدري مداه الزمني، فقد يكون عُشُرَ ثانية، وقد يكون أقل؛ ومهما يكن، فإني في هذه اللحظة "أصمم" العمل  ـ في مجمله ـ  وفق الصورة التي أرتضيها له.  وعندما أقول "في مجمله" فأنا أعني مجموع "النسب والمكونات" التي هي في التأليف الموسيقي على درجة قصوى من الأهمية.  ولا مجال هنا لمقارنة ما يصنعه المهندس المعماري بما يصنعه الموسيقي، ذلك لأن هذه "النسب" فيما يخصنا نحن الموسيقيين حتمية لا غنى عنها؛ ومن هنا ندرك سر تَفَرُّد الموسيقي من بين سائر الفنانين المبدعين باسم "المؤلف". وهو في الواقع أهل لهذه التسمية، باعتبار أن الموسيقى هي الفن الذي يستلزم القدر الأكبر من الدقة، سواء في ضبط العلاقة بين الأصوات، والذبذبات، وفي الطابع الصوتي، والأفكار، أو في ضبط علاقات النسب الزمانية البالغة الصرامة.
لقد كان جهد اهتمام المؤلفين في الفترة الكلاسيكية منحصرا في البحث عن "النسب" في حدودها الزمنية، ثم لما حلت الفترة الكلاسيكية أصبح كل شيء عند أصحابها "خارج النسب". أما أنا ففي اعتقادي أن كل عمل قمين بأن يحمل صفة "الجيد" يقتضي أن يؤسس في آن واحد على احترام النسب الزمانية، وعلى سائر وسائل التعبير الكامنة في تنوع درجات الشدة والنعومة، لما بينها جميعا من تبادل على مستوى التأثير.
وإذا كان صحيحا القول بأن لـ "لإلهام" قيمته التي لا تجادل، فإن من الصعب معرفة اللحظة التي تنبجس فيها شرارته: هل هي تلك التي تسبق الركون إلى النوم، أم التي ترافق لحظات الاستماع للموسيقى في حفل ما، أوفي حالة ركوب الميترو؟...
إنما مثل الإلهام كمثل بيضة آواها وَكْر، فهي تتطور تلقائيا ودونما حاجة إلى يَدٍ ترعاها؛ ثم ها هي ذات يوم "تُفَرِّخ" من تلقاء نفسها، فإذا بلغَتْ هذه المرحلة، وجدتُني أُقْدِمُ على الشروع في رسم التصميم العام للعمل الذي أريد إنجازه، فأفتح له ملفا خاصا، أقيد فيه الملاحظات والبيانات المتعلقة بالقيم الزمانية، وأضبط التدوين الجدولي للآلات الموسيقية، وأضع لهذا العمل عنوانا قابلا للتغيير في كل أن، ثم لا أفتأ - بعد ذلك - أحذف، وأضيف، وأشطب... وتمضي الأيام، فأعاود النظر بعدها في الملف، فلا يسلم من المفاجآت.
وبقدر ما يسجل تقدم العمل الموسيقي نحو الاكتمال والوضوح، يلاحظ أنه يتحول إلى مصدر إزعاج لا ينفك يؤرق المؤلف؛ ذلك لأنه يستوجب ضبط النفس بأكثر ما يمكن من الصرامة، أو بعبارة أخرى أن يُنَصِّب الموسيقي نفسَه "مؤلفا"، وفي ذات الآن "ناقدا" يقيِّم العمل الذي هو بصدد إنجازه. وهذا ما يشكل - أكبر صعوبة يواجهها.
بعد مرحلتي "الإلهام" و "الإعداد" تأتي مرحلة "الصناعة"، وهي التي عرَّفها المؤلف الموسيقي فَردي بقوله: إنها 99%  من العَرَق، وكثير من الألم من أجل أن يكون لكل علامة موسيقية، وكل إيقاع، وكل بُعد، مُبَرِّر سواء على المستوى التعبيري أو التقني.
ها هنا أكون في حاجة ماسة إلى الهدوء الكامل، وهو ما لا أجده إلا نادرا؛ على أني أكون في حذر شديد من نفسي عندما أستشعر بوادر الراحة، أو عندما ألاحظ أن العمل يجري في يُسْر، فأتوقف عنه تَوّا مخافة أن أسقط في شرَك السهولة. 
فإذا أيقنت من اكتمال العمل، عزفته ببطء شديد على البيانو كي أُسْمعه بنفسي وأطمئن إلى سلامته، إذ ليس لأحد أن يدعي امتلاك الموهبة إذا لم تكن لديه الشجاعة لإعادة النظر مجددا فيما ينجزه.
إن أعظم ما يفيد المؤلف الموسيقي هو أن يستمع لمؤلفاته من حين لآخر كي يختبرها.  أما أنا فأفضل أن أقوم بهذا الاختبار بحضور مستمعين، وحينها أجتهد في أن أنفذ إلى أغوار نفوسهم بغية أن ألمس مدى تجاوبهم مع أعمالي وهم ينصتون إليها لأول مرة، ثم من أجل أن أتبيَّن عناصر التأليف الأكثر تعبيرا عن منهجي في الكتابة، وأكشف عن الخصائص الأشد تمييزا لهذه الأعمال.
إن الموسيقي لا يؤلف -  في الواقع - إلا عملا واحدا يظل ينتشر عبر الزمن وهو يحمل أكثر من عنوان واحد، وإن أفضل أعمالي وأَحَّبها إلى نفسي لهو ما سأكتبه مستقبلا.            
____________________________
 

*         André Jolivet - propos recueillis par Henri Gaubert. Revue Musica, Pub mensuelle, imp Chaix St  Paris, n° 35 fevrier 1957 pp 6-7  

 

.