arenfrfaestr

أنطونيو فَيفَالدي الرجل الغريب

عبد العزيز ابن عبد الجليل

 

أنطونيو فَيفَالدي الرجل الغريب - بتصرف* 
رجل ذو أنف أفطس نوعا ما، وبارز بشكل مذهل؛ وفم واسع، وعينين جميلتين ذكيتين جذابتين، يتدفق أسفل قوسي حاجبيه شعر كثيف قليل التجعد والاحمرار. تلك هي أبرز السمات التي ترتسم على مختلف لوحات بطلنا، إضافة إلى قامة متوسطة، وبنية ضعيفة.
يبدو مريضا باستمرار، يعاني الكثير من الربو المزمن، غير أن ذلك لم يحل دون أن يكون نشيطا غزير الإنتاج الموسيقي لدرجة تبعث على الاستغراب. 
أين ولد؟
أريد له أن يكون طفلا من ذوي الشوكة والجاه، بحجة أنه كان يوقع باسم "موسيقي البندقية"؛ واعتبارا لكونه قضى الجزء الأكبر من حياته في حاضرة دوقات البندقية، فقد كان من حقه أن ينسب نفسه لها وحتى إذا لم يكن مؤكدا أنه ولد بها؟
متى ولد؟
الله وحده يعلم حقيقة ذلك. أما مارك بّينشيرل Marc Pincherle، هذا المؤرخ الذي لا يتسرب إليه الكلل، فقد ذكر أنه ولد عام 1678.
نشأ أنطونيو في حضن عائلة متواضعة كان ربها جيوفَاني باتِّيستا فَيفَالدي Giovanni Battista Vivaldi يشغل منصب عازف شهير على الكمان في الكنيسة الدوقية سان مارك بكاتدرائية البندقية.
ويعتقد أن الفتى تلقى أولى دروسه الموسيقية عن والده، ثم تهيأ له أن يتتلمذ على المؤلف الموسيقي القس جيوفَاني لوكَرينزي Giovanni Legrenzi الذي لم يكن له كبير أثر في تكوينه يسبب وفاته والفتى لم يتجاوز السنة الثانية عشرة من عمره؛ من هنا وجب علينا الاعتراف بأننا أمام فتى عصامي لا نعرف الكثير عن مسار تعلمه لتقنيات العزف. 
كان الوالد عازفا جيدا على الكمان، يؤدي دوره في الكنيسة بمهارة حملت بعض مؤرخي الموسيقى على القول بانه بلغ في العزف المستوى الذي سيبلغه لاحقا ابنه أنطونيو.
ثم ما فتئ الفتى أن التحق بركب والده، فكان في البدء ينوب عنه في فترات غيابه، ثم حل محله بعد وفاته.
الكاهن الأشقر
اعتاد الناس على تلقيبه ب"الكاهن الأشقر". فهل كان حقا كاهنا؟ قد يبدو ذلك ممكنا، والحال أنه يعرف كيف يدعي صفة الكاهن أحيانا. على أنه إذا كان قد رُسِّم في سلك الكهنة عام 1693 فإن ذلك لم يؤثر في مساره الفني بأي حال من الأحوال، فلقد كان في إمكان عدد من الكهنة الذين تم إعفاؤهم من الخدمة الليثورجية أن يخدموا الكنيسة كمؤلفين بارعين وعازفين على الأرغن ومعلمين ومديري مجموعات صوتية. هكذا تدرج صاحبنا في مراتب سلك القساوسة ليصبح رجل دين على الرغم من بعض المؤلفين الذين يرون فيه مجرد رجل عادي ما كان له أن يحمل لقب الكاهن إلا لأنه انتسب كمعلم إلى بيت للتربية الدينية.
لم يكن أنطونيو يرعى حرمات وظيفته الكنسية، فلقد وافاه ذات يوم - وهو يلقي قداسه - لحن موسيقي، فترك القداس وانحرف جانبا، وخلع لباس الكهنة بسرعة، ثم انكب على تدوين اللحن من إملاء وحيه، فلما فرغ من ذلك عاد إلى الهيكل ليكمل صلواته. 
واجهت المحكمة الدينية بعض الصعوبة في قبول هذا التصرف، ولم يسعها في الأخير إلا الاعتراف بظروف التخفيف: وهي أن هذا القس موسيقي، وإذن فهو مجنون، فلا حاجة إلى إزعاجه، ويكفي أن يمنع من قراءة القداس من الآن فصاعدا.
إنها طرفة مستملحة، ظلت تسري بين الناس في خفاء وفَيفَالدي ما يزال على قيد الحياة. 
أما هو، فقد رفض أن ينعت بالكاهن السيء، وانطلق في تبرير تخليه عن أداء القداس بسبب تعرضه ثلاث مرات للاختناق النانج عن الربو مما كان يضطره إلى التوقف والانقطاع في كل مرة عن تلاوة القداس.
ومع اقتناع المؤرخين بوجاهة كلام فَيفَالدي، فهم لا ينفكون عن التساؤل: كيف لهذا الرجل أن يدعي العجز عن أداء القداس الذي لا يتجاوز عشرين دقيقة، بينما يقود الأوركسترات، ويدير البروفات والأوبرات، ويعزف على الكمان في المسارح؟ هذا الرجل الذي يقوم بالرحلات الطويلة الشاقة؟
معهد الرحمة
اشتهرت بمدينة البندقية على عهد فَيفَالدي أربع مؤسسات خيرية كانت - على غرار مؤسسة نظيرة لها بباريس - تحتضن عددا من الأطفال - سائرهم من البنات - ممن تخلى عنهن ذووهن من قاطني الأحياء الفقيرة. كانت هذه المؤسسات تحمل اسم "معهد الرحمة"، وكانت النابغات من نزيلات هذه المعاهد يوجهن نحو دراسة الموسيقى ولاسيّما العزف على الآلات بأنواعها، وحتى أنواعها الصعبة كالأرغن، والباصون، والأوبوا، والكور. أما المعلمون فقد كانوا من الموسيقيين المشهود لهم بالبراعة. 
كانت العروض الموسيقية التي تنظم في نهاية الأسبوع وفي الأعياد تلقى إقبالا منقطع النظير من الساكنة وحتى من الأجانب. فهذا الكاتب الشهير تشارلز دي بروسيس يحضر ذات يوم أحد هذه العروض فلا يتواني في التعبير عن عظيم إعجابه، ثم يأتي بعده الكاتب الفرنسي الشهير جان جاك روسو ليسجل في "الاعترافات" أن موسيقى معهد الرحمة أفضل بكثير من موسيقى الأوبرا، وأنه لا مثيل لها في إيطاليا ولا في بقية العالم. 
فَيفَالدي أستاذا بمعهد الرحمة
في هذا المعهد سيقضي فَيفَالدي أكثر من ربع قرن من حياته، لم يتوقف عن التعليم به إلا في فترتين، كانت أولاهما بمدينة مانتوفَا Mantoue في شمال إيطاليا حيث قضى خمس سنوات، وكانت الثانية في جولة عبر أوروبا استغرقت عقدين من الزمان.
نعم، في هذا المعهد ظهر نبوغ أنطونيو، وفي "مختبره الموسيقي" - على حد تعبير مارك بّينشيل - وجد تحت تصرفه طالبات موهوبات للغاية، سهر على تعليمهن حسب هواه، وكتب لهن من المؤلفات ما لا يمكن تصوره.
ما هي بالضبط وظائف فَيفَالدي في هذا الدير النسوي؟ لقد كانت مهامه تتنوع باستمرار، وبالرجوع إلى الوثائق الإدارية يتبين أنه تارة يحمل لقب "قائد الكورس - أو قائد الموسيقى الآلية"، وتارة لقب "قائد الأوركسترا"؛ وبعبارة أدق، فقد كانت مهامه متعددة: فهو يلقن دروس الكمان لنزلاء المعهد، وهو المكلف باقتناء الآلات الموسيقية. وهو إلى ذلك مطالب - بمقتضى تعاقد - بكتابة الأعمال الموسيقية التي يؤديها جوق المعهد النسوي في الحفلات العمومية.
ولقد حضر شارل دو بروس ذات مرة حلقة من حلقات عمله، فسجل باندهاش كبير كيف أنه انكب على كتابة كونشيرتو بكامل أجزائه، بشكل أسرع مما يستطيع الناسخ نسخه. 
وبالطبع لم يكن "المايسترو" وحده يضطلع بالتعليم في معهد الرحمة، فلقد رافقه في هذه المهمة أساتذة على قدر كبير من المعرفة، غير أن هذا لا يحول دون أن نقف مندهشين أمام غزارة إنجازاته وتنوعها. 
لا تحسبوا أنه حصر كل اهتمامه في هذا الكم الكبير من المؤلفات الجديدة التي كان يضعها لحفلات المعهد التي لا تنتهي من الأوراتوريو والسمفونيات والمعزوفات المبتكرة. أبدا، فبالإضافة إلي الإنتاج الكثيف الذي أنجزه بمقتضى العقد المذكور سلفا، فقد ألف 540 معزوفة آلية، و49 أوبرا من بينها أوبرا "تيتو موليو" Tito Maulio التي كتبها في ثلاثة فصول خلال خمسة أيام؛ كل ذلك دون أن ينقطع إطلاقا عن امتلاك تقنيات العزف على الكمان، الأمر الذي جعل منه أحد مهرة العزف من بين معاصريه.
ثم إنه كان يعتمد على نفسه في قضاء جل الأغراض المتعلقة بنشاطه الفني، انطلاقا من تعهد إقامة الحفلات، وتحمل أعباء التنقل على مدى عشر سنوات عبر إيطاليا وأوروبا، وتنظيم عروض الأوبرات، وتوظيف المغنين والراقصين، ومناقشة رسوم الفنانين، ومنافحة نزوات راقصات الباليه، إلى تكييف العروض على نحو يرضي أذواق جماهير المتفرجين. 
نهاية المؤلف
في غياب أي وثيقة رسمية تحدد تاريخ وفاة صاحبنا، ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأنه توفي في مدينة البندقية حوالى سنة 1743. ولقد كان من الغريب حقا أن تسكت المصادر بخصوص نهاية رجل ملأت شهرته الآفاق، إلى أن جاء البحاثة رودولفو كَاللو Rodolfo Gallo ليعلن أن وفاة فيفَالدي كانت في اليوم السابع من تموز/يوليو1741، كما تدل على ذلك شهادة الوفاة المودعة بكاتدرالية سان ستيفان، حيث ووري الثرى في المقبرة الجماعية المخصصة للذين لا مورد لهم. وبالفعل، فقد كانت موارده المالية في السنوات الأخيرة من حياته ضعيفة لا تسمح بدفنه إلا كما يدفن في صمت العامةُ من الناس. 
وتشاء الأقدار أن يكون من بين حملة الشموع في "سان ستيفان" طفل في التاسعة من عمره اسمه "جوزيف هايدن"، فهل رافق فَيفَالدي إلى مثواه الأخير؟ 


*Henri Gaubert. (Novembre 1957). Revue MUSICA n° 44, imp CHAIX.

 

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الأحد, 10 كانون2/يناير 2021 10:05
مجلة الموسيقى العربية

مجله موسيقيه تصدر عن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تكشف الذائقة الموسيقية للفرد طبيعة شخصيته؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM