arenfrfaestr

الموسيقى في حياة نجيب محفوظ

عادل السنهورى


سر عبقرية أديبنا العالمي نجيب محفوظ، تعدد مواهبه وتنوع معارفه في مختلف المجالات، وخبراته الحياتية،
كل ذلك ساهم في تكوين شخصيته وصقلها فخرج منه كتابة وأدبا ممتعا ومشوقا وبديعا ينبض بكل خبرة الحياة والموهبة والتنوع في المعرفة.
ليس الرجل كما اعتاد البعض أن يروج عنه ويحاول إلصاق بعض الصفات به وهي من خلال قراءة سيرته الشخصية غير صحيحة. عرف عنه - ظلمًا - بأنه البيروقراطي الأول والنمطي الملتزم الذي عاش حياته – كما قال الكتاب- متصالح مع ذاته ومع كل من حوله متفاديا الصدام العنيف في المناقشات وفى إبداء الآراء وفي علاقاته مع كافة الحكومات والملوك والرؤساء الذين عاصرهم وعايشهم وعاش معهم من فؤاد الأول وحتى الرئيس الأسبق حسنى مبارك مرورا بالملك فاروق والزعيم جمال عبد الناصر وأنور السادات.
جوانب كثيرة مدهشة في حياة نجيب محفوظ ليست بعيدة عن الإبداع في الرواية والسينما والقصة القصيرة، فإلى جانب هوايته وحبه لكرة القدم تأتي الموسيقى وحبها وإتقانها وعزفها كواحدة من عناصر التنوع والتعدد في شخصية محفوظ، ودائمًا ما كان يتحدث به عن دور الموسيقى في حياته، فهو الطفل الذي طاف مع والده مسارح روض الفرج في أشهر الصيف ليشاهد الفرق المسرحية الصغيرة ويستمع في بيته للفونوغراف الذي يصدح بأصوات الشيخ يوسف المنيلاوي والشيخ سلامة حجازي والشيخ سيد الصفتي وصالح عبد الحي، وكذلك الشيخ علي محمود الذي وصف صوته بأنه كان «موازيًّا للوطن». وبلغ حبه للغناء أن التحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية عام 1933 حينما كان طالبًا بالفرقة الثالثة في كلية الآداب قسم الفلسفة ليتعلم العزف على آلة القانون الوترية لكنّه لم يكمل دراسته بغرض الاستعداد لاختبار الليسانس بالكلية.
مع حبه للموسيقى وعزفه للقانون كان صاحب صوت جميل رخيم ودائمًا ما كان يتحدث حول إتقانه للغناء السليم وعزفه لمجموعة من البشارف والسماعيات التي تعلمها أثناء دراسته. والمتتبع لأعماله الأدبية بداية من «خان الخليلي» مرورا بالثلاثية و«المرايا» وصولا إلى «صباح الورد» و«حديث الصباح والمساء» يمكن ببساطة أن يلحظ ذلك الاحتفاء السمعي بأحوال أهل الغناء وطقوس الوصلة الغنائية وتخت العوالم وطبيعة العازفين والفروق الدقيقة بين القوالب الغنائية المختلفة من الطقطوقة والدور والموشح والليالي والمواويل.
شغفه الموسيقي حبا بدرجة تفوق الأدب مما جعله يبوح للناقد الكبير غالي شكري في كتابه «نجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل» بقوله: «كل ما أستطيع قوله إنني أحببت الفنون التشكيلية والموسيقى لدرجة أن شغفي بالموسيقى يكاد يفوق شغفي بالأدب ".
لم تكن علاقة نجيب محفوظ بالموسيقى مجرد شغف واستماع إلى كل ما يروقه بل كانت له آراء عديدة حول المطربين والملحنين. فكان يميل إلى صوت سلطانة الطرب منيرة المهدية ويصفها دائمًا بأنها واحدة من أفضل الأصوات النسائية التي ظهرت خلال القرن العشرين وخاض نقاشًا طويلًا في أحد حواراته مع الناقد المسرحي فؤاد دوارة ضمن كتابه «نجيب محفوظ من القومية إلى العالمية» تطل منه شخصية الناقد والمؤرخ الموسيقى لدى محفوظ، فقد دار نقاش حول الدور الخطير الذي لعبه كل من سيد درويش ومحمد عبد الوهاب في تطوير الموسيقى العربية. محفوظ دائمًا كان يؤكد على البصمة التعبيرية التي تركها «درويش» وغناؤه، قبل أن يثني على «عبد الوهاب» الذي مر بطورين أساسيين ــ من وجهة نظره ــ فكأن بداياته تشبه المنفلوطي وصعوده يشبه توفيق الحكيم، أي أنه جمع بين الأصالة والمعاصرة مع استيعاب للتراث الموسيقى وهضمه واقتباس نغمات غربية تجعل من أعماله في النهاية غاية في الإبداع والرقي.
المدهش والمفاجئ أن اهتمام أديبنا بالموسيقى لم يكن مقتصرا على الموسيقى الشرقية فقط. فقد كان قارئا نهما للموسيقى عبر العصور ويستمع لكل ما تقدمه الإذاعة الأوروبية من معزوفات إلى جوار ما يطرحه د. حسين فوزي من تحليلات ورؤى نقدية حول موسيقى العالم. فكان من الطبيعي أن تطول الأحاديث بينه وبين الشيخ زكريا أحمد حول الموسيقى الشرقية في أحد المقاهي ويظل مقدرا لصوت الشيخ محمود صبح وما به من قدرات عالية وهو في الوقت نفسه يستقي معلومات وافية حول الموسيقى الغربية من صديقه الموسيقار عبد الحليم نويرة.
كان يرفض أي سؤال عن مقارنة أصوات أسمهان وليلى مراد ونور الهدى بصوت أم كلثوم. ويرى أن مقارنة أي صوت لمطربة بصوت ثومة "يضره من حيث أردت أن تنفعه وتهينه من حيث أردت أن تكرمه وتمرغه في التراب وقد أردت أن تسمو به إلى السماء". ويبدو أن هذا الرأي ترسخ لديه تدريجيا خصوصا أنه كان منحازًا من البداية لصوت منيرة المهدية. وكان محبا لأم كلثوم بشغف وقد سمى ابنته "أم كلثوم".
وبالرغم من عشقه البالغ لشخصية أم كلثوم وصوتها فإن أديبنا لم يلتقها سوى مرة واحدة عندما طلب إليها الأستاذ محمد حسنين هيكل أن تحضر حفل احتفال مؤسسة الأهرام بعيد ميلاد «محفوظ» الخمسين في ديسمبر 1961 وخلاله دار بينهما حديث طويل حول القصة والرواية والشعر. لقد كان «محفوظ» مرآة لعصره بكل ما فيه من انتصارات وانكسارات فانعكست تلك الرؤى بطبيعة الحال على ما تناوله من أغنيات وأعلام موسيقية في فترة عرفت بعصر النهضة للأغنية العربية. وعاش «محفوظ» بنفسه ليرى الانحدار التدريجي لمستوى الأغنية العام فكان يشعر بحسرة بالغة تجاه ما آلت إليه الأمور.
وبطبيعته الشخصية المتجددة والمتطورة دائما في تناول الأمور، فقد أحب نجيب محفوظ الطرب والغناء القديم وأحب الجديد أيضا، أحب الموسيقى الشرقية والغربية أيضا ووجد في كل لون غنائي وموسيقى متعة ومذاقا خاصا.


نقلًا عن اليوم السابع

 

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الجمعة, 15 كانون2/يناير 2021 20:47
مجلة الموسيقى العربية

مجله موسيقيه تصدر عن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تكشف الذائقة الموسيقية للفرد طبيعة شخصيته؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM